الكلمة الأولى في القرآن الكريم الذي يعد الكلمة الإلهية الأخيرة للبشرية على كوكب الأرض هي «اقرأ»، وهي تحمل مدلول التحول إلى المجتمع المعرفي، والصبغة العلمية الجديدة للعقل المسلم.

إن الأمر «اقرأ» يمثل الضربة الأولى لإيقاظ العقل المرهق بالنزاعات الجاهلية، الضربة الأولى لنفض أقزام الأفكار التي حجمت كفاءة العقل، وقضت على قدراته العملاقة.

لقد كان الفعل «اقرأ» شديد الحساسية لنوعية التغيير المطلوب في الجزيرة العربية، فكان له الدور الريادي في تغيير الخريطة الفكرية للقبائل العربية وصناعة وعيها.

تلك الآيات الخمس من مفتتح سورة العلق شكلت القوة الناعمة للقضاء على كتل الجاهلية في جميع مساراتها، وسعت لتطوير العقل المنتج للفكر المثمر، ونفضت عنه أتربة الجهل، ومثلت له نقلة نوعية من مرحلة الطفولة الفكرية إلى مرحلة الرشد وإشعال فتيلة «التشوق المعرفي» بتعبير عماد الدين خليل التي دفعته للبحث والتساؤل.

كانت الكلمة الأولى من فصيلة الأفعال وما تصنعه الأفعال في اللغة من حركة ودوران وتحول زمني هو بالضبط ما توحي به طبيعة الحال، فما النقطة الأولى في تشييد البناء الحضاري إلا فعل صلب صارم دءوب لا يقبل الركود والاستقرار الذي توحي به الأسماء. وتلك فلسفة الصعود الحضاري المرتقب: «فعل» دءوب لا يقبل التوقف، و«أمر» صارم نشط ترسله قيادة ذكية.

والعقل المستهدف بالقراءة لم يأت في سياقات القرآن الكريم عند الكشف الفهرسي لمفرداته إلا فعلاً بمواضعه الـ49، ليشير إلى أن العقل فعل إنساني متغير وقيمته الفعلية بإنتاجه وأفكاره وحركته الشبيهة بالأفعال، ولم يأت بصيغ الاسم مطلقاً لتبتعد فكرة تصور العقل قطعة خاملة يمتلكها الإنسان كما يمتلك سبيكة مدخرة من الذهب لوقت الاحتياج وهو ما لم يدركه الفلاسفة.

إن الفعل «اقرأ» يمثل تأسيساً إستراتيجياً للعقل القادم، ورؤية استشرافية بعيدة لشكل الأمة المرتقب ومركزية شهودها الحضاري المنشود.

إن الخلاصة الموجزة التي يقدمها مؤشر «اقرأ» تقول: «الأمة التي تتفوق في المعرفة تتفوق في القوة»، بحسب معادلة ألفن توفللر في كتابه «تحول القوة».

ويشير المفكر المغاربي أبو زيد الإدريسي إلى ما يكمن وراء الابتداء بفعل «القراءة» مقدماً على باقي الأفعال التي كانت الأمة بأمس الحاجة إليها في بداية عهدها الجديد فتساءل قائلاً: لماذا كان «اقرأ» أول فعل نزل للبشرية؟!

كانت الجزيرة العربية آنذاك تغرق في الشرك فلعلها أحوج إلى أن يكون أول ما نزل هو «وحّد»، وكانت تغرق آنذاك في الكفر ولعلها أحوج أن يكون أول ما نزل إلى «آمن»، وكانت تعيش ظلماً اجتماعياً كبيراً فلعلها أحوج إلى كلمة «اعدل»، وكان في قريش من عتاة وصناديد الملأ المكي ما يمثل الطاغوت ليصد الناس عن دين الله فعلها أحوج إلى كلمة «جاهد»، وكانت الأمة غافلة عن الحق فلعل أحوج ما تحتاج إليه هو «ادع».. ولكن لم ينزل أول ما نزل لا «آمن» على أمة كافرة، ولا «وحد» على أمة مشركة، ولا «صدق» على أمة مكذبة، ولا «اعدل» على أمة ظالمة، ولا «ادع» على أمة غافلة، ولا «جاهد» على أمة مكابرة، ولا «أصلح» على أمة مفسدة.. بل نزلت «اقرأ»، وهذا ما ينبغي التركيز على مركزيته في التصور القرآني، لقد نزلت «اقرأ» على أمة أمية لم تكن قط تحتاج إلى «اقرأ»، وإنما إلى كثير من أفعال الأمر الحضارية الكبرى ذات الأولوية والمركزية العظمى ولكن تقدم فعل الأمر «اقرأ» عليها جميعاً يحتاج إلى وقفة وإلى تفسير.

والأقرب عندي إلى التفسير الصحيح هو أن كل هذه الأفعال لا بد من تأسيسها على الفعل «اقرأ» باعتباره فعل المعرفة السليمة. ذلك أن الإيمان بلا «اقرأ» سيصبح خرافة، وأن الدعوة بلا «اقرأ» ستصبح تنفيراً، وأن العبادة بلا «اقرأ» ستصبح بدعة، وأن الجهاد بلا «اقرأ» سيصبح إرهاباً.

لقد تم تأسيس كل هذه الأفعال الحضارية والإنسانية والإيمانية الموجودة في الكتاب نفسه بعد ذلك والتي مورست بشكل رائع خلال القرون الخمسة الأولى على الفعل «اقرأ» لكي تستنير بهذا الفعل وتكون على هدى من الله (القرآن والعقل).

إن دلالة اسم الله المصاحب لفعل القراءة «الأكرم» }اقرَأ وَرَبُّكَ الأَكرَمُ{ [العلق: ٣] مع مناسبة «الأعلم» لسياق العلم والتحصيل، تشير إلى كرم الله الفياض، وعطائه المنهمر على الأمم القارئة، وغدق التحصيل المعرفي وينابيعه الثرة. ويرصد أستاذ التناسب المعنوي في الألفاظ القرآنية برهان الدين البقاعي تلك الملاحظة الدقيقة في مدونته التفسيرية الراقية «نظم الدرر» فيقول: «أشار إلى أن من ذلك أنه يفيض على أمته الأمية من العلم والحظ ما لم يفضه على أمة قبلها على قصر أعمارهم، فقال مشيراً إلى العلم والتعليم، مشعراً بوصفه سبحانه بالمنح بالعلم إلى ترتيب الحكم بالأكرمية على هذا الوصف الناقل للإنسان من الحال العقلي السافل إلى هذا الحال العالي الكامل» (22/159).

وللمفكر السوري الشركسي جودة السعيد كتاب فيه تحليل بديع بعنوان «اقرأ وربك الأكرم»، يقول: إن النص يدل على الأمر بالقراءة، ويعقب الأمر بأن الرب أكرم، فصار هنا اجتماع بين القراءة وكرم الرب، أي إن القراءة وكرم الرب اقترنا في مكان واحد. وحين ننظر إلى العالم جغرافياً سنرى هذا الاقتران متلازماً، أي إن الذين ينالون كرم الرب وغناه هم القراء أو أكثر الناس قراءة في العالم.

إن تلك التراكمية الضخمة التي دونتها الأمة من العلوم والمعارف تدل على مدى الاستجابة الفعلية للأمر الذي طولبت بتنفيذه ابتداء وكان القسم بمخرجات القلم ونواتجه }وَالقَلَمِ وَما يَسطُرونَ{ [القلم: ١] قسماً بالأرشيف، قسماً بالتراكمية المعرفية والإنتاج الثر كما فهم منه المفكر المغاربي أبو زيد الإدريسي. وكان المستشرق الفرنسي المنصف جوستاف لوبون 1931م صاحب كتاب «حضارة العرب» الذي يعد من أمهات الكتب التي صدرت في العصر الحديث في أوربا لإنصاف الحضارة العربية والإسلامية يثبت ذلك بالاستقراء التاريخي المسحي، قال: «إن حضارة العرب والمسلمين قد أدخلت الأمم الأوربية الوحشية في عالم الإنسانية، وإن جامعات الغرب لم تعرف لها مورداً علمياً سوى مؤلفات العرب؛ فهم الذين مدنوا أوربا مادة وعقلاً وأخلاقاً والتاريخ لا يعرف أمة أنتجت ما أنتجوا» (حضارة العرب، ص276).

ونلحظ عند فحص قوله تعالى: ﴿ائتوني بِكِتابٍ مِن قَبلِ هذا أَو أَثارَةٍ مِن عِلمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] الإشارة الواضحة إلى البحث في تراث البشرية من خلال القراءة الشاملة العميقة التي تجعل الإنسان عالمياً.

إن مركزية الأمة المشار إليه في قوله تعالى: }وَكَذلِكَ جَعَلناكُم أُمَّةً وَسَطًا لِتَكونوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ{ [البقرة: ١٤٣] تجعل من عملية الشهود الحضاري الذي اختصنا الله به تقضي أن نحقق عملية القراءة المسحية الدقيقة والبحث العلمي المكثف لكافة الأمم من حولنا كي نتمكن من القيام بهذه الشهادة على الوجه الصحيح. وللأسف فقد صرنا موضوع دراسة لغيرنا، ومنطقة استهداف بحثي.

إن «اقرأ» سرها في عكسها، والارتقاء المأمول لن يبدأ إلا من هذا الطريق الأوحد.. }فمَن شاءَ مِنكُم أَن يَتَقَدَّمَ أَو يَتَأَخَّرَ{ [المدثر: ٣٧].