• الانخداع بالبروباجندا الإيرانية وغياب مشروع عربي سني مكنا لطهران.

• الأغلبية المسلمة السنية بريئة من التسبب في الصراع المذهبي.

• لا توجد علاقات سوية في ظل ولاية الفقيه وتصدير الثورة.

• كثيرون تخلوا عن دعوات التقريب احتجاجاً على ما تقوم به إيران.

في الذكرى الأربعين لقيام الثورة الإيرانية سنة 1979م، ثمة أسئلة كثيرة عن حقيقة المشروع الإيراني، خاصة فيما يتصل بالعلاقة مع جيرانه العرب، لاسيما بعد أن جرت مياه كثيرة في نهر تلك العلاقات في السنوات الأخيرة، بما جعل إيران في موضع اختبار حقيقي من «الشعارات» التي ظلت ترفعها لعقود.. كما أن دعوات التقارب مع طهران باتت هي الأخرى على المحك، بعد أن كشفت تصريحات إيرانية كثيرة عن وجهٍ أريد له أن يظل متوارياً.

وفي هذه المناسبة، اخترنا أن نطل، مع المحلل السياسي المصري أسامة الهتيمي، المختص بالشأن الإيراني والعربي، على العلاقة مع إيران من زاوية جديدة، تبتعد عن زاوية السياسة المباشرة، التي يتم تسليط الضوء عليها أكثر من غيرها.

فما هو واقع العلاقة بين إيران والعرب ثقافياً؟ ولماذا نسمع كثيراً الشكوى من «المد الشيعي»؟ وهل التجاذبات الإيرانية- العربية تعد خصماً من رصيد الحالة الإسلامية عموماً، أم تصحيحاً للمسار؟ وهل من الممكن إيجاد علاقات سوية مع إيران على المستويين الثقافي والسياسي؟

مجلة البيان: إيران والعرب.. كيف تقرأ ثقافياً العلاقة الراهنة؟

الحقيقة أن محددات العلاقة الراهنة هي انعكاس لما كانت عليه لعدة قرون سابقة، خاصة تلك التي أعقبت نشأة الدولة الصفوية على يد إسماعيل الصفوي عام 1501م؛ حيث اتسمت العلاقة بصراع شديد بين الدولة الصفوية التي تبنت المذهب الشيعي مذهباً رسمياً لها، والدولة العثمانية التي كان يخضع أغلب العرب لسلطتها.

كما لم يصاحب سقوط الدولة الصفوية ووصول القاجاريين إلى الحكم ثم البهلويين تحولٌ مصيري في طبيعة هذه العلاقة وإن خفت حدتها عما كانت عليه زمن الصفويين، لتأتي أخيراً الثورة الإيرانية عام 1979م بقيادة آية الله موسوي الخميني، التي كانت للكثيرين من العرب وغيرهم بادرة أمل لبداية عهد جديد من العلاقة بين إيران والعرب، خاصة وقد تبنت هذه الثورة الجديدة حزمة من الشعارات التي غازلت المشاعر العربية؛ الأمر الذي دفع قطاعات كبيرة إلى أن يروا فيها أنها المخلص أو المنقذ الذي سينتشل الأمة من الضياع.

لكن بعد أشهر قليلة تكشف للجميع أن الرهان على الثورة لم يكن صائباً؛ فبدلاً من أن توجه الدولة الخمينية الجديدة طاقاتها وقدراتها لتحقيق الأحلام العربية والإسلامية، كانت فوهات بنادقها باتجاه العراق الذي خاضت معه معركة استمرت من 1980م إلى 1988م فيما عرف بحرب الثماني سنوات، والتي استنزفت الكثير من طاقات البلدين المادية والبشرية، لتدخل العلاقة من جديد في حالة صراع أكثر حدة مما كانت عليه، والتي ما زالت تتواصل تداعياتها وانعكاساتها حتى اللحظة.

مجلة البيان: كثيراً ما نسمع أصواتاً عربية تشكو من «المد الشيعي».. بينما كان المتوقع أن نسمع شكوى إيرانية، وهم الأقل عدداً.. فلماذا غاب «المد السني»؟

ثمة أسباب كثيرة يمكن أن تفسر ذلك؛ أولها أن الشيعة طيلة تاريخهم وحتى اليوم يمثلون أقلية داخل الأمة الإسلامية التي ينتمي أغلبها للمذهب السني، ومن ثم فلم يكن وجود هذه الأقلية يمثل أي خطر على هذه الأمة، بل على العكس كان ذلك يوضح إلى أي مدى تتحلى هذه الأمة بمرونة في تقبل وجود الآخرين المختلفين مع خطها العام، بل إن الأمة وفي حال ارتكب بعض هؤلاء المنتمين للمذهب الشيعي جرماً بحق الأمة لم تكن تتعاطى معهم جميعاً على أنهم سواء؛ فلم تكن تتجاوز العقوبة حد المجرمين بعيداً عن الانتقام أو الثأر على الهوية المذهبية.

وربما السبب الأهم هو أن الثورة الإيرانية، التي انتهجت ما عرف بـ«تصدير الثورة»، قد اتخذت نشر التشيع «حصان طروادة» لتحقيق الأهداف السياسية التي كانت تطمح لتحقيقها في المنطقة؛ ومن ثم، فقد كان من بين أولويات أجندتها نشر هذا المذهب وفق التصور والقراءة الخمينية، ليصبح هؤلاء المتشيعين الجدد ظهيراً شعبياً داعماً للمواقف والتحركات الإيرانية بالمنطقة.

وهنا يجب أن نلفت النظر إلى أن التشيع الذي أرادته إيران لا ينحصر فقط في الاعتقاد بمبادئ ومفاهيم المذهب الشيعي، وإنما أيضاً يشتمل على «التشيع السياسي»؛ الذي هو بالنسبة لإيران أهم بكثير من «التشيع المذهبي».

وقد بذلت إيران وأتباعها الكثير من المال والجهد لتحقيق ذلك عبر وسائل وآليات متعددة؛ الأمر الذي مكنها في بعض الأوقات من تحقيق نجاحات جزئية، وساعدها على ذلك أمران مهمان؛ الأول: حالة الانخداع بالبروباجندا الإيرانية فيما يخص تبنيها مثلاً لقضية القدس ونصرة المستضعفين ومواجهة أمريكا. والثاني: غياب مشروع عربي سني للمواجهة؛ حيث استطاعت إيران وبنجاح شديد أن تستغل حالة الاستقطاب الحاد في الصف العربي والإسلامي، فعملت جهدها على توسيع الفجوة بين الأشقاء، وقدمت نفسها سنداً ومعيناً لبعض الأطراف؛ ما كان له انعكاسه العميق على عدم وجود موقف عربي موحد يمكن الاستناد إليه في المواجهة، حيث اقتصرت هذه المواجهة على مواقف فردية ومشتتة، يكون مردودها سلبيّاً في بعض الأحيان.

وأما عن أسباب غياب «المد السني» فالمسألة مرهونة أيضاً بالواقع السياسي للعرب والمسلمين السنة؛ حيث لا بد وأن تتوافر الآليات والوسائل لتحقيق هذا المد، وهو الأمر الذي ما زال غائباً عن ذهن القائمين على الأوضاع، برغم حدة الصراع مع إيران؛ فهم لم يلتفتوا له مقدمين على ذلك أموراً أخرى لا قيمة لها، ومن ذلك مثلاً التقصير الشديد في وجود قنوات إعلامية (صحف ومواقع وفضائيات)، أو مراكز ومؤسسات بحثية ذات ثقل تسهم في الرد على ما تثيره إيران وأتباعها بل وتعمل بشكل منظم على فضح المشروع الإيراني.

مجلة البيان: هل ترى التجاذبات الإيرانية - العربية خصماً من رصيد الحالة الإسلامية عموماً، أم تصحيحاً للمسار؟

بكل تأكيد فإن نشوب أي صراع بين قوميات أو إثنيات متعددة أو مذاهب مختلفة، أو حتى بين أصحاب رؤى متباينة داخل أمة واحدة؛ هو خصم من رصيدها.. غير أنه في حالة الصراع الإيراني - العربي ربما يختلف الأمر كلية؛ ذلك أنه بات معلوماً أن الطرف الإيراني يتبنى مشروعاً هو في جوهره يتعارض مع المشروع الإسلامي، حتى لو تدثر الثوب الإسلامي؛ إذ أثبتت الأحداث على مدار أربعين عاماً أن ذلك لم يكن إلا محاولة للخداع وليس أكثر.. وعليه، فإن استسلام العرب لم يكن يعني في المقابل إلا أنهم أصبحوا مجرد أدوات لتنفيذ مشروع قومي عنصري يستهدف بالأساس استعادة مجد أمة ينظر قادتها إلى العرب على أنهم غزاة، برغم أنه كان يفترض أن تمتلئ نظرتهم لهم بالتقدير والتبجيل والعرفان؛ كونهم كانوا سبباً في دخولهم الإسلام.

والحقيقة، فإن العرب بل والأغلبية المسلمة «السنية» بريئة من التسبب في هذا الصراع؛ فالشيعة طيلة قرون طويلة كانوا يعيشون في كنف الأمة على اختلاف دولها، وكانت لهم كل الحقوق المكفولة لبقية عناصر الأمة؛ وهو ما فتح لهم الباب لإسهامهم في مختلف المجالات بما فيها السياسة.

مجلة البيان: هل من الممكن إيجاد علاقات سوية مع إيران، على المستويين الثقافي والسياسي؟ وكيف؟

الأمر مرهون على الإطلاق ببقاء النظام الإيراني الحالي، والذي يتبنى مجموعة من النظريات الدينية والسياسية التي لا يمكن في ظل استمرار الإيمان بها إقامة علاقات سوية بين إيران والعرب.. إذ لا يمكن مطلقاً أن تسير هذه العلاقة في مسار صحيح مع نظرية «ولاية الفقيه»، أو نظرية «أم القرى»، أو تضمُّن الدستور لمواد تعد «تصدير الثورة» أحدَ أهم الأهداف!

إذ يعني بقاء كل ما سبق أن إيران ستواصل تحركاتها وتدخلاتها في شئون دول المنطقة العربية؛ الأمر الذي سيخلف بلا شك صداماً بين الطرفين، تختلف حدته بحسب حجم التدخل والتفاعلات الإقليمية والدولية.

مجلة البيان: في لحظة زهو، صدرت تصريحات من إيران - مثل تصريحات مندوب مدينة طهران في البرلمان الإيراني، علي رضا زاكاني، والمقرب من خامنئي، في سنة 2014م - عن نجاحهم في السيطرة على أربع عواصم عربية.. كيف ترى تأثير هذا المد أو «التغول السياسي» في إضعاف الأصوات الداعية إلى إيجاد تفاهم مع إيران، فيما عُرف بـ«التقريب بين المذاهب»؟

لا شك أن دعوات التقريب بين المذاهب شهدت في فترة من الفترات حالة من الازدهار والتعاطف من قبل قطاعات كبيرة، خاصة بين النخبة السياسية والفكرية في الكثير من البلدان العربية، والتي كانت تقودها الرغبة الملحة في تجاوز عناصر الأمة للاختلافات فيما بينها والعمل من أجل الانتصار في معركة الاستقلال من التبعية.. غير أن إيران خذلت هؤلاء جميعاً؛ وهو الخذلان الذي تطور نموه خلال سنوات وأحداث متلاحقة، حتى لم يعد يمكن أن يتعامى أحد عنه إلا أولئك المغفلون أو المنتفعون.

وبطبيعة الحال، وفي ظل مثل هذه التصريحات وغيرها من مظاهر تكشف حقيقة المشروع الإيراني، فإن دعوات التقريب لم يعد لها محل من الإعراب بل إن كثيراً ممن كانوا يتبنونها أعلنوا وبشكل صريح أنهم تخلوا عنها؛ كشكل من أشكال الاحتجاج على ما تقوم به إيران.

مجلة البيان: لطالما روَّجت إيران لنفسها بأنها تناصر المظلومين والمستضعفين، ثم هي الآن تنحاز لأنظمة ضد شعوبها.. هل هذه مجرد لحظة تَخلٍّ عن «النقاء الثوري»، أم انكشاف جوهري للبروباجندا؟

بل هي تعرية لحقيقة ما كانت تدعو إليه وانطلى على الكثيرين منا؛ فالمظلومون والمستضعفون الذين ما فتئت أدبيات ثورة الخميني تتحدث عنهم لم يكن المقصود بهم سوى أتباع المذهب الشيعي وهؤلاء الذين آمنوا بنظريات الخميني الدينية والسياسية وأعلنوا الولاء له.. وعليه، فلا يشغلها على الإطلاق طموحات وتطلعات الجماهير المقهورة، كما تابعنا جميعاً الموقف الإيراني الداعم وبقوة لنظام بشار الأسد في سوريا.

وهذا التكشف لم ينحصر فقط فيما يتعلق بمفهوم المظلومين، ولكنه اشتمل أيضاً على ادعاء العداء مع الكيان الصهيوني ومواجهة أمريكا التي كانت تصفها الدعاية الإيرانية بأنها الشيطان الأكبر.. فبرغم أن القوات الإيرانية المتواجدة في سوريا مثلاً كانت على بعد أمتار من قوات الاحتلال الصهيوني المتواجدة في الجولان المحتلة، لم تتحرك هذه القوات الإيرانية للاشتباك مع الصهاينة؛ بل إنها لم ترد على مئات الاعتداءات الصهيونية المتواصلة على القوات الإيرانية أو قوات الأسد.

مجلة البيان: كثيرون من الشيعة انتقدوا إيران الدولة، وولاية الفقيه النظرية.. كيف ترى إمكانية الاستفادة منهم في مواجهة التغول الإيراني؟

بالفعل يوجد قطاع كبير من الشيعة بل والعديد من مراجع التقليد يرفضون نظرية «ولاية الفقيه»، أو على الأقل يختلفون مع قراءة الخميني وأنصاره لهذه النظرية التي كان لها إرهاصات تعود لنحو مئتي عام تقريباً؛ إلا إن ذلك لم يمنع هؤلاء على الإطلاق من أن يدعموا الدولة الإيرانية بكل ما أوتوا من قوة؛ ذلك أن إيران نجحت في أن تصور لهؤلاء أنها الحصن الحصين لهم، وأن وجودها كان كفيلاً بأن يتنفسوا الصعداء.

لكن يبقى أن هناك بالفعل قطاعاً من الشيعة، وخاصة بين العرب، يرفضون ما تقوم به إيران قلباً وقالباً، ويعتبرونه سبباً رئيسياً في حالة الفوضى والتوتر التي تشهدها المنطقة؛ وهو القطاع الذي يجب أن يتم استمرار التواصل معه والعمل على احتوائه.

وتتزايد أعداد هذا القطاع يوماً بعد يوم، خاصة وقد طالت السياسات الإيرانية العنصرية المنتمين إلى المذهب ممن تدعي إيران أنها تسعى للانتصار لهم. ويبرز في ذلك ما حدث مؤخراً في محافظات جنوب العراق؛ التي يسكنها أغلبية شيعية ومع ذلك حرمتهم إيران من الماء والكهرباء، وعملت بشتى الطرق على تدمير حياتهم.

مجلة البيان: إلى أي مدى تمثل إيران خطراً على المنطقة، خاصة بالنسبة للأخطار الأخرى؟

دائماً ما يثير البعض التساؤل حول أيهما أكثر خطراً: إيران أم الكيان الصهيوني؟ وهو تساؤل وبكل أسف يحاول أن يضع المناوئين للمشروع الإيراني في دائرة سوداء تشتمل على الساكتين عن المشروع الصهيوني، أو حتى المقللين لخطورته.. وهو بكل تأكيد ظلم للمناوئين للمشروع الإيراني الذين ما انطلقوا في رفضهم له إلا بعد إدراكهم أن كلا المشروعين يكمل بعضه البعض.

فإيران كانت ولا تزال تتاجر بالقضية الفلسطينية وبتحرير القدس دون أن تتحرك ولو خطوة فعلية تجاه ذلك، بل إن الفيلق العسكري الذي أسسته ضمن فيالق الحرس الثوري وحمل اسم «القدس» لم يكن إلا سيفاً مسلطاً على رقاب العرب، ولم يطلق رصاصة واحدة باتجاه الكيان الصهيوني. ومن ثم، فقد كان بقاء الكيان الصهيوني هو الورقة الرابحة لدى إيران لتواصل دغدغة مشاعر العرب، فيما أن إيران أيضاً كانت الورقة التي شغلت العرب عن قضيتهم المركزية «فلسطين»؛ حيث أصبحت إيران بمشروعها التمددي ورقة ابتزاز لقدرات وطاقات العرب.

مجلة البيان: ما الذي يجعل الشباب منجذباً لمشروعات فكرية شيعية، ويرى فيها آفاقاً ثورية.. وهل هناك في الحالة السنية ما يملأ هذا الفراغ، أو يلبي ذلك الشوق؟

لا شك أن قطاعاً كبيراً من العرب، سواء من الشباب أو من غير الشباب، كان ولا يزال لديهم طموحات وتطلعات سياسية: تتعلق بالحرية والديمقراطية وتحقيق الاستقلال، أو تطلعات اقتصادية: تتعلق بعدالة التوزيع ومواجهة الفساد والاستفادة من الثروات، أو اجتماعية: تتعلق بالقضاء على الطبقية والمحاباة والعنصرية الإثنية وغيرها.. وهو ما جعلهم يحاولون وباستمرار استلهام أية تجارب ثورية، ومنها بالطبع ثورة الخميني 1979م والتي كانت وفق تصورهم حينئذ بأنها نهاية للشاه، الذي أذاق شعبه ويلات الفساد والاستبداد.

كما كان لما يعرف بنظرية «الفراغ» دور كبير في تعاطف هؤلاء مع الثورة الإيرانية، خاصة وأن كل المشاريع النهضوية في الستينات أو السبعينات من القرن الماضي، والتي تبنت قيم وشعارات ثورية؛ لم تقدم نموذجاً تطبيقياً لها على أرض الواقع.. فلم تكن تعدو لديها إلا مجرد أداة لضمان استمرار قادة هذه المشاريع على الكراسي.