سبق الحديث في العدد الماضي عن شرف ومنزلة فهم مراد الشرع ومقصده، وذلك من خلال تراث ابن تيمية، ودلائل هذا الأصل من الوحي والفطرة، وكذلك الإشارة إلى معالم تسهم في تحقيق ذلك الفهم، كالنظر في سياق الكلام، وفقه الصحابة، إلخ.

وكما يقال: «وبضدها تتبيّن الأشياء»، لذا بسط أبو العباس ابن تيمية الكلام عما يعارض فهم المراد وعقله، من موانع ومكدرات، وعوائق ومعكرات.

فمن موانع الفهم: التقليد وقبول قول الآخرين بلا حجة؛ فتحرير العقول من التقليد يحصل به الفهم الصحيح، وينتفي الفهم السقيم، ويخلّص النفوس من كشف صوفي مخرِّف، ونظر كلامي مذبذب، وتخييل فلسفي ملحد.

لقد بين ابن تيمية أن الطوائف المتمردة على فهم مراد الرسول واتباعه سرعان ما تنقاد وتقلد رؤوس الفلسفة والكلام، فكشف عن واقعهم من خلال مخاطبتهم وأخبارهم، فقال رحمه الله: «لعل كثيرًا من أئمة المتكلمين بها[1] لا يحصّلون حقائق تلك الكلمات، ولو طالبتهم بتحقيقها لم يكن عندهم إلا الرجوع إلى تقليد أسلافهم فيها.

ولهذا كان فيها من الكلام الباطل المقرون بالحق ما شاء الله، ويسمونها عقليات، وإنما هي عندهم تقليديات، قلّدوا فيها ناسًا يعلمون أنهم ليسوا معصومين، وإذا بُيِّن لأحدهم فسادها لم يكن عنده ما يدفع ذلك، بل ينفي تعظيمه المطلق لرؤوس تلك المقالة، ثم يعارض ما تبيّن لعقله فيقول: كيف يُظن بأرسطو وابن سينا وأبي الهذيل أو أبي علي الجبّائي[2] ونحوهم أن يخفى عليهم مثل هذا؟

وهو مع هذا يرى أن الذين قلدوا المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى - {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} - قد بخسوا أنفسهم حظها من العقل والتمييز، وهو مع هذا يقبل أقوالًا لا يعلم حقيقتها، وقائلين يعلم أنهم يخطئون ويصيبون، وهذا القدر قد تبيّنتُه من الطوائف المخالفين للكتاب والسنة ولو في أدنى شيء ممن رأيتُ كتبهم، وممن خاطبتهم، وممن بلغني أخبارهم، إذا أقيمت على أحدهم الحجة العقلية التي يجب على طريقته قبولها ولم يجد له ما يدفعها به فرّ إلى التقليد، ولجأ إلى قول شيوخه»[3].

فالقوم يبالغون في العقل والنظر حتى أعرضوا واعترضوا على الوحي بتلك العقليات الموهومة، فإذا بُيِّن لهم بالبراهين العقلية الصريحة تهافت تلك المجهولات المسماة بالمعقولات.. هرعوا إلى التقليد لأرسطو وأشباه أرسطو، والجزاء من جنس العمل[4].

والحاصل أن التقليد يصد عن فهم المراد، ويحجب عن فقه الأقوال والمقالات.

ومن موانع فهم المراد عند أبي العباس: التعلل بدفع المعارض العقلي، فقد عطّل المتكلمة دلالةَ فهم النصوص بحجة دفع المعارض العقلي، فلا يحصل فهم المراد وبيانه عندهم إلا بانتفاء المعارضات العقلية التي تناقضه، ويرى ابن تيمية أن هذا: زندقة[5] تفضي إلى تعطيل دلالة النصوص:

«ولا طريق له[6] إلى العلم بانتفاء المعارضات العقلية إلا أن يحيط علمًا بكل ما يخطر ببال بني آدم مما يظن أنه دليل عقلي. وهذا أمر لا ينضبط، وليس له حد، فإنه لا يزال يخطر لبني آدم من الخواطر ويقع لهم من الآراء والاعتقادات ما يظنونه دلائل عقلية، فلم يمكنه الجزم بانتفاء هذا المعارض أبدًا، ولا يمكنه الجزم بشيء مما أخبر به الرسول»[7].

وهذا التدثر بالمعارض العقلي تجاه النصوص الشرعية يعد قدحًا في بيان الرسول ومراده وفهمه، وقد أوضحه ابن تيمية بقوله:

«لما كان مراد الرسول صلى الله عليه وسلم لا يتم إلا بدفع المعارض العقلي بيّنا في هذا الكتاب[8] فساد القانون[9] الذي صدّوا به الناس عن سبيل الله، وعن فهم مراد الرسول وتصديقه فيما أخبر، إذ كان أيّ دليل على بيان مراد الرسول لا ينفع إذا قُدِّر أن المعارض العقلي ناقضه، بل يصير ذلك قدحًا في الرسول، وقدحًا فيمن استدل بكلامه، وصار هذا بمنزلة المريض الذي به أخلاط فاسدة تمنع انتفاعه بالغذاء، فإن الغذاء لا ينفعه مع وجود الأخلاط الفاسدة التي تفسد الغذاء»[10].

ومانع ثالث من موانع فهم المراد وهو: التأويل الفاسد، فإنه يحول بين صاحبه وفهم النصوص الإلهية، وكم جنى التأويل الفاسد على طوائف أهل الأهواء.

قال ابن القيم: «وأنت تجد جميع هذه الطوائف تُنزّل القرآن على مذاهبها وبدعها، فالقرآن عند الجهمية جهمي، وعند المعتزلة معتزلي، وعند القدرية قدري، وعند الرافضة رافضي»[11].

ويؤكد هذا ما حكاه ابن كثير في ترجمة أبي علي الجبائي المعتزلي: «للجبائي تفسير حافل مطول، له فيه اختيارات غريبة في التفسير، وقد ردّ عليه الأشعري فيه وقال: كأن القرآن نزل في لغة جبّاء»[12].

لقد أولى ابن تيمية مسألة التأويل واحتفى بها بتحريرها وتحقيقها، وبيّن ما في هذا التأويل من إجمال واشتراك، وبسط ذلك في مواطن عديدة[13].

والذي يهمنا في هذا المقال أن نسوق سطوره التالية:

«التأويل المقبول هو ما دل على مراد المتكلم، والتأويلات التي يذكرونها لا يُعلم أن الرسول أرادها، بل يعلم بالاضطرار في عامة النصوص أن المراد منها نقيض ما قال الرسول، كما يعلم مثل ذلك في تأويلات القرامطة والباطنية من غير أن يحتاج ذلك إلى دليل خاص.

وحينئذ فالمتأول إن لم يكن مقصوده معرفة مراد المتكلم كان تأويله للفظ هو من باب التحريف والإلحاد، لا من باب التفسير وبيان المراد»[14].

ومانع رابع يحجب الشخص عن فهم المراد وفقه النصوص والمقالات، وهو أن يعيش الشخص في بيئة أو مجتمع قد تداول ألفاظًا شرعية، واستعمل معاني دينية وفق ما تلقاه وفهمه من شكوك كلامية أو شطحات صوفية، فيظن ذلك الشخص أن هذا هو المراد من تلك النصوص الإلهية الشرعية والمعاني الدينية، فيطوّع هذه المعاني الأصيلة وفق ما تلقنه من أهل بلده ونشأته.

قال ابن تيمية: «إن كثيرًا من الناس ينشأ على اصطلاح قوم وعادتهم في الألفاظ، ثم يجد تلك الألفاظ في كلام الله أو رسوله أو الصحابة فيظن أن مراد الله أو رسوله أو الصحابة بتلك الألفاظ ما يريده بذلك أهل عادته واصطلاحه، ويكون مراد الله ورسوله والصحابة خلاف ذلك. وهذا واقع لطوائف من الناس من أهل الكلام والفقه والنحو والعامة وغيرهم»[15].

وإذا ادّعى الكثيرون أن المنطق آلة تعصم مراعاتها من الخطأ في النظر فإن ابن تيمية يثبت نقيض تلك الدعوى، ويقرر أن المنطق مانع من الفهم والعقل بل يجزم أن «الكثير مما ذكروه في المنطق يستلزم السفسطة في العقليات، والقرمطة في السمعيات، ويكون من قال بلوازمه ممن قال الله تعالى فيه: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}[16].

وقرر في كتاب آخر أن دعوى المناطقة أن المنطق آلة قانونية تعصم مراعاتها أن يزل المرء في فكره من أكذب الدعاوى[17]. ووصف المناطقة بأنهم «أضيع الناس علمًا وبيانًا، وأعجزهم تصورًا وتعبيرًا[18]. وقال أيضًا: «ما زال نظّار المسلمين يعيبون طريقة أهل المنطق، ويبينون ما فيها من العيّ واللكنة، وقصور العقل وعجز النطق[19]».

بل قطع بأن أهل المنطق أكثر الناس شكًا، وأقلهم علمًا، وأشدهم تخبطًا، وأعظمهم حشوًا فقال رحمه الله: «بل الذي وجدناه بالاستقراء أن الخائضين في العلوم من أهل هذه الصناعة[20] أكثر الناس شكًا واضطرابًا، وأقلهم علمًا وتحقيقًا، وأبعدهم عن تحقيق علم موزون. وتجد من أدخله في الخلاف والكلام وأصول الفقه وغير ذلك لم يفد إلا كثرة الكلام والتشقيق مع قلة العلم والتحقيق»[21].

وقال أيضًا: «ولهذا يوجد عامة من يزن به علومه لابد أن يتخبط ولا يأتي بالأدلة العقلية على الوجه المحمود، ومن أتى بها على الوجه المحمود أعرض عن اعتبارها بالمنطق لما فيه من العجرفة والتطويل، وتبعيد الطريق، وجعل الواضحات خفيات، وكثرة الغلط والتغليط»[22].

والمقصود أن أبا العباس تحدث عن موانع كثيرة تحول بين الشخص وبين فهم مراد النصوص الإلهية وعقل المقالات، لكن يتعذر استيعابها في مثل هذه المقالة، ومهما يكن فإن أخوف وأنكى تلك الموانع والصوارف هو حرمان العبد التوفيق، واستحقاقه الخذلان جزاء وفاقًا، وإن تعجب فعجبٌ لأقوام كانت لهم عقول مثل الجبال[23] لكنهم استحبوا الضلالة على الهدى، فختم الله على قلوبهم وأفسد عقولهم، قال ابن تيمية: «قد يكون الرجل من أذكياء الناس وأحدّهم نظرًا ويعميه عن أظهر الأشياء، وقد يكون من أبلد الناس وأضعفهم نظرًا ويهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فلا حول ولا قوة إلا به؛ فمن اتّكل على نظره واستدلاله، أو عقله ومعرفته خُذِل، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة كثيرًا ما يقول: «يا مقلب القلوب ثبِّت قلبي على دينك»[24].

:: عدد مجلة البيان 342 لشهر صفر 1437هـ

#عدد_البيان_الجديد

googleplayappstore

 


[1] أي الأمور الإلهية.

[2] أبو الهذيل والجبّائي من رؤوس المعتزلة.

[3] الدرء 5/316، 317، وينظر: بيان تلبيس الجهمية 5/158.

[4] ينظر: الفتاوى 13/171.

[5] مقالة أبي عبدالله الرازي إن «دلالة الأدلة اللفظية لا تحقق اليقين»، قد عدها ابن تيمية مقدمة الزندقة والنفاق، ينظر: نقض المنطق ص88، والدرء 5/335، وبيان تلبيس الجهمية 8/458.

[6] أي المحتج بدفع المعارض العقلي.

[7] الدرء 5/321، وينظر: الدرء 4/279.

[8] درء تعارض العقل والنقل.

[9] أي فساد قانونهم الكلي: إذا تعارضت الدلائل النقلية والعقلية فإنهم يقدمون عقولهم، وأما النقل فإما أن يُتأول أو يُفوّض، ينظر: الدرء 1/4.

[10] الدرء 1/20.

[11] شفاء العليل ص179.

[12] البداية 11/125.

[13] ينظر: كتاب ابن تيمية وموقفه من قضية التأويل لمحمد السيد الجليند.

[14] الدرء 1/201، باختصار.

[15] قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص152، وينظر: الفتاوى 12/106، وبيان تلبيس الجهمية 7/399.

[16] الدرء 1/218.

[17] ينظر: الرد على المنطقيين ص180.

[18] الرد على المنطقيين ص166.

[19] الرد على المنطقيين ص194.

[20] يعني صناعة المنطق.

[21] نقض المنطق ص169، باختصار.

[22] الرد على المنطقيين ص375.

[23] ينظر: بيان تلبيس الجهمية (ط ابن قاسم) 2/52.

[24] الدرء 9/34.