كتاب (الأدب المفرد) يعتبر من أجلِّ الكتب التي أُلِّفت في مجال الأخلاق النبوية وأخلاق السلف الكريمة، وربما سُمي كذلك لأن البخاري أفرده عن كتاب الأدب الذي في جامعه الصحيح.

وهذا المقال بعض إضاءات مهمة على صناعة البخاري لهذا الكتاب، الذي لم يضعه عبثاً، ولم يُوْدِع فيه منكراً أو ضعيفاً من الآثار، من وجهة نظري، وذلك بعد دراستي له منذ سنين، وإليكم بعض هذه الحقائق عن هذا الكتاب الرائع، وبعض أسرار صناعة البخاري الدقيقة، وكيف يتنقل برشاقة يغبط عليها بين الأسانيد لينتقي أطيب ما يكون منها، ويضعها في تسلسل مقصود وكأنه يرسم لوحة عظيمة يتقن خطوط كل تفاصيلها.

الإضاءة (1)

كعادة البخـاري فـي الصحيح، لا يكـرر أسـانيده في هذا الكتاب، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، يعني لو أخرج حديثاً في موضع مَّا ثم كرره، فهو يخرجه في الموضع الآخر من طريق آخر، إما الإسناد كلية، أو شيخه على الأقل، والأمر الملفت للنظر، أنه لو أخرج الحديث في صحيحه الجامع، ثم أراد أن يخرجه في الأدب المفرد، فإنه يخرج الحديث بإسناد جديد، وإلا أخرجه من طريق الصحيح نفسه.

مثال:

أخرج حديث عائشة، رضي الله عنها: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ لَيُوَرِّثُهُ» في صحيحه من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَـدَّثَنِي مَـالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وأخرجه من الطريق نفسها في الأدب المفرد في باب الوصاة بالجار.

لكنه لما أراد أن يكرره في باب: حق الجار، أخرجه من طريق آخر فقال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ، أَنَّ عَمْرَةَ حَدَّثَتْهُ، أَنَّهَا سَمعَتْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا... إلخ.

ثم إذا كان المتن صحيحاً، وكان عنده طريق آخر لصحابي مختلف، أخرجه في الأدب، ولم يضعه في صحيحه لأنه ليس على شرط أسانيد كتاب صحيح الجامع؛ فأخرج في صحيحه الجامع حديث «يَا نِسَاءَ المسْلِمَاتِ، يَا نِسَاءَ المسْلِمَاتِ، لا تَحْقِرَنَّ جَـارَةٌ لِجَـارَتِهَا وَلَـو فِرْسِنَ شَاةٍ»، من طـريق عَاصِم بْن عَلِيٍّ، وأخـرجه فـي الأدب من طريق آدم بن أبي إياس، ثم أخرج شـاهداً لـه لـم يخـرجه في الصحيح، من طـريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُعَاذٍ الأَشْهَلِيِّ، عَنْ جَدَّتِهِ، أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «يَا نِسَاءَ المؤْمِنَاتِ، لا تَحْقِرَنَّ امْرَأَةٌ مِنْكُنَّ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ كُرَاع شَاةٍ مُحَرَّق»، وهو صحيح، ولم يخرجه في كتابه لخلاف في إسناده، لكنه لا يضر، ويكفي أن مالكاً أخرج الحديث في موطئه.

الإضاءة (2)

لو كان الحديث مختلَفاً في رفعه ووقفه، فإن البخاري في الأدب لا يُخرِج إلا مـا رجَّحه هو، وعادة يكون ما رجَّحه هو الصواب، ونذكر من ذلك:

أولاً: في ثاني أحاديث الكتاب، أخرج أثراً عن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله تعالى عنهما: «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ»، وهذا مما روي مرفوعاً وموقوفاً، ورجَّح البخـاري الموقـوف من الروايـة التي اختُلف فيها على شعبة، فأما الأثبات: الثوري، وغندر، وآدم بن أبي إياس، فرووها موقوفة، وهو الصحيح.

ثانياً: ورجَّح البخاري الموقوف في حديث عبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهما: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ لَهُ وَالِدَانِ مُسْلِمَانِ يُصْبِحُ إِلَيْهِمَا مُحْتَسِباً، إِلا فَتْحَ لَهُ اللَّهُ بَابَيْنِ، يَعْنِي: مِنَ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ وَاحِداً فَوَاحِدٌ، وَإِنْ أَغْضَبَ أَحَدَهُمَا لَمْ يَرْضَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى يَرْضَى عَنْهُ. قِيلَ: وَإِنْ ظَلَمَاهُ؟ قَالَ: وَإِنْ ظَلَمَاهُ»، وهذا رواه البخاري من طريق: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ الْقَيْسِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ... إلخ، وهذا أجود أسانيد هذا الأثر، وسعيد القيسي (تصحيف) واسمه الصحيح «سعد بن عتيق العبسي»، وهو صالح الحديث إن شاء الله، والدليل على صحة صنيع البخاري، أن كل طرق الحديث عن ابن عباس المرفوعة في إسنادها مقالٌ فرواه عن ابن عباس:

1    عطاء بن أبي رباح القرشي، رواه عنه:

• المغيرة بن مسلم، مرفوعاً، وقد أعلَّه أبو زرعة كما في العلل لابن أبي حاتم (2123) فقال: «المغيرة لم يسمع من عطاء شيئاً».

• ويعقوب بن القعقاع الأزدي، مرفوعاً أيضاً، كما عند البيهقي في الشُّعَب (7538)، وفي إسناده عبد الله بن يحيى ابن موسى السرخسي، متهم.

2    عطاء الخراساني بن أبي مسلم، مرفوعاً، كما عند ابن وهب في جامعه (93)، وفي إسناده أبان بن أبي عياش وهو متروك.

3     محمد بن المنكدر، مرفوعاً، ورواه عنه أبان بن أبي عياش أيضاً كما عند ابن أبي زمنين في تفسيره (149، ط. الفاروق)، وغيرهم وكلها لا تصح.

ثالثاً: ومن روائع البخاري، في هذا الكتاب، أنه يعلمك: كيف يكون علم العلل، ودقة الأداء، ومراعاة ألفاظ المتون جيداً وأسانيدها، وأنه ليس شرطاً - مثلاً - إذا روي الحديث موقوفاً، أن يُعِل ذلك روايةَ المرفوع، فربما روى الصحابي الحديث مرة هكذا ومرة هكذا، وكلاهما صحيح، لكن الأمر يحتاج إلى تتبع الروايات وأسانيدها وكيف تدور وعلى من، انظر معي إلى هذا المثال:

في باب المسـلم مرآة أخيه، أخرج موقوفاً على أبي هريرة، من طريق ابْن وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: المؤْمِنُ مَرْآةُ أَخِيهِ، إِذَا رَأَى فِيهَا عَيْباً أَصْلَحَهُ»، احفظ هذا اللفظ الآن.

ثم في الحديث بعده أخرجه مرفوعاً من طريق ابن أبي حازم، عن كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم  قَالَ: «المؤْمِنُ مَرْآةُ أَخِيهِ، وَالمؤْمِنُ أَخُو المؤْمِنِ، يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ»، وهذا إسناد صحيح، لكن ليس اللفظ السابق نفسه أليس كذلك، مختلف قليلاً؟!

نعم! أخرج البخاري هذه الرواية الأولى موقوفة على أبي هريرة لأن هناك من أخرجها مرفوعة، كالترمذي (1929)عن أبي هريرة، لكن في إسنادها يحيى بن عبيد الله، منكر الحديث، ولذلك أخرج البخاري روايته بلفظه، موقوفة، كأنه يقول: «وهذا هو الصحيح، الوقف على أبي هريرة» (أي أن هذه الرواية بهذا المتن إنما الصحيح فيها أنها موقوفة على أبي هريرة) وهذا من فوائد الأدب لن تجدها في غيره!

 الإضاءة (3)

سبرت أسانيد الكتاب، ولما استثنيت الرواة الذين أخرج لهم الستة (ولم يتكلم فيهم) والرواة المخرج لهم في الصحيحين، والتابعيات لكونهن متفق على قبول حديثهن، فوجدت البخاري قد أخرج لحوالي مئتين وسبعة وعشرين راوياً، مختلَفاً فيهم، لكنه إمام في الجرح، لا ينبغي أن يقارن بأقوال أقرانه، إذا خالفوه، إلا إذا أجمعوا على قول شديد الاختلاف عن قوله، وهـــــــذا نادر.

وهذه مسألة دقيقة جداً، فأئمة الجرح والتعديل، أقوالهم في الرواة تكاد تكون متقاربة، لكن ربما اختلفوا، وهنا ينبغي وضع هذا الراوي تحت مجهر التحقيق:

فنسبر حديثه، وننظر أسباب الجرح، وهل لأحاديثه أصول وشواهد، ومن ورى عنه... إلخ؛ ذلك من القرائن التي تعين المحقق على الوصـــول إلـى القــــول الأصـوب في الراوي.

وعندما سبرت أحاديث رواة البخاري المختلَف فيهم في الأدب، ومَن تفـرد بالروايـة عنهم، وجـدت أن كلها لها شواهد وأصول صحيحة.

مثال وفائدة جليلة:

في الأثر رقم (329) (باب العيَّاب) قال البخاري: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَوْدُودٍ، عَنْ زَيْدٍ (والصحيح زياد) مَوْلَى قَيْسٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّـاسٍ، فِي قَوْلِهِ، عز وجلّ: {وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ [الحجرات: ١١]، قَالَ: لا يَطْعَنُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ.

أبو مودود هذا قال عنه الشيخ الألباني مجهول، وكذا قال في زياد - وليسا بمجهولين - وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: أبو مودود، عن زيد مولى قيس، قيل هو بحر بن موسى، وإلا فمجهول من السابعة. اهـ

قلت: ليس هو بحر قطعاً، لأن البخاري قال في ترجمة زياد في الكبير (3/1243) قـال ابن مقـاتل أخبـرنا عبـد الله قال أخبرنا أبو مودود المدني، سمع زياداً الحذاء مولى قيس عن عكرمة عن ابن عباس: عدة الملاعنة عدة الحامل حتى تضع. اهـ

وبحر بن موسى بصري، وقد صرح البخاري أن أبا مودود هو المدني في هذا الإسناد في التاريخ، وهو عينه الإسناد في الأدب مع اختلاف المتن، فأبو مودود المذكور في الأدب، هو عبد العزيز بن أبي سليمان الهذلي مولاهم المدني، وهو ثقة، وثَّقه أحمد وابن معين وأبو داود، وأغرب ابن حجر فقال في تقريبه عنه: «مقبول»! ولم أرَ من صرَّح في من أخرج هذا الأثر أن أبا مودود هذا هو المدني إلا البخاري في الكبير، كما رأيت وهذه فائدة جليلة، يصحح بها التهذيبات الثلاثة.

مثال آخر:

وهو لراوٍ مشهور ومِن أكثر الرواة الذين اختُلف عليهم ووسم بكل درجات الجرح والتعديل من كذاب (وحاشاه) إلى التوثيق، أخرج له البخـاري متابعـة في موضـع واحد في جامعـه الصحيح، واستغنى عن روايته في الصحيح، لاختلاف الناس عليه، ومحمد بن إسحاق صدوق، وربما هو أعلى من صدوق؛ إذ لما ترجم له البخاري في تاريخه الكبير نقل قول سفيان بن عيينة: «لم أرَ أحداً يتهم ابن إسحاق»، وقول شعبة: «مُحَمَّد بْن إِسْحَاق أمير المحدثين بحفظه»، وكأن البخاري يميل إلى توثيقه، وحديثه فيه تفصيل، ككثير من الرواة الثقات أيضاً، ليس ها هنا موضع ذكره.

لكن في الأدب المفرد، أخرج له البخاري اثني عشر حديثاً، كلها مرفوعة إلا واحداً، وكلها لها شواهد وأصول صحيحة، لم ينفرد بها وقد تابعه على أكثرها رواة آخرون.

 مثال ثالث:

تفرَّد - مثلاً - بالرواية لراوٍ اسمه «الوليد بن دينار السعدي أبو الفضل البصري»، وأخرج له أثراً رقم (109) باب (الأدنى فالأدنى في الجيران) من طريق الْفَضْل بْنُ مُوسَى، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ «أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْجَارِ، فَقَالَ: أَرْبَعِينَ دَاراً أَمَامَهُ، وَأَرْبَعِينَ خَلْفَهُ، وَأَرْبَعِينَ عَنْ يَمِينِهِ، وَأَرْبَعِينَ عَنْ يَسَارِهِ»، وقد أخرج البخاري هذا الأثر عمداً، أظن، ولم أجد هذا الأثر في غير الأدب المفرد، فهو من فوائده الجليلة، حتى يبين للناس أن ما روي مرفوعاً بهذا اللفظ أو قريب منه، لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو مشهور بين الوعاظ، فرواه مرفوعاً: أبو داود في مراسيله (350)، عن الزهري مرسلاً، وأبو يعلى في مسنده (5982)، وفي إسناده عبد السلام بن أبي الجنوب وهو متروك، والطبراني في الكبير (143)، وفي إسناده يوسف بن السفر متهم بالوضع، والبيهقي في الكبير (6/275) بإسناد كلُّه مجاهيل؛ فكما ترى انتقى البخاري أصحَّ إسناد بالباب وهو ما أخرجه من كلام الحسن - رحمه الله - لأن ما ورد فيه من مرفوعات كلها لا تصح.

الإضاءة (4)

وللبخاري عدد من الثلاثيات في هذا الكتاب، ونعني بالثلاثي: أنه بينه وبين الصحابي راويان فقط، وهذا إسناد عالٍ جداً بالنسبة لطبقة البخاري، وله في الأدب ست ثلاثيات، قال البخاري:

1- حديث «إِنَّ الرَّحْمَةَ لا تَنْزِلُ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ قَاطِعُ رَحِمٍ». وهو حديث حسن، وفيه أبو إدام، ضعفه بعضهم واتهمه ابن معين، لكن قال فيه أحمد بن عدي: «وأكثر روايته عن ابْن أبي أوفى، على أنه قليل الحديث، ولم أرَ له حديثاً منكراً جداً فأذكره»، وللحديث شواهد كثيرة.

2- وحديث يُوسُف بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، قَالَ: «سَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  يُوسُفَ، وَأَقْعَدَنِي عَلَى حِجْرِهِ، وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِي»، وإسناده صحيح، ويوسف بن عبد الله بن سلام صحابي صغير.

3- وحديث سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «ضَحَايَاكُمْ، لا يُصْبِحُ أَحَدُكُمْ بَعْدَ ثَالِثَةٍ، وَفِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ...» الحديث، وهذا حديث أخرجه البخاري في صحيحه بهذا الإسناد.

4- وحديث أنس «أَتَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم  تَشْكُو إِلَيْهِ الْحَاجَةَ، أَوْ بَعْضَ الْحَاجَةِ، فَقَالَ: أَلا أَدُلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ تُهَلِّلِينَ اللَّهَ ثَلاثِينَ عِنْدَ مَنَامِكِ...» الحديث، وفيه سلمة هو بن وردان، ضعفه الجمهور، ووثقه أحمد بن صالح المصري، وحديثه في الأدب له شواهد يصح بها أو يحسن على أقل تقدير.

5- أيضاً، حديث سلمة بن وردان عن أَنَس، وَمَالِك بْنَ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ أن «النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم  خَرَجَ يَتَبَرَّزُ، فَلَمْ يَجِدْ أَحَداً يَتْبَعُهُ، فَخَرَجَ عُمَرُ فَاتَّبَعَهُ بِفَخَّارَةٍ أَوْ مِطْهَرَةٍ، فَوَجَدَهُ سَاجِداً فِي مِسْرَبٍ، فَتَنَحَّى فَجَلَسَ وَرَاءَهُ، حَتَّى رَفَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم  رَأْسَهُ، فَقَالَ: أَحْسَنْتَ يَا عُمَرُ حِينَ وَجَدْتَنِي سَاجِداً فَتَنَحَّيْتَ عَنِّي، إِنَّ جِبْرِيلَ جَاءَنِي، فَقَالَ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْراً، وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ». وهذا أيضاً له شواهد صحيحة، وله طريق صحيح آخر، أخرجه ضياء المقدسي في المختارة.

6- حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَيَّاجُ بْنُ بَسَّامٍ أَبُو قُرَّةَ الْخُرَاسَانِيُّ رَأَيْتُهُ بِالْبَصْرَةِ، قَالَ: «رَأَيْتُ أَنَساً يَمُرُّ عَلَيْنَا فَيُومِئُ بِيَدِهِ إِلَيْنَا فَيُسَلِّمُ، وَكَانَ بِهِ وَضَحٌ»، وهذا إسناد حسن موقوف على أنس بن مالك رضي الله عنه.

7- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَعْيَنُ الْخُـوَارِزْمِيُّ، قَالَ: أَتَيْنَـا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَهُـوَ قَاعـِدٌ فِي دِهْلِيزِهِ، وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ صَاحِبِي، وَقَالَ: أَدْخُلُ؟، فَقَالَ أَنَسٌ: «ادْخُلْ، هَذَا مَكَانٌ لا يَسْتَأْذِنُ فِيهِ أَحَدٌ، فَقَرَّبَ إِلَيْنَا طَعَاماً، فَأَكَلْنَا، فَجَاءَ بِعُسِّ نَبِيذٍ حُلْوٍ فَشَرِبَ، وَسَقَانَا». وهذا أثر حسن، ذكر البخاري في الكبير أعينَ الخوارزمي، وقال ابن حجر في ترجمته: مجهول، وكأنه تبع أبا حاتم في ذلك، ولقد جزم البخـاري في الكبيـر بسـماعه من أنس، وإذا جزم البخاري في تاريخه الكبير بسماع راوٍ من آخر، فقد كان... لكن لهذا مقال آخر.