إن تكرار ظاهرة التهاوي السريع لأنظمة مستبدة كانت تبدو - ظاهراً - قويةً ومتماسكة تمرَّست لسنوات طويلة بالبطش والظلم والاستحواذ على السلطة والثروة؛ إن تكرار هذه الظاهرة جديرةٌ بالنظر والاعتبار. ومن الشواهد القريبة ما جرى لكلٍّ من شاه إيران، ورئيس رومانيا؛ فكلاهما راهنا في بقائهما على حماية مصالح الغرب وتقديم الخدمات له، وفي النهاية صرَّح الشاه بأن أمريكا رمتني كالفأر الميت! وأما الرئيس الروماني تشاوتشيسكو فقد كان يهودياً يدور في فلك الاتحاد السوفييتي ظاهراً؛ ولكن في المقابل كان دوره محـورياً في المفاوضات بين دولة اليهود والجهات العربية المستهدَفة في ذلك الوقت (مصر ومنظمة التحرير)، والتمهيد لما تمَّ من اتفاقياتٍ وتطبيعٍ للعلاقات، ومع ذلك فقد كان انتهاء دوره مع بداية نُذُر تفكُّك الاتحاد السوفييتي ورغبة الغرب في بناء أنظمة جديدة في دول (حلف وارسوا) عاملاً في قيام انتفاضة منظَّمة كانت نتيجتها سقوط النظام، وتمَّت تصفيته على عَجَل مع زوجته بعد محاكمة ثورية سريعة؛ فهو يعرف الكثير ولا يمكن السماح بمحاكمة تُفتَح فيها الملفات!

ومن الملفت للنظر أن الخطر يتهدد الطاغية ممن يخدمهم في حالتين متناقضتين، وهما إتمام المهمة أو الفشل فيها، وأخطر الأوضاع أن يصل الخضوع والتفاني لدرجة إحساس الداعمين بملكية الزعيم، ومن ثَمَّ حق التصرف فيه. وفي الماضي القريب بقدر ما كان هناك استغراب من دعوة مصر المنهكة لحضور قمة السبع في فرنسا فإن الأغرب هو مناداة ترامب للسيسي بصوت مرتفع بقوله: «أين دكتاتوري المفضل؟» فجمع بين صفة الدكتاتورية وصيغة الملكية؛ وهو ما يعني أن أسلوبه في الحكم لم يعد ناجعاً أو مفيداً، (يتنافى مع المثل الأمريكية!)، وأن جذوره في بلده لم تعد عميقة فالدائرة المقرَّبة تضيق وبدأت تقتصر تدريجيّاً على الأقارب مع اتساع الدائرة الخائفة من التصفية أو الإبعاد؛ ومن ثَمَّ فإنه وضع أوراقه كلها لدى أمريكا التي اقتنعت أن عمره الافتراضي قد قارب على الانتهاء وصدق ربُّنا في وصف مَن تردَّى حظُّه وبنى نظاماً عنكبوتيّاً فاعـلاً في اصطياد الفرائس والتهامها ولكنه لا يحمي بانيه ولا يقيه من أحداث الزمان؛ فَبَيتُ العنكبوت قائم على نصب المصائد والغدر، وكلُّ مَن فيه مهدد؛ فالأنثى تقتل الذكر بعد التلقيح، واليرقات تلتهم الفرائس التي تم اصطيادها وتعود لتلتهم أضعفَها وقد تنتهي بالتهام الأم. قال تعالى في سورة العنكبوت: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 14]  فهو لا يحقق مهمة البيت من السكن والأمان والراحة، ولا يغني عنها شيئاً، ولا يقيها حراً ولا برداً.