كتبتُ في محرك البحث كلمة «أرض» بالعربية، فكان أول اقتراحات المحرك «الأرض مسطحة». عددٌ من المقالات المترجمة والعربية وبعض المقاطع المرئية بل ومؤسسات وجمعيات غربية تقام للدفاع عن هذا المذهب، وكأنَّ شيئاً ذا بال يُعلَم لأول مرة.

إن القول بأن الأرض مسطحة أو أنها قرصٌ طافٍ على بحر عظيم قولٌ قديمٌ قالت به حضارات الشرق الأدنى القديمة وبعض الإغريق. وهو قول كثيرٍ من علماء أهل الكتاب لنصوصٍ ملتبسة في أسفارهم.

ولست هنا للحديث عن كروية الأرض أو عدمها، أو عن نصوص القرآن والسنة وإثباتها ذلك أو نفيها إياه. وإنما مُرادي أن أعرض لخلاف أهل الكتاب في هذه المسألة بناء على ما جاء في أسفارهم. ومما يدعوني إلى كتابة هذه الكلمات (على عجالة) ما رأيت من ركوب بعض شبابنا هذه الموجة - أعني «الأرض المسطحة» (flat earth) - تقليداً للغرب، دون بضاعة من علم شرعي أو لغوي أو طبيعي، وإنما مجرد تقميشٍ لما تناثر من أقوال الغربيين على صفحات الإنترنت، لا سيما النصارى الذين يصرُّون على أن القول بأن الأرض مسطحة هو مراد الرب في أسفارهم.

وقبل إيراد نصوص العهد القديم (التوراة المحرفة) المتعلقة بشكل الأرض، أرى لزاماً أن أُذكِّر القارئ بأن التوراة التي بين أيدي القوم لا تخلو من ضلالاتٍ في باب أسماء الله وصفاته، وهي في ما دون ذلك أشد ضلالاً.

جاء في سفر إشعياء (40: 22): «الْجَالِسُ عَلَى كُرَةِ الأَرْضِ وَسُكَّانُهَا كَالْجُنْدُبِ. الَّذِي يَنْشُرُ السَّمَاوَاتِ كَسرَادِقَ، وَيَبْسُطُهَا كَخَيْمَةٍ لِلسَّكَنِ» كما في ترجمة «ڤان دايك» العربية.

إن ترجمة الكلمة العبرية (حُوچ) - بجيم مصرية - «كرة» ليس صحيحاً. لذا نجد جُلَّ الترجمات الأجنبية تترجم الكلمة العبرية إلى (circle) «دائرة» أو (vault) «قبة» أو ما يقابلهما. والظاهر في استعمالها في اللغة العبرية أنها تعني الاستدارة والإحاطة، وهي قريبة من الجذر العربي (ح ي ق) الذي منه «حاق» بمعنى أحاط، وعليه فهي تَصدُق على الجسم المستدير الأطراف سواء أكان قُرصاً أم سواه.

يؤيد ذلك ما جاء في سفر أيوب (22: 14): «السَّحَابُ سِتْرٌ لَهُ فَلاَ يُرَى، وَعَلَى دَائِرَةِ السَّمَاوَاتِ يَتَمَشَّى». وهنا نجد أن نسخة «ڤان دايك» العربية تترجم الكلمة العبرية ذاتها (حوچ) إلى «دائرة» بعد أن ترجمتها «كرة» في إشعياء، وهو تحكُّمٌ لا يستند إلى دليل، مع أن ظاهر النص هنا أنه حديثٌ عن قبة السماء التي تحيط بالأرض.

لكننا نجد نصّاً آخر في سفر أيوب (26: 10) ينسب إلى الرب أنه «رَسَم حَدّاً عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ عِنْدَ اتِّصَالِ النُّورِ بِالظُّلْمَةِ»، و«حدٌّ» هو المعنى الثالث الذي تورده نسخة «فان دايك» للكلمة العبرية (حوچ)، وهو يدل على اضطراب المترجمين في فهم هذه الكلمة التي تعني حرفيّاً «دائرة». فما هو التصور التوراتي للأرض؟

إن النص الأخير في سفر أيوب يُذكِّرنا بما جاء في سـفر الأمثال (8: 27) القـائل: «لَـمَّا ثَبَّـتَ السّـَمَاوَاتِ كُنْتُ هُنَـاكَ أَنَـا. لَـمَّا رَسَـمَ دَائِرَةً عَلَـى وَجْـهِ الْغَمْـرِ». و«الغمر» هاهنا هو الذي جاء ذكره في سفر التكوين (1: 2): «وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ»، وهو الماء الذي خُلقت الأرض على وجهه. فيكون معنى النص أن الرب خلق الأرض كالـ «دائرة» أو القُرص (disk) على وجه الماء، وهذه الكلمة الأخيرة هي التي اختارتها نسخة (International Standard Version) لترجمة كلمة (حوچ) في نص إشعياء (40: 22)، فيكون قول من قال إنها مسطحة أو إنها كالقرص أقرب إلى الصحة ممن قال بكرويتها بحسب نصوص التوراة المحرفة لا على إطلاقه.

وبهذا يتضح مراد سفر أيوب (26: 10) القائل: «رَسَم «دائرة» [«حُوچ» بالعبرية] عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ عِنْدَ اتِّصَالِ النُّورِ بِالظُّلْمَةِ»؛ أي جعل الأرض مستديرة على امتداد الأفق المحيط حيث يلتقي الليل والنهار. ولا يمنع أن يكون المراد أنها مستديرة عند أطرافها لكنها مقببة عند المركز إذا ما أردنا أن نوفق بين «دائرة السماوات» في سفر أيوب و «دائرة الأرض» في سفر إشعياء. وعلى الاحتمالين ليست بِكُرةٍ تامة. دليل ذلك أن إشعياء الذي أورد النص أعلاه: «الْجَالِسُ عَلَى [حوچ «دائرة»] الأَرْضِ» هو الذي قال في (22: 18): «يَلُفُّك لَفَّ لَفِيفَةٍ كَالْكُرَةِ إِلَى أَرْضٍ وَاسِعَةِ الطَّرَفَيْنِ»، فاستعمل كلمـة «كَدُّور» التي تعني «كَكُرةٍ» صراحةً هنا، ولم يستعملها عند وصف الأرض.

إن نصوص العهد القديم (التوراة المحرفة) فيها ما هو حق وفيها ما هو باطل، وتأثرها بأساطير حضارات الشرق الأدنى القديم قال به كثير من علماء أهل الكتاب. وصورة الكون التوراتي تشبه إلى حد كبير ما جاء في تلك الحضارات من كون الأرض قرصاً عائماً على شاسعٍ من الماء داخل قبة عظيمة هي السماء؛ فهل هذه هي صورة الكون كما جاء في القرآن؟ كلا. لكن لا تهز رأسك موافقاً لي، فقد أكون مخالفاً لك في كثير من التفاصيل!