السنة النبوية هي الأصل الثاني من أصول الإسلام، ولذا كانت هدفاً لشبهات أعداء الإسلام منذ زمنٍ بعيد؛ ليشككوا المسلمين في سلامة نقلها، ومن ثَمَّ عدم الاحتجاج بها، أو الاحتكام إليها، وعندها يستطيعون هدم الإسلام كله، وهيهات، وإذا كنا لا نستغرب هذا الموقف من غير المسلمين، فإن العجب لا ينقضي من ترديد هذه الشبهات من بعض المنتمين للإسلام، بل وسعيهم لاستصدار أحكام قضائية بتنقية صحيح البخاري مما فيه من خرافات وأكاذيب على حد زعمهم!

ومن يتأمل صنيع أعداء السنة يرى أنهم يسيرون وفق منهجٍ خبيث، فهم يدركون أنه لا يمكن إعلان العداء صريحاً للسنة كلها جملةً واحدة، فيُركزون سهامهم على الرموز الكبرى، حتى إذا تحقق لهم توهين الثقة بها كان هدم ما وراءها أيسر، وبرهان ذلك أنهم حين نقدوا الصحابة رضي الله عنهم ركَّزوا على أكثرهم روايةً للحديث وهو أبو هريرة رضي الله عنه[1]، وعلى المنهج ذاته ساروا في توهين الثقة بمصنفات الحديث؛ إذ جعلوا مقصدهم الأكبر صحيح البخاري (194- 256هـ)؛ وليس هدفهم البخاري وحده؛ بل السنة كلها، وصحيح البخاري رمز لها؛ لأنه أوثق كتب السنة قاطبة، قال النووي: «اتفق العلماء على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان، البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما»[2].

ومن أبرز ما يردده المشككون: أن صحيح البخاري كسائر الكتب التي صنَّفها بشر عرضة للصواب والخطأ، فلماذا كل هذا التقدير والوثوق بأحاديث البخاري؟

البخاري أمير المؤمنين في الحديث

البخاري حقاً بشر، لكنه من أكابر العلماء الربَّانيِّين المتقنين، ومن يطالع سيرته يوقن أنه اتسم بصفات لا تتكرر كثيراً، فهو بالإضافة إلى تقواه وورعه، ودقة فهمه وفقهه، وشدة تحريه، وتضلُّعه في علل الحديث، امتاز بقوة الحفظ والإتقان؛ فكان يحفظ مئة ألف حديث صحيح، ومئتي ألف حديث غير صحيح[3]، ونُقل عنه أنه صنَّف جامعه من ستمئة ألف حديث، في ست عشرة سنة، بل إنه قال: لعل في هذا الزمان من ينظر إلى مئتي ألف ألف من كتابه، وقال البيكندي معلقاً: إنما عَنَي نفسَه[4].

ومن أبرز المواقف التي أظهرت حفظه قصة امتحان أصحاب الحديث له ببغداد، حيث عمدوا إلى مئة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وألقوها عليه، ولكنه فطن لذلك ورَدَّ كل متن إلى إسناده الصحيح، فظهرت دقة حفظه للصواب، بل وللخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرة واحدة، فأقرُّوا له بالحفظ والفضل[5].

وشهد للبخاري شيوخه وتلاميذه بالعلم والإتقان، فمن شيوخه: قال أحمد بن حنبل: ما أخرجت خراسان مثله، وقال ابن راهويه: لو كان في زمن الحسن البصري لاحتاج إليه؛ لمعرفته بالحديث وفقهه، وقال علي بن المديني: ما رأى مثلَ نفسه، وقال قتيبة بن سعيد: هو في زمانه كعمر في الصحابة، ومن شهادات تلاميذه قول ابن خزيمة: ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من البخاري، وقال الترمذي: لم أرَ أعلم بالعلل والأسانيد من البخاري[6].

وقال مسلم له يوماً: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيِّد المحدثين، وطبيب الحديث في علله، ثم سأله عن حديث كفارة المجلس فأظهر له البخاري علته[7]، إلي غير ذلك من شهادات يطول الكلام بذكرها وعطرها.

جامع البخاري أصح  كتب السنة:

وأما عن دعواهم أنَّ صحيح البخاري كسائر الكتب، فزيف مردود إذ تفرَّد صحيحه بميزات أبرزها أنه:

  أول كتاب يشترط الصحة، فقد كانت المصنَّفات قبل البخاري لا تُفرِد الحديث الصحيح بالتأليف، بل تضم الصحيح وغيره، ثقةً منهم بأنه في إمكان أهل العلم أن يُميِّزوا هذا من ذاك، ولكن بمرور الزمن كثرت الطرق والرواة واستطالت الأسانيد، فأصبح التمييز أشق، وظهرت الحاجة إلى كتاب يُفرِد الصحيح بالتصنيف، وتطلَّع ابن راهويه إلى ذلك، وصادفت أمنيته رغبةً عند تلميذه البخاري. يقول البخاري: «كنا عند إسحاق بن راهويه، فقال: لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع الجامع الصحيح، وقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم  وكأنني واقفٌ بين يديه، وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض الـمُعبِّرين، فقال لي: أنت تذُبُّ عنه الكذب، فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح»[8].

  أقوى الكتب في شروط الصحة، فقد انتقى البخاري أحاديث توفرت فيها شروط الصحة في أرفع مراتبها، فشرط حديثه كما قال ابن طاهر: «متفق على ثقة نَقَلَته إلى الصحابي المشهور، من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلاً غير مقطوع»[9].

وبالإضافة إلى الشروط العامة لصحة الحديث زاد البخاري شروطاً خاصة، تميَّز بها، وهي:

 أ- طول ملازمة الراوي لشيخه؛ فذلك أدعى لضبطه لروايته عنه، وقد يُخَرِّج البخاري أحياناً ما يعتمده عن أعيان الطبقة التي تلي هذه في الملازمة.

ب- ثبوت لقاء الراوي بشيخه في الحديث الذي يرويه عنه بصيغة تحتمل السماع وعدمه، كعن فلان، وعدم الاكتفاء بالمعاصرة؛ حتى يتأكد من الاتصال بينهما[10].

وبهذه الشروط الدقيقة بلغ البخاري من الاحتياط والوثوق درجة اليقين في الصحة، ولذا قال: «ما أدخلت في الصحيح حديثاً إلا بعد أن استخرت الله تعالى، وتيقَّنت صحته»[11].

  عرضه البخاري على جهابذة علماء عصره، فأقرُّوه عليه، قال العقيلي: لـمَّـا ألَّف البخاري كتاب الصحيح عرضه على أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلى بن المديني وغيرهم فاستحسنوه، وشهدوا له بالصحة، إلا في أربعة أحاديث، قال العقيلي: والقول فيها قول البخاري وهي صحيحة[12].

  أجمعت الأمة على مدى تاريخها على تلقِّي صحيح البخاري بالقبول من حيث الصحة، وصرح بالإجماع الإسفراييني والجويني وابن طاهر وابن الصلاح وجماعة من المتأخرين، والأمة معصومة في إجماعها عن الخطأ[13].

عناية الأمة بصحيح البخاري:

ولـما كان صحيح البخاري يحوي صفوة الحديث الصحيح اهتمت الأمة به اهتماماً بالغاً، فتعاقبت على النظر فيه آلاف العقول عبر القرون، وقامت حوله مئات المؤلفات، ومنها ما يربو عن ثلاثين مجلداً، وتناولته من جميع جوانبه: شرح حديثه، شروط روايته، تمحيص رجاله، تفسير غريبه، اختصاره، الاستخراج عليه، تراجمه وفقهه.. إلخ، بل نقد بعض العلماء كالدارقطني أحرفاً يسيرة فيه، إلا إن ابن حجر رد هذه النقود، وحقَّقَ أنه ليس فيها ما يخل بشرط البخاري[14].

ولذا فلا نرى مثالاً لمن يهاجم صحيح البخاري، جاهلاً أو متجاهلاً جهود الأمة حوله، وتلقيه بالقبول، إلا قول الشاعر:

يا ناطِح الجبل العالي ليَكْلِمَه

أَشْفِق على الرأس لا تُشفق على الجبل

 


 


[1] ذكر ابن الجوزي في كتابه: تلقيح فهوم أهل الأثر، ص263، دار الأرقم، بيروت، اعتماداً على مسند بقي بن مخلد أن أبا هريرة رضي الله عنه هو أكثرهم حديثاً؛ فله خمسة آلاف وثلاثمئة وأربعة وسبعون حديثاً.

[2] شرح النووي على مسلم (1/14)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2.

[3] شروط الأئمة الخمسة للحازمي، ص61، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1.

[4] هدي الساري مقدمة فتح الباري لابن حجر (1/487، 489)، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ، ولا عجب في هذه الأرقام؛ فالمراد الأسانيد لا المتون، وقد يكون للمتن الواحد عشرات الأسانيد، وكذلك يندرج تحتها المرفوع والموقوف والمقطوع. مقدمة ابن الصلاح ص20، دار الفكر، سوريا، 1406هـ.

[5] هدي الساري (1/486).

[6] السابق (1/482، 483، 485).

[7] معرفة علوم الحديث للحاكم ص113، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2.

[8] هدي الساري (1/7).

[9] شروط الأئمة الستة للمقدسي ص17، وانظر: فتح المغيث للسخاوي (1/67)، مكتبة السنة، مصر، ط1.

[10] شروط الأئمة الخمسة ص52-65، فتح المغيث (1/67، 205).

[11] هدي الساري  (1/11، 347)، وانظر: مقدمة ابن الصلاح ص17.

[12] هدي الساري (1/7، 347).

[13] فتح المغيث (1/72).

[14] هدي الساري (1/346-383).