ديواني (هي القدس) يعبِّر عن مركزية هذه المدينة في ذاكـرة المسلمين لأنها جرحهم الأخير، وتحريرها يتطلَّب وحدة الأمة!

أجرى الحوار: محمد شلال الحناحنة

الشاعرة الدكتورة نبيلة الخطيب هي أوَّل أديبة ترأس أحد مكاتب رابطة الأدب الإسلامي العالمية، وكان لها دور كبير وفاعل في المكتب الإقليمي للرابطة في الأردن؛ إذ أدارت عدة مؤتمرات، وشاركت في عدد من النشاطات، والتقيناها أخيراً لتحدثنا عن جراح فلسطين النازفة، وعن القدس خصوصاً، وعن شعرها ونقدها، وعن كثير من آلامها وآمالها...

مجلة البيان: نشأتِ في مدينة (نابلس) في فلسطين المحتلة، نابلس الذكرى والحلم، والمواجع والآمال؛ فهل لنا أن نُطلَّ بإيجاز على هذه النشأة؟

الدكتورة نبيلة: ولدتُ في مدينة الزرقاء الأردنية، حيث كان والدي من نشامى الجيش العربي الأردني، وانتقلتْ بي الأسرة إلى فلسطين بينما لم أتجاوز السنة والنصف من عمري. ونشأتُ في قرية: (الباذان) قرب نابلس. وهي قرية بديعة معروفة بينابيعها العذبة التي تتفجر من الصخور وتجري رقراقة صافية باردة، ثم تنحدر شلالات مهيبة من فوق المرتفعات لتواصل جريانها فتسقي الأراضي التي تمر فيها، بعد أن تتجمع في مجرى الوادي الكبير. ولا حاجة بي لوصف ألوان الخضرة المتنوعة بدرجات مختلفة والتي تُكسب الأرضَ حلةً بهيَّةً تنبض بالحياة وتعبَق بالنماء.

ولأن الشلال المنحدر من عين التَبَّان يصبُّ في أرضنا قرب بيتنا لينضم إلى مجرى الوادي الذي تغذيه ينابيع كثيرة أخرى؛ فقد حظيتُ ببيئة مائية خلابة يتناغم فيها إيقاع خرير الماء، وحفيف الأشجار الظليلة، وزقزقة الطيور متعددة الأنواع والألوان والأنغام، وتفتحت روحي على شتى هيئات الجمال التي بثها الله - سبحانه وتعالى - في الطبيعة. فامتلأت نفسي بهذا الجمال الذي شحذها بطاقات شعرية منذ أن وعيت الحياة.

ولكن هدأة الحياة تلك شابها الكثير من المعاناة حين استولى الاحتلال الصهيوني على بقية أرضنا الفلسطينية، فإن كان استلاب الجزء الأول من فلسطين يوم النكبة قد حدث قبل مولدي، إلا أنني بالكاد أعي أحداث النكسة. وقتها كان والدي - رحمه الله - يمتشق بندقيته ليدافع عنا وعن البلاد. صحيح أن البلاد لم تفقد جمالها، ولكنها فقدت حريتها، وغار الجرح عميقاً في القلوب العاشقة للأرض، والنفـوس الأبيـة التـي ترفض الذل حتى الرمق الأخير.

مجلة البيان: كنتِ رئيسة المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية في الأردن لعدة سنوات... ماذا مثلتْ لك تلك الفترة؟

الدكتورة نبيلة: تجربتي في رئاسة المكتب الإقليمي للرابطة كانت ذات حدَّين: فهي شاقة من جهة، ومفيدة من الجهة الأخرى؛ شاقة لأنها أمانة ومسؤولية كبيرة مثَّلت تحدياً كبيراً مع ظروفي الخاصة والظروف العامة. فعندما وضع القوم الأمانة في عنقي كان عليَّ أنْ لا أخذل ثقتهم بي، تلك الثقة التي جعلتني رائدة في هذا المجال، حيث كنت الرئيسة الأولى من النساء في مكاتب الرابطة كافة في جميع أنحاء العالم، وهو ما جعل المسؤولية تتضاعف لأفتح الباب أمام زميلاتي في مكاتب الرابطة من ذوات الكفاءة. وهذا ما جعلني أتفرغ كليّاً لخدمة الرابطة لدرجة أنني اعتذرت عن المشاركة، في بادئ الأمر، في مؤتمرات كنت دُعيتُ إليها خارج الأردن، وكذلك لفتتني مشاغل المكتب عن التأليف وكتابة الشعر. ولا بد هنا من الإشادة بجهود أعضاء الهيئة الإدارية الذين لم يبخلوا بمؤازرتهم، فقد كان العمل جماعياً منسجماً متكاملاً، وحين وُزِّعَت المهام، قام كلٌّ بعمله على أكمل وجه، فبات المكتب كخلية النحل، كلٌّ يتفانى في عمله، حتى حققنا نجاحاً غير مسبوق بفضل الله تعالى.

وقد عقدنا مؤتمرَين عالمييَّن مهمَّين في الأردن خلال بضعة أشهر؛ مؤتمر الأديبات الإسلاميَّات، ومؤتمر اللغة العربية وآداب الشعوب الإسلاميَّة. وقد حاز مكتبنا على التكريم الأول على مستوى الرابطة، وبات نموذجاً يُحتذى بشهادة مكتب الرابطة الأمِّ في الرياض، فتلقَّى مكتبنا كتابَ شكر ودرعاً تكريمياً، وهو ما بثَّ فينـا جميعاً سعادة غامرة بالنجاح الباهر، وبتقدير الرابطة الأم لهذا النجاح.

وقد جنيت على الصعيد الشخصي خبرة جديدة في الإدارة، وشـعوراً بالثقـة والاعتـزاز، عززهمـا التآلف الرائع بين المكتب والهيئة العامَّة، حيث كـان حضور الفعـاليات التـي يقيمهـا المكتب حضـوراً مشـرفاً، يميِّـزه تفـاعل مبهـج علـى مستوى الهيئة الإدارية والهيئة العامَّة والضيوف من خارج الرابطة، وقد أبرزته وسائل الإعلام بشكل يليق بتميُّزِ تلك الفعاليات وذلك الحضور البهيِّ.

مجلة البيان: نالت الشاعرة نبيلة الخطيب الكثير من الجوائز عن أشعارها؛ دعينا نستعرض بعضاً من هذه الجوائز!

الجائزة الأولى في الشعر في مسابقة رابطة الكتَّاب الأردنيين عن قصيدة (عندما يبكي الأصيل) عام 1995م.

الجائزة الأولى في الشعر في مسابقة الشعراء الشباب في الجامعات الأردنية عام 1996م.

نالت جائزة السيدة الأولى في الشعر من (مجلة السيدة الأولى) الكويتية عام 2000م عن مجمل نشاطها الأدبي.

الجائزة الثالثة عن أفضل عمل محلي في المهرجان الأردني السادس لأنشودة الطفل العربي عن قصيدة (أرجوحتي) عام 2000م.

الجائزة الأولى في مسابقة رابطة الأدب الإسلامي العالمية للأديبات عن ديوان (عقد الروح) حزيران عام 2001م.

الجائزة الأولى في مسابقة عبد العزيز سعود البابطين الشعرية في الكويت عن قصيدة (صهوة الضاد) أيلول عام 2001م.

الجائزة الذهبية في مهرجان الإذاعات العربية في القاهرة عن قصيدة (اليتيمة) عام 2000م.

الجوائز الأولى في مسابقات نشيد الكشاف المسلم لعدة سنوات.

جائزة البجراوية عن الشعر العربي الفصيح من الخرطوم عام 2005م.

جائزة أفضل قصيدة في الوطن العربي عن مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين الشعرية عن قصيدة (عاشق الزنبق) عام 2008م.

مجلة البيان: قيل في إحدى رسائل الماجستير عن شعرك: (إنه يتميز بالواقعية الإسلاميَّة)، برأيك ما الجوانب الفنية لهذه الواقعية؟

الدكتورة نبيلة: جاء في رسالة الباحثة في شعري: «تسعى الواقعية الإسلامية للوقوف على معيار نقدي جديد وأسس نقدية من منطلق عقدي من حيث رؤيتُها للحياة والكون والإنسان برؤية جديدة معاصرة تحرص على إظهار الأبعاد الفكرية والتربويَّة في المجتمع، وفي الوقت نفسه تظهر ناقدةً لثقافة المجتمع، تتناول مادتها من الحياة الاجتماعية من منطلق الالتزام الإسلامي في الأدب. وتهدف إلى علاج قضية الفرد، والجماعة، والأمة على مرِّ العصور واتساع الأمكنة مما يظهر أنَّ الواقعية الإسلامية لا تُحدُّ بعصر واحد».

وتوقَّفت الباحثة عند أهمِّ الخصائص الفنية التي كانت وسيلة بليغة للتعبير عن هذه الواقعية، وبعض التقنيات الفنية، منها التَّناص والتكرار والإيقاع الداخلي والخارجي والجناس... وغير ذلك.

مجلة البيان: هناك من يصف الخطاب الشعري لدى المرأة عموماً بالخطاب الذي لم يزل متعثِّراً! ما ردُّك على ذلك؟

الدكتورة نبيلة: لا أرى فرقاً بين خطاب المرأة وخطاب الرجل بشكل عام، وإنما قد يقع التفريق بين خطاب شاعر معيَّن وشاعر آخر بغضِّ النظر عن جنس أيٍّ منهما. وأنا لا أحبِّ هذا الفصل الحاسم بين شعر المرأة وشعر الرجل، ما دام كلاهما يعيش التجربة ويعاني تحديات الحياة ويحمل الهموم نفسها. إن الفرص المتساوية التي أعطيت للرجل والمرأة في عصرنا، مـن حق التعليم والعمـل والإبداع وحرية الفكر والتعبير وتحمُّـل مسؤوليات الحياة والمساواة في الحقوق والواجبات... كل ذلك قلَّص وجوه الاختلاف التي ابتدعتها وفرضتهـا بعض المجتمعات بين الجنسين، ولا أقول الاختلاف الطبيعي الذي أوجده الله - سبحانه - بينهمـا، والـذي يحفظ لكـل منهمـا تميُّـزه في دوره في الحياة ضمن الضوابط الإسلامية.

مجلة البيان: كيف نقرأ ديوانَك (هي القدس) اليوم في ظل الهجمة اليهودية الحاقدة على هذه المدينة؟

الدكتورة نبيلة: جاء في تصدير الديوان أنَّه: «يضم قصائد تبعث في النفوس والأرواح معاني الصمود والعزة والتشوُّف إلى معالي القيم، والحرص على الارتقاء نحو صفاء الروح وتعاليها عن حطام الدنيا ومآربها... وقـد آثرت الشاعرة أن تطلـق على ديوانهـا اسم (هي القدس)... عنوان إحدى قصائد المجموعة، إيمـاناً منها بمركـزية القدس حية بذاكرة المسلمين والعالم رغم ما يحيط بها من أوضاع ومآسي تنشرها وسائل الإعلام صباح مساء».

 أقول: هي القدس... قِبلةُ المسلمين الأولى، وجُرحُهم الأخير... وأقول جرحهم الأخير واثقةً لأنَّ تحريرها يتطلَّب وحدة الأمة على قلبها النابض، وحين تتوحَّد الأمة فإنها تبرأ من كل أوجاعها وتلتئم جراحاتها النازفة في كـل عضـوٍ من أعضـاء جسدها الـمُثَلَّم، وهـل أَعمَـلَ الذَّبْحَ فينـا إلا خنجر الفُرقة؟! حتى باتت:

رياحُ المُنى تغدو بنا وتَروحُ   

  فتَسبق مِن دُهْمِ العواصفِ ريحُ

لذلك حين وسمتُ ديواني بعنوان (هي القدس) أكون قد وضعت أصبعي على مكمن الوجع الذي تئنُّ بسببة الأمة جمعاء، فحين تتحرر القدس تكون الأمة قد تحررت، ويصبح العالم بخير... حيث ينتهي آخر احتلال على وجه الكرة الأرضية.

مجلة البيان: ما أبرز المحطات في ديوانك الأخير (من أين أبدأ)؟

لقد ضمَّ هذا الديوان مجموعة من أقرب القصائد إلى نفسي؛ إذ من خلال منظومة قصائده المتناغمة والمتكاملة في مواضيعها حضرت الذات التي تمثل الإنسان التواق إلى الانطلاق للأعلى بروحه وقيمه متطهراً بآلامـه وسامياً بآماله. وكذلك حضر الوطن الكبير متجلياً بعراقة تاريخــه وبطـولات أبنائه والتلاحم في وحدة الهدف والمصير والهمِّ المشترك. واعتلى الفرسان صهوة الضاد التي ترمز إلى وحدة الأمة. ورسمت القصائد لوحات من جمال الوطن وما يثيره في النفوس من شوق وحنين... واستحضرت القصائد أيضاً الأمَّ بكل بهائها... لقد ناجت القصائد الخالقَ - سبحانه - والإنسانَ حياً يناضل أو شهيداً في سبيل الحق، والوطنَ متألقاً بمكانته ومقدساته برغم القيود والجراح.

مجلة البيان: أخيراً... لعلك تُطلِعين القراء على آخر نشاطاتك ومشاريعك الأدبية.

الدكتورة نبيلة: لن أتوقف عند المشاركات المتعددة والمتكررة في المؤتمرات والأمسيات الشعرية، فهذه أصبحت من النشاطات الاعتيادية؛ إذ لا بدَّ للأدباء والشعراء بشكل عام من وجود منابرَ يعبِّرون من خلالها عن مكامن نفوسهم الأدبية والفكرية. ولكن الجديد هو دخولي إلى مجال النقد الأدبي المتخصص، حيث حصلت - بفضل الله تعالى - على درجة الدكتوراه في النقد من جامعة اليرموك الأردنية. وهذا المجال يثري تجربتي الأدبية ويعمِّقها، إن شاء الله تعالى.