جهاد شعب وحلم أمة

تعتمد رواية «عذراء جاكرتا» للروائي الدكتور نجيب الكيلاني (1931-1995م) على توثيق تلك الفترة الحرجة من عمر إندونيسيا، بعد أن نالت استقلالها عام 1948م وتخلصت من براثن الاستعمار الهولندي، وهي الفترة التي أعقبها تولد الثقافتين القومية والإلحادية في مواجهة النفوذ الإسلامي المتغلغل في نفوس الجماهير الإندونيسية، والذي كان له الدور الأبرز في مرحلة الكفاح القومي ضد الاستعمار الهولندي.

وما بين المعسكرين، الإسلامي الأصيل والشيوعي المستورد، يدور الصراع الوجودي، وتترامى الأحداث التداولية في أتون ملتهب، يعمد الكيلاني إلى رصده وتوثيق مراحله وأطره التي انطلق خلالها، ومدى تأثيره على مسيرة الأمة الإندونيسية، وتغييره لكثير من معالمها الثقافية والحضارية، وتردي البلاد في هوة الحضيض الإنساني، وانتهاء الصراع بقيام الحزب الشيوعي بانقلاب دموي سنة 1965م، تتصدى له الجماهير المسلمة وبعض جنرالات الجيش الإندونيسي المناوئين للثقافة الإلحادية، فيتم إفشاله والزج بقياداته داخل السجون.

وبنظرة تحليلية إلى عناصر العمل الفني وأدواته التي اتكأ عليها الكاتب لتوثيق مادته، نلتقط الخيط الأول الذي تمثله «عذراء جاكرتا» أو فاطمة محمد حاجي، وفاطمة رمزٌ للثقافة الإسلامية السائدة، فتاة «في حوالي العشرين من عمرها، أجمل ما فيها عيناها اللتان تشرقان حيوية وإيمانًا وجلالًا، وكانت طويلة الأكمام ترتدي على رأسها شالًا أبيض يخفي شعرها، ويبرز وجهها المتألق النضر» [الرواية، ص20، دار الصحوة، القاهرة، 1434هــ/ 2013م، ط1].

بهذه الصفات الأولية طالعتنا العذراء في أول تمثلها على مسرح الأحداث، ولا يخفى ما لذلك الإطار الشكلي من دلالات مهمة، إذ يرمز عمرها العشريني إلى الشباب والحيوية والمستقبل المترقب، وعيناها وما بهما من حيوية وإيمان وجلال، والستر المتمثل في أكمامها الطويلة، وشالها الذي يخفي الشعر ويبرز نضارة الوجه وتألقه؛ كل ذلكم صفات أساس في الفكرة الإسلامية التي تعتمد الفضيلة منهاجًا، والنقاء هدفًا، وهي فوق ذلك بشبابها تمثل مستقبل الإسلام في تلك الديار، وما يُرجى له من قيادةٍ للجماهير نحو الخير والفضيلة والتقدم.

وإذا ما تجاوزنا تلك الأوصاف الشكلية لنمخر عباب التركيبة النفسية لبطلة العمل «فاطمة حاجي»؛ وجدنا شخصية معتدة شديدة الوثوق بنفسها، قوية الحجة والمنطق، ذكية، تعلو فوق الإغراءات، صاحبة مبدأ ورسالة تجعلها تصرخ في وجه الزعيم الملحد: «ليس في المبادئ أنصاف حلول» [الرواية ص27]، تمتلك درجة من الوعي الذي يمكنها من فقه طبيعة الصراع ومداخله، والأساليب الملتوية التي تعتمدها الثقافة الملحدة في خداع الجماهير وتضليلهم.

ثاني الخيوط التي يمكن التقاطها في العمل شخصية «زعيم الحزب»، وهو بحسب منطوق العمل: ابن بار للثقافة الملحدة، يعشق النساء والخطابة والشهرة، معاقر للخمور، أناني مهووس بذاته لدرجة الجنون، وصولي عاشق للدم، يعيش حياة حيوانية يقدسها ويؤمن أن متعتها هي غائية الحياة.

عمد الكيلاني إلى تجهيل اسم الزعيم كحيلة فنية معبرة، تعتمد تقنية الإيهام ليتجاوز بها حدود التسمية الضيقة إلى التعبير عن الفكرة بأشملها في صورة جامعة لتركيبة الثقافة الملحدة بتناقضاتها وغرائبيتها، وبرغم ذلك فإن مواضعاته النفسية وتحركاته خلال الأحداث ودوره في الثورة الشيوعية ومصيره بنهاية العمل تأتي متوافقة مع ما سجلته كتب التاريخ عن الرفيق عيديد عبد الله (1922-1965م) زعيم الحزب الشيوعي الإندونيسي منذ عام 1950م وحتى إلقاء القبض عليه بعد فشل ثورته الحزبية في سبتمبر 1965م.

وإذا كانت فاطمة تقف رمزًا للفكرة الإسلامية الأصيلة فإن الزعيم هو ممثل الثقافة الشيوعية المتغطرسة، وكلاهما يقف على طرفي نقيض، فبينما تولد فاطمة لوالد عالم درس بالأزهر هو «حاجي محمد إدريس» تخطى الستين من العمر، وهو «بمثابة مدير لعدد من المدارس الإسلامية التي أنشأتها جماعة ماشومي الإسلامية» [الرواية ص23] يكون له دور قوي في الصراع، مختارًا طريق المواجهة الأصعب، حيث ألقى خطبة نارية حمل فيها على تيار الإلحاد الذي يُجير على ملكوت العباد ومقدرات الشعوب، ويمسخ هويتها الإسلامية الأصيلة.

وإذا ما وضع في الاعتبار ضعف بنيان حاجي محمد وزحف الشيخوخة على تضاريسه الجسدية، مما يعبر عن قدم الوجود على مشهد الحياة، وباختياره التصدي في قوة نفسية عظيمة لزحف الشيوعية، فيتم اختطافه ليعاني ألوانًا من المهانة والقسوة التي لا تعترف لشيخوخة بوقار، إنه إذ يتعرض لكل ذلك ويختار المجابهة والتصدي في قوة وعزيمة لا تلين، فهو على وجه من الوجوه رمز للحركة الإسلامية رامزٌ لجذورها العميقة الضاربة في خلايا المجتمع الإندونيسي، وهي مع تلك الأصالة ذات عزم وجرأة في الدفاع عن ثوابتها وعقيدتها مهما تخللها الضعف أو سرى في بنيانها الوهن.

وأصالة الفكرة الإسلامية ورسوخها يقابلها على النقيض من ذلك الفكرة الشيوعية بما هي نبتة غريبة استنبتت بليل وعلى حين غفلة من أهل الدار، فنجد الزعيم الشيوعي لا أصل له، ضعيف العقيدة منذ صغره، متذبذب النفس لا يعرف لليقين وجهًا ولا دبرًا، شبَّ في أحضان الخطايا واليأس، فريسة في الصغر لحملات التبشير المسيحية، معتنقًا في الشباب للفكر الإلحادي أثناء دراسته بروسيا والصين، وهو إلى ذلك ذو نفسية مريضة تتعارض توجهًا وهدفًا وغاية مع ثوابت الإسلام ومبادئه، وإذ يبين بهذا غرابة الإلحاد على بيئة العمل، فإن الرواية لا تمضي قبل أن توقفنا على أصلها الذي يعود إلى الاستعمار الهولندي، فيقول الزعيم: «قال لي مهندس هولندي إبّان الاستعمار الهولندي لبلادنا: الدين هو العقبة الوحيدة في طريق تقدمكم» [الرواية ص14].

وإزاء هذا التقابل الحاد بين ثقافة متغلغلة وفكرة وافدة مستنبتة؛ يغوص بنا الكيلاني في ثنايا الواقع الإندونيسي فترة الستينات، فتتكشف لنا مفارقة حادة يعيشها شعب مسلمٌ يتمسك بعقيدته ودينه ولكنه ضعيف الحول والقوة إزاء الزحف الشيوعي القادم من كل حدب وصوب، و«البلد في حالة من الفوضى لا مثيل لها، السلطة الفعلية في البلاد في أيدي العملاء، والأحوال الاقتصادية تسوء وتتردى في الحضيض، السياسة العامة للحكومات لم تقدم حلًّا للجياع والمتعبين برغم التشدق بالخطب الرنانة والشعارات الجوفاء، والحكام يعيشون في واد وباقي سكان الجزر التعساء يعيشون في واد آخر.. وقصور الرئيس عامرة بالتحف والمجوهرات والمتع المختلفة، حفلات الرقص الصاخبة في قصور الرئيس والتي يشترك فيها عديد من الشخصيات الكبيرة وعلى رأسهم الزعيم محامي الطبقة الكادحة» [الرواية ص44، 45].

هكذا انقلبت إندونيسيا ومسخت عقول كثير من قطاعات الشعب فيها، وارتمى البعض في أحضان الشيوعية التي توفر لهم حظوظ النفس من الهوى والانحلال والإباحية، ليجد أبناء الثقافة الإسلامية أنفسهم في أتون مواجهة مستعرة، فتتوالى صور التضحية، وتصطبغ البلاد بالدم الذي يجري فيها أنهارًا وتغص المعتقلات والسجون بالأبرياء من أبناء الشعب وأنصار جماعة ماشومي الإسلامية.

ويكون لفاطمة ومحيطها البيئي دور في تلك التضحيات الجسام، فتتعد أشكال المقاومة وسبلها، وهي مقاومة من نوع خاص؛ تتسق ومبادئ الفكرة الإسلامية، إذ ترعى للكلمة أمانتها وقيمتها، فتواجه فاطمة الزعيم الشيوعي وجهًا لوجه أمام جحافل الجماهير التي يبثها أفكاره الإلحادية، وتفند آراءه التي بحسب رؤيتها لا تستند لدين أو عقيدة، وهكذا يضعنا الكاتب منذ الفصل الثاني مباشرة أمام تلك الثنائية المتصارعة في مواجهة صريحة، يعتمد فيها الزعيم أساليب ملتوية ومراوغة، تتطور إلى أن ينتهك أمانة الكلمة وقدسيتها، إذ يبث عليها فيالق الطلبة الملحدين الذين يملؤون أسوار الجدران داخل الجامعة بالملصقات التي تنهش في عرضها وتثير حولها وحول أبيها الشبهات.

إن اختيار الكاتب لتطور الصراع على هذا النحو الدامي إنما يستعيد من التاريخ حادثة الإفك التي نهشت فيها ألسنة السوء السيدةَ عائشة رضي الله عنها، فكأنه بصنيعه الفني ذلك يؤكد أن أساليب الصراع بين فيلقي الإيمان والكفر دومًا تدور في إطار متقابل بين نقاء الفكرة وصباحة تطبيقاتها هنا، وبين لوثة الفكرة وغبش تطبيقها على الجانب الآخر  حتى وإن تطورت الأساليب وتنوعت بتنوع الحال والمقام، وهو ما نجد صداه يتردد في مقولة حاجي المطمئنة لابنته: «في كل عصر يا فتاتي حديث إفك جديد» [الرواية ص47].

 من المنطلق نفسه المؤمن بجلال الكلمة وأمانتها يخوض حاجي محمد النزاع بمواجهة صريحة يُختطف على إثرها من مليشيات الحزب الشيوعي، ويُختطف أبو الحسن (خطيب فاطمة) ويرمى به في المعتقل، لتجد فاطمة نفسها وحيدة في مجابهة قوة لا تحترم عهدًا ولا ترعى في نفس إلًّا ولا ذمة.

ربما يكون من أبرز الجوانب التي عمد إليها الكاتب على امتداد العمل تقنية المراوحة بين نقيضين؛ بما هي تقنية دالة وكاشفة عن التناقض المستعر بينهما؛ فهو إذ يرصد جاكرتا الحزينة بدمائها السائلة في الطرقات وأناسها المشردين الضائعين التائهين، والفقر الناشبة أوزاره في كل مكان، والبؤس الذي يلتاث بمظاهر الشعب الإندونيسي ومداخله، والأطفال العراة الحفاة، ونسوة غُيِّبَ عنهن العائل فأضحين متصارعات مع كلاب الشوارع الضالة في الظفر بمخلفات القمامة.

بينما تعج جاكرتا بأمثال تلك المظاهر، نجد هنالك أمة من الناس يمسكون بمقاليد الحكم في البلاد، يحيون في القصور الفخمة بسجاجيدها الفاخرة، وثرياتها وحدائقها، وتدور حفلات الرقص والشرب والزنا، والزعيم الشيوعي ومعه الرئيس المستدرج في غفلة سادرة عن معاناة الشعب وهمومه، فالرئيس بين زوجاته وسهراته الحمراء، والزعيم بين أروقة الحزب للتخطيط للثورة الحمراء ومطالعة قوائم القتل والاعتقال التي يجهزها الحزب للمناوئين، والعيث في طول البلاد وعرضها بخطاباته المراوغة اللاهبة لحماسة الجماهير المغيبة، وإقامة الحفلات الماجنة لإرواء حاجته مع نساء الحزب وبناته.

ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل إن الرئيس والزعيم كليهما يحمل درجة من الاحتقار لهذا الشعب، تجعلهم يمضون في طريق ثورتهم الحمراء بخطف رؤوس الفكر السياسي الديني، وحينما ينتعش الرئيس من الأحلام التي يبثها إياه الزعيم عن دوره وزعامته لجنوب آسيا كله فإنه يرى ألا قيمة مطلقًا لحق الحياة، وألا قدسية لإنسان يحمل فكرًا يعوق ما تتلهف عليه نفسه فيقول: «إن التضحية بمليون أو مليونين من الحمقى شيء بسيط» [الرواية ص167]، وحينما يتساءل الرئيس عن صدى الثورة الشعبي يجيبه الزعيم قائلًا: «الشعب جائع لا وزن له في الحقيقة إزاء هذه الأحداث، القوة وحدها تحسم الموقف، والشعب أخيرًا مع المنتصر، لقد انتهى عصر ثورات الشعوب كشعوب» [الرواية ص168].

وفضلًا عن هذا وذاك، تمرح بين ربوع إندونيسيا جماعات التبشير المسيحية، فتحاول بأساليبها المتنوعة اكتساب الأنصار، معتمدة على فقر الشعب وغفلة الحكام وتأييدهم لأنشطتهم، ومحتمية بمبادئ البانجاسيلا الخمسة التي تنص على احترام جميع الأديان.

يتعاضد الفقر مع تسلط الحكام على المناوئين لتيارهم الإلحادي وزجهم في المعتقلات لنطالع بانوراما مأساوية في أسرة الشاب الجامعي أبي الحسن خطيب فاطمة، فهو ابن لشيخ مشلول قعيد ضعيف البصر، وأم بسيطة راضية برغم فقرها يضطرها اعتقال العائل أبي الحسن إلى تسول الصدقات من شوارع جاكرتا الحزينة، ويتمدد الشقاء والحزن عليهما، ويلوح شبح الموت في كل مكان، فتخرج دعوات العجوز في عفوية آسرة، ويلعب اليقين والإيمان دوره في التخفيف عن مصابهما، ويظلان على أمل اللقاء بأبي الحسن يومًا مهما طال الغياب، ولكنه في الوقت ذاته يرسم لوحة لشقاء الشعب الإندونيسي ومأساته إذ يقول: «الزقاق كله مليء بالتعاسات، ونحن مثلهم، هنا نتساوى في الشقاء، كما نتساوى في حفرة الموت» [الرواية ص161].

كما اعتمد الكاتب على إبراز ثنائية التقابل الحاد بين الفكرتين الإسلامية والشيوعية على امتداد العمل، من خلال الـمُلاحات والمجادلات بل وأحيانًا الصدامات إذا ما برزت كل فكرة تدافع عن نفسها في وجه الأخرى، وتعلي من شأن معتقداتها في الوقت نفسه الذي تسفه فيه من معتقد الأخرى وقناعاتها، فيمتد الحوار أحيانًا ويقصر بين الأفراد من كلا الفكرتين زمانًا ومكانًا، فهو داخل المعتقلات وفي الجامعة وفي الشوارع وفي الصحف والمجلات وغيرها من أنشطة الحياة المجتمعية في إندونيسيا.

لعل من أهم أشكال التخالف بين الفكرة الإسلامية والفكرة الشيوعية ما أثبته الكاتب عن موقف المرأة في كل منهما، فهي عند الشيوعية مراحٌ للعبث بين أحضان الرجال المختلفين، وجسدها كلأٌ تستبيحه أيدي العابثين والسكارى، والشهوة فوق العقل، وحاجة الجسد فوق كل ما عداها من مواضعات، فهل حققت الشيوعية للمرأة بهذا المسلك شيئًا من الراحة أو عرفت لها مظهرًا من مظاهر الاستقرار؟!

يحاول الزوج الشيوعي ممثلًا في شخص الزعيم أن يبث الزوجة أفكاره التقدمية التي تنادي بها الشيوعية حتى يطوعها بين يديه، ولكنه يبرز عن تناقضه الحاد إذا ما حاولت الزوجة أن تطبق المفاهيم التقدمية ذاتها على نفسها، فمن حق الرجل أن يتقلب بين أحضان النساء وليس للمرأة الحق أن تنال وطرها ممن ترغبه من الرجال، ومن ثَمَّ فإن اعتبارات النفسية النسوية تجعل من هذا الإيمان إيمانًا زائفًا، إذ تشعر أنها مجرد دمية أو متاع يتبضع منه الرجل، فتمتلئ تانتي رفيقة الزعيم وزوجته بالكره له ولشعاراته الجوفاء، وينسحق إيمانها بالمبادئ التقدمية ويتوارى خلف حاجة المرأة النوعية بأن يكون زوجها لها وحدها.

وحينما يمتلئ الزعيم بالرواء الجنسي من سيدات الحزب وفتياته، يخلد إلى النوم فتنازعه تانتي حاجتها إلى إرواء غلتها الجنسية، ولكنه يحسم النزاع بقوله: «إنها مسألة فسيولوجية بحتة، فعندما يجوع الإنسان لا بد أن يأكل في أي مكان، ولا بد أن يسد جوعه بأي طعام، المعدة لا ترحم، والجنس أيضًا مثل ذلك» [الرواية ص129].

وبناء على هذا المفهوم الإباحي، تتسلل تانتي فور أن يخلد إلى النوم إلى حفلة دُعيت إليها في مسكن وزير الخارجية، عميل زوجها الرخيص على حد تعبيره، وتشبع نهمها الجنسي وهي تردد عبارة الزعيم نفسها «الجنس مسألة فسيولوجية...»، وحتى هذا الإرواء لا يكون الدافع عليه حاجة الجسد وحدها، بل تتدخل اعتبارات أخرى فيه مثل المكايدة على مثال تانتي، أو إثبات التقدمية والولاء للفكرة الشيوعية التي تؤمن بها المرأة، على غرار مورني رفيقة قائد الحرس الجمهوري ومدام ساسترو وسورابا.

وفي مقابل هذا التردي والانحطاط للمرأة عند الشيوعية، يكون للمرأة عند الفكرة الإسلامية دورها المحوري واحترامها المصون واستقلالها النابع من فهمها لوظيفتها الحياتية بما تتضمنه من حقوق وواجبات، فهي جوهرة مستورة محمية من عبث العابثين، ملكٌ لرجل واحد يجتمعان معًا في علاقة مقدسة تباركها السماء، وتختار فاطمة حاجي التعجيل بخطبتها من أبي الحسن في جرأة نابعة من معرفتها بحقها في الرأي والاختيار، ومسؤوليتها عن هذا الاختيار، وتختاره برغم ما تعرفه عن فقره الشديد.

ويكون الحب دافع أبي الحسن إلى قطع رحلة شاقة ومضنية للبحث عن حاجي محمد بعد اختطافه.. يقول أبو الحسن لفاطمة: «سيضيء وجهك المؤمن ظلام الطريق لي، وسيظل إلى جواري طول تجوالي، قلبانا يسيران معًا، يترنمان بأنشودة صوفية رائعة.. ما أعظم الحب في الله» [الرواية ص58]، وقبل أن يرحل يهديها مصحفًا على وعد بأن يقرآه سويًّا عند عودته، وتتناول هي المصحف لتقبله وتضمه إلى صدرها ودموع الحب الطاهرة تتدفق على وجهها.

إن المصحف هنا بما هو كتاب محكم فيه هداية البشرية الحائرة؛ شاهد على طهارة العلاقة وقدسيتها، وهو الزاد الذي يحميها من زيغ الهوى وحاجة النفس إلى الانحراف والرغبات النزوية، وتترد أصداء الرومانسية الإسلامية قوية مجلجلة في نفس أبي الحسن وهو في معتقله بين جدران صماء لا تجيب ولا تُجاب، فتراوده خيالات فاطمة بصورتها النقية، مخففةً عنه وحشة السجن وقهر السجان، فيشرف «خيال فاطمة عبر الصمت والأفكار المرهقة، وجهها يضيء بالأمل، ويعزف أحلى أغنية.. الطهر والجمال وأناشيد المتصوفين في عينيها، الثقة والحنان وأراجيز الرعاة على شفتيها، المستقبل النضر والغد المترع بالأحلام الجميلة في طلعتها.. هي لي وأنا لها، وأنا على استعداد أن أخوض بحار الأهوال أو أقتحم لهيب النار وأتصدى لحشود الموت وهي إلى جواري.. حبيبتي الله معنا؛ لأننا نحب الله ونعشق العدل، ونشدو في بستان الحقيقة حيث الإيمان والأمل» [الرواية ص143].

وتزوره فاطمة وهو في معتقله فتضيق بفرحة طلعتها على قلبه الدنيا وما فيها، ويتزود من حبها بمداد يُهون عليه أحزان السجن وقسوته، ومن ضيق المعتقل تتسع آمال المستقبل أمامهما، وتفترش السبل بالألحان الجميلة والآمال الطيبة لحياتهما وحياة أمتهما.

إن المرأة هنا قوة دافعة وطاقة خلاقة ومنبع عطاء لا منتهى لمعطياته، فتعلو فوق حدود الحسابات الضيقة، ولعل في هذا ما يفسر اندفاع فاطمة نحو بيت أبي الحسن لتعول والديه العجوزين أثناء اعتقاله، وتتكبد عناء الاهتداء إلى مسكنهما الرازح في أوحال الأزقة الضيقة، فتطعم والده وتسقيه، وتترك لهما المأكولات والأموال التي تعينهما على الحياة آنفًا، فهل ثمة عظمة يمكن لعقيدة أو أيدلوجية أن تقدم أنموذجًا للمرأة على هذا الصنيع الخلاق؟!

تتمدد رومانسية الفكرة الإسلامية حتى الصفحات الأخيرة في العمل بموت فاطمة بعد أن أدت واجبها نحو أمتها وفكرتها، فتسقط شهيدة «وفي يدها وردة حمراء ذات أشواك، وعلى ثغرها ابتسامة رضا، وفي جيبها مصحف صغير، تبلل أهدابها الطويلة دمعة عشق خالد» [الرواية ص264].

إن الوردة الحمراء رمز للرومانسية الإسلامية التي تحب الحياة الكريمة والموت العزيز، وأشواكها رمز الغصة التي ينشبها في حلوق المعتدين والغاصبين، وهي تقابل الصورة البشعة لمنجل الشيوعية الأحمر الذي يسفك الدماء ويسلب النفس حق الحياة، والذي هو رمز لشهوة القتل الأثيمة ودمار الحياة والأحياء، وابتسامة فاطمة ابتسامةٌ راضية مطمئنة إلى مصيرها في دار الخلود بعد أن أدت واجبها نحو أمتها وفكرتها، يقابله على النحو الآخر مشهد استسلام الزعيم بعد أن فشلت ثورته الحمراء، ووقوعه خانعًا ذليلًا في قبضة الشعب الثائر المنافح عن دينه وعقيدته، وشتان الفارق ما بين النهايتين!

والمصحف الذي أهداه أبو الحسن لفاطمة يرسم لوحة رومانسية مؤثرة بامتياز، فهو رمز الطهارة وحادي الكفاح، وهو صاحب رحلة الحب الطويلة وشاهد عدل عليها، وهو زاد فاطمة في الدار الآخرة، ومن ثَـمَّ فإن انتهاء العمل على هذا النحو يجعلنا نستشرف ما وراء تلك اللفتة العبقرية من الكاتب، إذ كما ربط بين فاطمة وأبي الحسن في الدنيا على خير؛ فإنه برحيله مع فاطمة إلى الدار الآخرة يجدد الأمل في لقاء ثان بينهما يجتمعان فيه بلا فرقة ولا انتهاء!

والعمل بما هو منتوج إنساني؛ لم يسلم من بعض الأخطاء الفنية التي فاتت الكاتب أو فوّتها، وأهمها ما اتصل بشأن تركيبة المجتمع الإندونيسي، التي يمكن النظر إليها على مستويين، المستوى الأول هو الواقع المادي المتمثِّلُ في جغرافية المكان ومعماره وتنوعه التركيبي والخرائطي، والمستوى الثاني هو ما يتصل بالخصوصية الحضارية للشعب الإندونيسي، وما يتميز به من عادات وتقاليد وأصول عرقية وتنوعات مذهبية، وقد عالجها الكيلاني معالجة خفيفة لا تمكننا نحن القراء من تجلية أبعاد الوجه المجتمعي لإندونيسيا

ولغة الكاتب في صميمها ذات تأثر واضح بالمعجم الديني، إلا أنها في كثير من المواطن تلبثت بالتقريرية في الوصف والحوار، الأمر الذي أثر على سلامة الأداء الفني، فصيغت الرسالة في قالب مباشر هو أقرب ما يكون إلى لغة الصحافة أو لغة المؤلفات التاريخية التي تتوخى مجرد الرصد والتسجيل، والمباشرة خطأ قلما سلم منه عمل فني يستوحي مادته من التاريخ، كما أن شخصيات العمل نجدها بلا ملامح أو سمات متميزة؛ فهي مجرد أدوات مسخرة تحت إمرة الكاتب لأداء أوامر وتحركات محددة دون أن نشعر بأنها كائنات حية حقيقية لها مظهريتها ودواخلها وخوالجها وخواطرها التي تستقيم ومنطق تفكيرها الشخصي، فيكون بإمكاننا وضع شخصية دون أخرى - في حالة الحوار مثلًا - دون أن نشعر باختلاف جذري، فهي إما مسلمة وإما ملحدة، وهي هنا أو هنا مجرد آلة تدافع عن فصيلها ومعتقدها، وإذا استبدلت بآلة أخرى فكلاهما له الهدف نفسه، وكلاهما يؤدي النتيجة نفسها، بلا تمايز واضح أو حدود فاصلة بين كل شخصية وما عداها من أفراد العمل.

الأمر الأخير الذي أسجله هنا، هو طغيان روح الكاتب على روح العمل، وعلو صوته على مقتضيات الفن ولوازمه، وتدخله الوصفي المباشر على صيرورة الحدث وطبيعته، وهذا ما يتنافى مع خصوصية الفن وطرائقه؛ فالفن بطبيعته يومئ ولا ينطق، يبرز ولا يعالج، يرمز ولا يصرح، ومن هذا قوله عن يوم قيام الثورة الشيوعية: «وفي اليوم المشؤوم أعطى الكولونيل قائد الحرس الجمهوري إشارة البدء في اندلاع الثورة» [الرواية ص212].

ربما يكون هذا العمل إجمالًا من روائع الروايات التاريخية التي سجلت بحرفية وفنية - برغم ما شابها من أخطاء - تاريخ الأمة المسلمة في إندونيسيا، وجهادَها الطويل مع الاستعمار الهولندي والثقافة الشيوعية المستوردة، فهو تطويع للتاريخ في خدمة الفن، أو إن شئت فقل: هو تطويع للفن في خدمة الحقيقة التاريخية، التي أداها الكاتب على وجه من الوجوه، مبرزًا به إحساسه الإسلامي الأصيل، ومسؤوليته إزاء واقع أمته وهمومها، الأمر الذي يجعل من العمل قيمة فنية تتجدد الحاجة إلى إعادة النظر إليها، وإعطائها حقها الواجب لها على خريطة النقد الأدبي.

:: مجلة البيان العدد  344 ربـيـع الثاني  1437هـ، يـنـايــر  2016م.