نظراً لأهمية مؤسسة الأسرة ومكانتها في المجتمع الإنساني فقد أولتها الرسالات الإلهية رعاية كبيرة. والإسلامُ الذي بُعِث به رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهو خاتم هذه الرسالات الإلهية؛ قد جاء بالمبادئ والتشريعات التي تدعم الأسرة وتخلصها من شوائب الضعف وتكفل لها كل سبل النجاح والصلاح والاستقرار، لتظل دائماً خلية حية في جسم المجتمع الإنساني، ولَبِنة قوية تشد أزره، وتدرأ عنه عوامل الانهيار والتخلف والفساد. وهي اليوم - أي الأسرة - تعيش حالة من الإرباك بين متطلبات العصر، التي هي ذاتها تحديات تواجه الأسرة من حيث كثرةُ هذه المتطلبات، وخطورتُها على الأسرة، لأنها تشغل الأسرة وأركانها المتمثلة بالأب والأم وتبعدهم عن المهمة الموكلة إليهما، وهي بناء جيل صالح متمسكٍ بدينه وعقيدته وأخلاقه، محافظٍ على هويته وعروبته وأعرافه والتقاليد التي تربَّت عليها مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

العولمة الثقافية:

والأسرة المسلمة تواجه اليوم تحدياتٍ كثيرةً قد تعيق دورها التربوي وتؤثر فيه تأثيراً كبيراً، ومن أخطر هذه التحديات: العولمة الثقافية، لما لها من آثار سلبية على الأمة الإسلامية بصفة عامة وعلى الأسرة المسلمة بصفة خاصة، وتعني العولمة الثقافية: سعي دول الغرب وأمريكا لتنميط الشعور والسلوك البشري لينصبَّ كلُّه في قالب الثقافة الغربية؛ أي أن هذه العولمة تستهدف هويات الشعوب غير الغربية في آسيا وإفريقيا والعالم الإسلامي، وتسعى لإضعافها وتذويبها لتنخرط بصفة دائمة في النمط الليبرالي الغربي وبخاصة الأمريكي. والعولمة بهذا المعنى هي عدوان ثقافي على سائر الثقافات، أو هي سيطرة الثقافة الأمريكية على سائر الثقافات بواسطة استثمار مكتسبات العلوم والثقافة في ميدان الاتصال. ولهذا فالغرب وأمريكا يسعون لتعميم نموذجهم الثقافي على المجتمعات الأخرى من خلال التأثير على القيم الثقافية والحضارية وأنمـاط السلوك لتلك المجتمعات مستغلين التفوق التقني والعسكري والاقتصادي، وهو ما اصُطلح عليه بعولمة الثقافة. وعولمة الثقافة لا تتم وَفْقاً للتفاعل والتداخل بين الشعوب وبرضاً منها، وإنما تُفرَض فرضاً؛ فهي دعوة لفرض الرؤية الغربية والأمريكية على باقي شعوب العالم. وهذا يعني صياغة ثقافة عالمية تُعنى بتوحيد الأفكار والقيم وأنماط السلوك بين مختلف الشعوب، وإلغاء التنوع الثقافي والخصوصية الثقافية لهذه الشعوب، ودمج العالم في نمط ثقافي غربي أمريكي وإذابة الهويات الثقافية للعالم غير الغربي.

آثار العولمة على الأسرة:

وهذا النظام الثقافي الجديد يعمل على إعلاء ثقافة الاستهلاك والمتعة، وإشاعة مفاهيمَ جديدةٍ كمفهوم النوع (Gender) الذي لا يفرِّق بين الذكر والأنثى، والاعتراف بالعلاقات المخالفة للفطرة والمحرمة دينياً كـ (المثلية)، وتغييب نظام القيم الاجتماعية لصالح منظومة قيم جديدة ترفع من القيم النفعية والمادية والإباحية، والرذيلة باسم الحرية؛ وهو ما يؤدى إلى تقويض بناء الأسرة. وهذه الآثار الضارة للعولمة تتنافى مع قيم وآداب الإسلام الذي اهتم بالأسرة اهتماماً كبيراً وأولاها عناية فائقة، وحرص على تماسكها وحفظها مما يقوِّض دعائمها، لأنها هي المحضن الأساسي للنشء وهي نواة المجتمع الإنساني.

طُرُق لمواجهة عولمة الثقافة:

إن ثقة المسلمين بتراثهم النابعةَ من ثقتهم بربهم ووعيهم بدورهم في هذه الحياة تمكِّنهم من تقديم البديل الأرشد الذي يعترف بالتنوع الثقافي ويحترمه لأنه من فطرة الله التي فطر الناس عليها، ويتفاعل مع كل خير عند الآخر، ويهضمه ويُقدِّمه بثوبه الإسلامي في مواجهة عولمة الثقافة؛ بل يجب أن يستيقظ الإحساس وينمو الشعور بالواجب فننهض بواجبنا الشرعي في إنقاذ مجتمعاتنا من هذا الطوفان المدمر بقوانا المتعددة وإمكاناتنا المتنوعة ومن خلال مواقعنا في مجتمعاتنا. وأول من ينبغي أن يمسك بزمام المبادرة في صد الهجمة العولمية الأسرةُ ذاتها، من خلال بنائها الأسري المتين الذي ينهض بالواجبات الشرعية المناطة به، فإن الدخول في عالم الأسرة دخولٌ في مسؤوليات دينية واجتماعية تتعين العناية بها والحرص على الوفاء بها بصورة تكفل لهذه الأسرة التماسك.

والشريعة الإسلامية أفاضت في تحديد الواجبات الشرعية لعناصر هذه الأسرة التي تضبط إيقاعها وترسم حدود التعامل فيها؛ فهي مؤسسة ممتدة من حيث الزمنُ، ممتدة من حيث الأثرُ، حيث يشمل أثرها الأسرة ذاتها والمجتمع من حولها.

أدوات مواجهة عولمة الثقافة:

وللمجتمع بأجهزته المتعددة أدوار عديدة في نجاح الأسرة لا تَقِل أثراً عن دور الأسرة؛ وذلك نظراً إلى تعدد الإمكـانات التي يمتلكها المجتمع وقد لا تملكها الأسرة، فضلاً عن كون الإنسان كائناً اجتماعياً يعيش أكثر وقته في المجتمع من حوله، ويأتي في أول قائمة واجبات المجتمع تجاه الأسرة، رسم إستراتيجية عامة للأسرة نهوضاً بها وتحقيقاً لبنائها بناءً متيناً، وحمايتها من المؤثرات الضارة التي أغرقت العولمة بها عالمنا اليوم. تُرسَم هذه الإستراتيجية من خلال تكاتف قوى المجتمع المتعددة التي تأتي في مقدمتها أجهزة التعليم والإعلام والشباب ومؤسسات الرعاية الاجتماعية، ويتنادى الجميع للنهوض بتكاليفها من خلال الأنشطة: كالتشجيع على الزواج وتيسيره، والتوعية بالأحكام الشرعية المتعلقة بالأسرة، وبالدراسات الاجتماعية والنفسية المتعلقة بها، ورعاية الأمومة والطفولة والمسنين والزوجات في الخلافات الزوجية ومشكلات الشباب مع الآباء والأمهات. وإذا كانت أجهزة المجتمع مطالَبةً بهذا التفعيل الإيجابي لهذه الإستراتيجية، فإن جهاز التعليم يتحمل من بين أجهزة المجتمع عبئاً أكبر في هذا النهوض؛ فهو الجهاز الذي يمضي فيه الفرد أغلى سنوات العمر، سنوات بكل المعاني والاتجاهات وتأسيس المعارف والأخلاق وإيجاد المهارات التي تؤسس لقدرة الفرد المستقبلية في تعامله مع نفسه أو مع الناس من حوله، وهو جهاز يحظى بإمكانات هائلة ولديه من البرامج والطاقات البشرية فضلاً عن الاعتراف الاجتماعي وربط الحركة في الحياة بواقع التعليم؛ وهو ما يؤهله لدور كبير تجاه بناء هذه الأسرة.

والمدرسة في عالم اليوم لم تعد مكاناً لتحصيل المعرفة الذهنية فقط، ولكنها - فوق ذلك - موئل لبناء الإنسان في جوانبه المتعددة (الذهنية والنفسية والاجتماعية). ثم يلي هذا الجهازَ جهازُ الإعلام الذي بات - وللأسف الشديد - من أكبر المهددات للحياة الأسرية ومن أطول أذرعه العولمة التي تخطط لإحداث الآثار الضارة في المجتمعات.

وفي النهاية، فإن ما نودُّ التأكيد عليه، هو أن للثقافة دورَها في بناء شخصية الفرد ومن ثَمَّ المجتمع، وأن الثقافة الاسلامية تتميز عن الثقافات الأخرى بالشمول والكمال والخلود والإيجابية والمرونة والاستقرار لأنها ربانية المصدر، وهذا يحتم علينا - نحن المسلمين - التمسكَ بموروثاتنا الثقافية، والعملَ على إعادة الثقة فيها، وفي قدرتنا على الإبداع والتأثير الإيجابي على العالم، والتخلص من الانهزامية والخنوع والانبهار بالغرب وثقافته، ولكن يجب أن نأخذ من الثقافة الغربية ما هو نافع ومفيد لنا وأن ندع منها الضَّار الذي لا يتناسب مع قيمنا الإسلامية والعربية.