القدس لنا، والمطبعون لا مقام لهم بيننا


أ. ليلى حمدان



 

من المعضلات توضيح الواضحات ولكننا في زمن أضحى فيه تبيان الأصول وتأكيد البديهيات ضروريا وملحًا، مع انتشار آلات وأدوات التطبيع مع الصهاينة في مجاهرة لم نعتدها من دول ومنظمات وشخصيات بدأت دائرتها تتسع.  

وقد ظهر جليا كيف تتسرب أفكار القبول بالتطبيع والترويج لمحاسن لم يحملها يوما، ظهرت مرارًا مع زيارة اللاعبين اليهود لبعض دول الخليج وسط ترحيب بهيج منها بهم، أو التباهي بالتنسيق الأمني والاستخباراتي بين بعض الحكومات والحكومة "الإسرائيلية"، أو التصفيق لكل صفقة تجارية تبرم مع اليهود بحجة "المصالح" ومتطلبات العصر فضلا عن الاجتماعات واللقاءات التي يعلن عنها تارة هنا وتارة هناك لإعلان الخيانة بلا خجل والتطبيع بلا وجل.

 وكل هذه التصرفات مهما أشاد بها أصحابها إنما تعكس ضعفا شديدا في قراءة المآلات وسياسة قاصرة فاشلة تضر بالمسلمين والفلسطينيين قبل غيرهم.

ولا شك أن هذا التطبيع كان جزئيًا سببا في جرأة الإدارة الأمريكية على إعلان القدس عاصمة لدولة اليهود المغتصبين ومن بعدها الجولان كجزء من أراضيها المستحقة زعموا.

لا أريد أن أقدم تعريفًا أكاديميا للتطبيع ولكنني أجمله في عبارة واحدة: هو كل ما يصب في مصلحة اليهود، سواء من معاملات أو تحركات أو سكنات أو تصريحات أو زيارات أو أفكار وهلم جرا.

فلا يمكن بأي حال من الأحوال عند الشرفاء اعتبار المحتل والغاصب شريكا في لحظة أو صديقا مرحبا به أو تطوى سجلات جرائمه التي لا تغتفر ثم يقدم كمشروع انفتاح جديد، بينما هو ليس أكثر من انتفاخ ورمي سرطاني في أدمغة المطبعين الخونة. 

نعم فاليهود ظهروا كورم سرطاني في المنطقة منذ نشوء كيانهم في عام 1948 إن لم يكن قبلها، على حساب حق الشعب الفلسطيني في أرضه. فاعتدوا وأوغلوا في سفك دماء الفلسطينيين، وسجلت قائمة طويلة من المجازر البشعة طالت جميع البلدان المجاورة، واليوم يقيمون لأنفسهم دولة باستجلاب شتاتهم من العالم ويعلنون القدس عاصمة لها، يتبجحون بقوة السلاح ودهاء السياسة ومغريات الاقتصاد وستار العولمة، وسط قبول وإذعان فاضح من الأنظمة في العالم الإسلامي وهو موقف معاكس تمامًا لما تحمله شعوبها من حب وتمسك بالقضية الفلسطينية والذي يتجلى بوضوح عند كل استفزاز يهودي للمسلمين أو انتصار بطولي لفلسطيني.   

ولكن إمعان اليهود في الظلم يستمر في حفر القناعات برفض التطبيع مع الصهاينة ذلك أن المسلمين اليوم يشاهدون اليهود يسرقون مقدساتهم وتراثهم بل وحتى أطعمتهم وأطباقهم وينظرون بأسى على لقطات احتفال اليهود وأصدقائهم في القدس وهم يتفاخرون بأكل الزعتر – الذين لا يحسنون نطق اسمه بلسانهم العبري، بحروفه العربية الأصيلة- في حين يحرم الملايين من المسلمين من زيارة هذا المكان المقدس!

 ومع أن الرجوع للجانب الشرعي والتفسير العلمي لفهم النفسية اليهودية النكدة التي تتقلب مع المواقف ولا تقبل الوفاء بعهد يختصر الوقت والجهد لنسف دعاوى التطبيع أو الثقة بها، إلا أننا نجد الكثيرين اليوم يتحدثون عن التطبيع كأنه وعد حق! وهذا هو الحمق إن لم تكن الخيانة.

ونحن حين نرى الفلسطيني الذي يعيش في داخل الأراضي المحتلة لا يقوى على قبول اليهودي المحتل المغتصب الذي يستفزه ليلا ونهارا ويعتدي عليه بلا سبب، نتعجب من جرأة من هم خارج الأراضي المحتلة وينادون بالتطبيع من خلف أرائك الدعة والترف كيف يرحبون باليهودي ويبنون عليه الآمال. 

 ثم لنتأمل أعذار المطبعين المجاهرين خلف هذا التطبيع المقيت، والتي لخصوها في ضرورة توحيد الصفوف مع إسرائيل لكبح جماح إيران ومحاربة ما يُسمى التطرف الإسلامي!

وما هو في الحقيقة إلا استغفال تافه وتوظيف للمصلحات ماكر خبيث كما عهدنا اليهود وأحلافهم، فضرب إيران لا يحتاج كل هذا التريث والتأخير والجمع والنفير، إذ ضربت العراق وأفغانستان خلال ثوانِ حين كانت المصلحة الأمريكية على طاولة القرارات الطارئة! ولكنه حجة إبليس ليتحول التطبيع لمرحلة القبول الجماهيري بطريقة بائسة.

نعم فبعد أن كان توقع التطبيع مع المحتل اليهودي ضرب من ضروب الجنون، أصبح اليوم واقعا يزيّنه التقاء المصالح والتقارب الاستراتيجي والتعاون السري مع إسرائيل وبين الكثير من الأنظمة العربية.

وكم هو مثير للسخرية أن يعرض كوشنر الصهيوني بداية حبال صفقة القرن متبجحا بحجم استثمارات بنحو ٥٠ مليار دولار فقط في الأراضي الفلسطينية والأردن ولبنان ومصر ليغري بها المغفلين!

كيف وقد أخذت خزينة ترامب البلايين من أموال المسلمين، والآن رجعت تمن عليهم بفتات ستستثمره ولا تتصدق به! أي أنها ستقيمه بشكل مشاريع مربحة ترجع لخزينتها مرة أخرى!

إن المستفيد الأول والأخير من صفقة القرن أيها السادة هو ما يسمى إسرائيل التي ستجني فوائد عظيمة من خلال التعاون الاستخباراتي والعسكري والاقتصادي الذي سيمهد بالفعل لقبولها في المنطقة كدولة يهودية ويمهد لتمددها المدروس.   

ولكننا نعوّل على موقف الشعوب الأبية أمام هذا المكر الكبار الجديد من الصهاينة ومرتزقتهم في المنطقة، وإن الموقف الثابت الرافض للتطبيع الذي أعلنت عنه الشعوب المسلمة سيكون أول عقبة أمام المطبعين، إلا أن على الشعوب أن تتيقظ لمحاولة صدهم الذي سيكون غالبا عن طريق الدس التعليمي الثقافي بهدف تفتيت المبادئ العقدية التي يقوم عليها موقفهم المبغض للصهاينة. يدخل في ذلك وسائل أهمها الإعلام والثقافة والتغريب الماجن التي على المسلمين التصدي لها وتعريتها وفضحها وكشف العاملين عليها وكشف سيرهم المشينة وولائهم لكهنة تل أبيب وإلا فإننا أمام خطر تدمير مقومات الأمة التي يعملون على محاولة هدمها بلا كلل ولا ملل منذ عقود. وهو الاحتلال الفكري الذي يهدف للهيمنة على روح الأمة وعقلها وفكرها لصالح العدو الصهيوني.

بل بدأت أمارته واضحة جلية في بلاد الحرمين وغيرها من بلدان تحمل إسم الإسلام، ومن منا لم يشاهد مشاهد التخريب الأخلاقي والثقافي والاستهتار بمكونات هذه الأمة العقدية والدينية، والإعلان عن التغريب منهجا حداثيا ضروريا لنهضة الأمة المسلمة بكل وقاحة واستهانة.

لكننا مستبشرين رغم كل هذه السوداوية فقد مرت عقود على الاتفاقيات ولم ينجح التطبيع في الخروج من دائرة الأنظمة الحاكمة والمشروع الصهيوني وهذا إنجاز بحد ذاته ولكن نريد المزيد.

علينا أن نطور مضادات للتطبيع على مستوى الأسرة لحفظ أجيالنا من فيروسات التطبيع المزمنة.

وتشجيع دعوات مقاومة التطبيع التي تصل لمستويات المقاطعة والفضح الإعلامي لكل مشروع تطبيعي إضافة إلى تنسيق الجهود بين المكونات التي تكافح التطبيع عبر العالم الإسلامي والمسلمين في المهجر.

علينا تحصين البرامج التعليمية لأجيالنا وأبنائنا من كل ما يؤدي لقبول التطبيع، ومراقبتها من أي دس أو دخن بما في ذلك البرامج الثقافية وحتى الترفيهية.

علينا توظيف المنصات الإعلامية والأنترنتية لغاية رفع الوعي وتفعيل قضية الأمة الأولى بالأمس واليوم، قضية فلسطين.

علينا توعية المرأة بالدرجة الأولى التي تبني الأجيال وتربي وتوجه لأنها مستهدف أول في هذه الحملة المسعورة.

علينا حفظ تاريخنا وتراث أمتنا وأصول ديننا نظيفة بعيدة عن كل تحريف أو تزوير، فنحن نتعامل مع يهود الذين حرفوا الكتاب السماوي فكيف بتراث أمة!

علينا إبراز علماء الأمة الربانيين في الواجهة، وتحميلهم مسؤولية القيادة التي يجب أن تكون في أيديهم لا في أيدي الرويبضات والخونة.

علينا إبطال سحر سحرة نتنياهو وترامب وكوشنر وزبانيتهم واستغلال الدعاوى لقبول صفقة القرن والترويج لها، لجمع المسلمين من جديد صفا واحدا خلف قضايا أمتهم وحقن روح الأمة الواحدة والعزة والإباء لإجهاض أحلام الصهيوصليبية في عالمنا الإسلامي الذي لن يطول به الوقت كثيرا للنهوض بإذن الله مع انتصارات معركة الوعي فالقدس لنا والمطبعون إلى مزبلة التاريخ.

 



أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
نص التعليق :  
كود الصورة :
Captcha