يفتح القرار الصهيوني الأخير بإعلان حظر «الحركة الإسلامية» داخل الكيان الصهيوني بزعامة الشيخ رائد صلاح بابًا جديدًا من المواجهة بينهما، ويسلط الضوء مجددًا على واقع علاقتها المتأزمة طوال السنوات الماضية عقب ارتفاع أصوات التحريض ضدها من قبل أوساط حكومية وبرلمانية وأمنية.

السطور التالية تكشف النقاب عن طبيعة هذه العلاقة، واستشراف السلوك الصهيوني القادم ضد الحركة ورموزها. لائحة الاتهامات

يمكن قراءة التحولات الصهيونية المتسارعة والجديدة إزاء الحركة الإسلامية في أراضي 48 ضمن أسباب غاية في الأهمية، أهمها الدور الذي اضطلعت به الحركة في التحذير من الجهود الصهيونية لتقسيم المسجد الأقصى، وقيادة حركة المرابطين والمرابطات في ساحاته، والتصدي للمستوطنين الذين دأبوا على اقتحامه بين حين وآخر.

وهناك البنية الصلبة للحركة الإسلامية التي توجد في منطقتي المثلث والجليل، وهنا يكون التخوف الصهيوني كبيرًا من نوازع انفصال فلسطيني ثقافي، أو تكون هذه المنطقة مثيرة للقلاقل الأمنية، أو تشكل بنية مساعدة لمقاومة الفلسطينيين في الضفة وغزة.

كما لا يستهين الكيان الصهيوني بالجهد الخيري والاجتماعي الذي مارسته الحركة الإسلامية في دعم وكفالة الأيتام وأبناء الشهداء والأسر الفقيرة في الضفة الغربية وقطاع غزة، معتمدة في ذلك على التبرعات التي حصلت عليها من فلسطينيي 48، وبرغم أنه عمل تمارسه الحركة بشكل علني وقانوني فإنه كان مصدر اتهام لها، وسببًا في إغلاق جمعياتها، واعتقال أبنائها تحت بند أن هذه الأموال تذهب للمقاومين بشكل أو بآخر.

نشب الخلاف الواضح بين الأجهزة الأمنية الصهيونية، بين مؤيد لحظر الحركة الإسلامية ومعارض لذلك، مع وجود مخاوف مشتركة لدى الجانبين من محاولة قيادة الحركة الإسلامية مواصلة العمل في إطار القانون حتى بعد إخراجها عن إطاره لأنها لا ترغب في التنازل عن مراكز القوة التي راكمتها خلال السنين وستواصل المشاركة في اللعبة تحت أسماء وأقنعة أخرى.

لقد جاء قرار الكيان الصهيوني بحظر الحركة الإسلامية ليضعها أمام معضلة واجهتها أنظمة عربية في السابق تتعلق بالتعامل مع الحركة الإسلامية، إذ إن إخراجها عن القانون هو بمثابة السير في الطريق الأسهل الذي ستكون إحدى نتائجه إمكانية توجه قسم من أفراد الحركة للعمل السري كما حدث مع تجربة الدول العربية، وهو ما سيُدخل الكيان الصهيوني في دوامة أخرى وجحيم لا يطاق، وهو حاليًا لم يتخلص بعد من «كابوس الانتفاضة المزعج»، ولا يريد فتح أبواب أخرى عليه.

تبعات الحظر

زاد التحريض على الحركة الإسلامية عمومًا والشيخ رائد خصوصًا بعد انتفاضة الأقصى، وحاولت الأجهزة الأمنية دائمًا أن تغيبه وتعيق عمله في مشاريعه الخيرية، من خلال قطع التواصل مع العالم العربي والإسلامي، وقال وزير الحرب السابق «بنيامين بن أليعازر» إن الشيخ «يعد خطرًا على أمن الدولة».

وقبل منعه من الكيان الصهيوني كانت الأردن قد منعته من دخول أراضيها ست مرات، وآخرها منعه من التوجه لأداء العمرة والمرور عبر أراضيها. كما صعدت المؤسسة الرسمية وأذرعها الأمنية من ممارساتها ضد الشيخ، فقامت عدة مرات بالتحقيق معه حول قضايا دينية أساسية كصلاة الفجر وأركان الإسلام وقضايا أخرى تتعلق بطبيعة الإيمان والعقيدة.

ولعل أكثر ما ساهم في استهداف الشيخ رائد من الكيان الصهيوني مقاطعته لانتخابات الكنيست والدعوة لعدم المشاركة فيها، حيث حدد موقفه هذا منذ بداية تشكله الفكري والسياسي، ومثلت سلسلة المقالات التي نشرها تحت عنوان: «نحن والانتخابات» دليلًا على موقفه الحاسم منها، حيث شكلت دراسة متأنية ورؤية سياسية للحركة الإسلامية حول العمل البرلماني الصهيوني.

اعتبر الرجل أن انتخابات الكنيست تهدف إلى «استنزاف قوتنا، وضياع أعمارنا، وغرق طموحاتنا، ونحن نصرف كل طاقاتنا في معركة وهمية لا تسمن ولا تغني من جوع! وإن تجربة أكثر من خمسين عامًا في الكنيست أثبتت أن النتيجة تكاد تصل إلى الصفر، فالكنيست ذو وضعية ثابتة أحبطت كل جهود أعضائه العرب.

وكان آخر المضايقات بحقه منعه من إلقاء محاضرات في بعض الجامعات الصهيونية للطلاب العرب حول قضايا دينية بحتة لا علاقة لها بالسياسة، لكن إدارات الجامعات المرتبطة بالمؤسسة الرسمية رأت في وجوده - مجرد وجوده - داخل الحرم الجامعي ما يعكر صفو العلاقة بين الطلاب العرب واليهود!

خيارات محدودة

وبالتالي فإن الناظر إلى سلسلة الملاحقات الأمنية المتواصلة للشيخ رائد من قبل الجهات الأمنية يخرج بقناعة مفادها أن ما يحصل فعلًا هو سعي صهيوني حثيث لترتيب وتلفيق ملفات الغاية منها بالأساس مطاردته وحصر فعاليته، ومحاولة ثنيه عن مسيرته ومساره وموقفه ضد ممارسات الاحتلال في القدس والأقصى، وهو ما تمثل فعلًا بإصدار الحكم عليه بالسجن الفعلي، قبيل إعلان حظر الحركة الإسلامية قبل يومين.

أمام كل ما تقدم، لم يتبقَ للكيان الصهيوني إلا خياران أحلاهما مر: فإما أن يقوم بتركيع الحركة الإسلامية ويعمل على الحد من نشاطها، وإما أن «يستسهل» الأمر كما قام بحظرها وإخراجها من دائرة الشرعية وإغلاق مؤسساتها، وكلاهما يضر الكيان الصهيوني من عدة زوايا: داخليًّا وخارجيًّا، ويصعد دور الحركة الإسلامية ليس فقط في أراضي 67 بل داخل البيت الصهيوني نفسه.

التقدير السائد داخل الكيان الصهيوني أن الخطوات المتوقعة عقب قرار حظر الحركة الإسلامية تتلخص فيما يلي: منع خطب الجمعة في مساجد فلسطين 48 المحتلة لرجال الحركة الإسلامية، ومنع قادتها من دخول قطاع غزة والضفة الغربية، ومنعه من مغادرة الكيان الصهيوني، وفحص المصادر المالية التي تمول الحركة، ومراقبة الأموال التي تدخل المناطق الفلسطينية، ومنع المهرجانات والتجمعات الكبيرة، فضلًا عن إغلاق المؤسسات التربوية التعليمية التابعة لها.

لقد باتت الحركة الإسلامية تواجه مشاكل ومعوقات كبيرة وكثيرة مع السلطات الصهيونية، بسبب حظر نشاط مؤسساتها التي يزيد عددها عن 22 مؤسسة خدمية، وقد تبقى تتحرك بما توفر من هوامش لتعزيز قناعاتها الإسلامية والوطنية.

في المقابل تحرك الكيان الصهيوني ضمن موازناته الداخلية ورؤاه الإستراتيجية واستغل كل مساحة للقانون لملاحقة الحركة، وجمع استخباريًّا كل ما يؤيد دعواه، ما يؤكد أن الكيان الصهيوني انتقل فعلًا في تعامله مع الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني المحتل من مرحلة «القبضة اللينة إلى القبضة الحديدية»، ومن «التصريحات إلى الأفعال».

أخيرًا.. يبدو أن الصدام بين الحركة الإسلامية ومشروعها «العصامي» والكيان الصهيوني وسياساته «الاستئصالية» أمر حتمي، لكن ما يرجح في ضوء تباين وجهات النظر الأمنية الصهيونية تجاه الحركة هو بقاء القبضة الحديدية في حدودها، مع إمكانية استمرارها في ضوء صعود اليمين في الكيان الصهيوني، ما يعني أن العلاقة ستبقى في هذا الإطار، مع فرضية أن تكون مرشحة للتطور نحو سيناريو أسوأ بفعل عدة عوامل خارجية وداخلية، وقد يكون قرار الحظر هو قمة جبل الجليد ليس أكثر!

:: مجلة البيان العدد  343 ربـيـع الأول 1437هـ، ديسمبر  2015م.