سد النهضة الأثيوبي والخيارات المصرية


أ. إياد القطراوي



تتواصل الاجتماعات والمفاوضات بين الطرفين المتنازعين حول سد النهضة، فقبل أسبوع وتحديدا في 30 أيلول / سبتمبر، استقبلت الخرطوم وفود كل من مصر وإثيوبيا، لبحث طرق تشغيل وملء خزان سد النهضة الإثيوبي،

الاجتماعات في السودان على مستوى اللجنة الوطنية الفنية المستقلة المكونة من الدول الثلاث، والتي استمرت لثلاثة أيام متواصلة أعقبها اجتماع لوزراء الموارد المائية في الدول الثلاث بالخرطوم يومي 4 و5 تشرين الأول / أكتوبر، لم تسفر عن شئ حيث أعلنت مصر عن وصول مفاوضات سد النهضة إلى طريق مسدود، متهمة إثيوبيا بالتشدد في مواقفها ورفض كل مقترحات مصر لتسوية الأزمة،  وطالبت بإشراك طرف رابع وسيطا لحل الأزمة. الأمر الذي رفضته أثيوبيا التي أكدت أن التفاوض سيستمر بين البلدان الثلاثة من أجل الوصول إلى اتفاق.

وزير الموارد المائية والري السوداني، ياسر عباس أقر بوجود خلافات بشأن  ملء وتشغيل الخزان الذي أقامته أثيوبيا على السد في حال السنوات الجافة، وطالب بإعطاء مزيد من الوقت للجنة الفنية البحثية لحل التعقيدات رافضا مقترح مصر حول إشراك خبراء من أي طرف دولي آخر لحل أزمة سد النهضة الإثيوبي.

الخلاف الأساسي يتمثل في التراجع الإثيوبي عن الاتفاقات التي جرى التوصل إليها أثناء زيارة السيد آبي أحمد، رئيس وزراء إثيوبيا للقاهرة منتصف العام الماضي، وتضمنت تعهدًا إثيوبيا بعدم المساس بحصة مِصر من المياه وعكفت المفاوضات على مناقشة التدفق السنوي للمياه التي ينبغي أن تحصل عليها مصر، وكيفية إدارة عمليات التدفق أثناء فترات الجفاف حيث طالبت مصر بـ 40 مليار متر  مكعب في السنة، بينما تقترح إثيوبيا 35 مليار متر مكعب، وفقاً للمذكرة التي وزعتها وزارة الخارجية المصرية على الدبلوماسيين.

سد النهضة أقامته أثيوبيا في العام 2011 على النيل الأزرق، وهو واحدا من أهم منابع نهر النيل الذي يشكل شريان الحياة بالنسبة لكل من مصر والسودان وتبلغ الطاقة التصميمية للسد 6 آلاف ميغاواط من الكهرباء، ومن المتوقع أن يكون أكبر سد للتوليد الكهرومائي في أفريقيا والعاشر عالميا وتم تصميمه ليكون حجر الزاوية في مساعي إثيوبيا لتصبح أكبر دولة مصدرة للطاقة في أفريقيا.

سيبدأ السد بالإنتاج بحلول نهاية عام 2020 وسيبدأ تشغيله بالكامل بحلول عام 2022 ويحمل منافع اقتصادية لإثيوبيا والسودان، لكن مصر تخشى أن يقيد إمدادات المياه من نهر النيل إليها، والتي تستخدم مياهه في الشرب والزراعة والصناعة.

إن استمرار التعثر في المفاوضات بشأن سد النهضة ستكون له انعكاساته السلبية على الاستقرار والتنمية في المنطقة عامة، وفى مصر خاصة، حيث إن مياه النيل بالنسبة لمصر مسألة حياة وقضية وجود، وهي تتخوف من أن يكون السد سببا رئيسيا لمنع وصول المياه إليها في المستقبل نتيجة حجز تدفق المياه في السد لفترات ملئ الخزان التي تستغرق فترات طويلة وتحتاج إلى كميات هائلة من المياه.

وتخشى مصر من أن المرحلة الأولى من عملية ملء خزان سد النهضة إذا تزامنت مع فترة جفاف شديد في النيل الأزرق بإثيوبيا ستؤدي إلى تراجع كبير في منسوب المياه بالسد العالي في أسوان، مما يجعلها عرضة لخسائر اقتصادية وإنسانية ضخمة، وستكون عرضة لفقد أكثر من مليون وظيفة و1.8 مليار دولار من الناتج الاقتصادي سنويا، كما ستفقد كهرباء بقيمة 300 مليون دولار.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اعتبر أن تعثر المفاوضات خطر قد يهدد مستقبل المياه في مصر  فكتب في تغريده له عبر تويتر  "إن مصر هبة النيل" وتعهد بأن تبقى مصر ملتزمة بحماية حقوقها المائية في نهر النيل واتخاذ كل ما يلزم لضمان ذلك. وقال: "مصر مستمرة في اتخاذ ما يلزم من إجراءات على الصعيد السياسي وفي إطار محددات القانون الدولي لحماية هذه حقوقها المائية" مما سيضع مصر أمام احتمالين، إمّا لجوءها  إلى التحكيم الدولي، أو اللجوء إلى الخيار العسكري إذا تعذر الخيار الأول.

إن تأزم الخلاف بين مصر وإثيوبيا قبل بدء تشغيل السد العام المقبل إذا لم يستطع الموقف السوداني حسم الأزمة خلال مفاوضات الخرطوم قد ينذر بعواقب وخيمة .

لذلك تشهد أروقة الأمم المتحدة ردود أفعال بشأن السد، تمثلت في ضرورة تشجيع ودعم اللجان الفنية للخروج بتوصيات مبنية على أسس وحقائق علمية، والتزام بمبدأ التعاون في الاستفادة المشتركة والعادلة من مياه النيل بين دول حوض النيل،بناء على اتفاق المبادئ الذي شاركت إثيوبيا في التوقيع عليه إلى جانب كل من السودان ومصر في آذار / مارس 2015 بالخرطوم.

لا يمكن التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور في قضية سد النهضة، خاصة إذا ما علمنا أن دولة الكيان هي التي حرضت إثيوبيا على بناء هذا السد، وقدمت لها القروض والخبرات الهندسية في هذا الصدد من أجل تهديد أمن مِصر، وتقليص حِصصها المشروعة من المياه كما لا يمكن معرفة الموقف الأمريكي من هذه القضية، خاصة بعد البيان الأمريكي المقتضب الغامض الذي لم ينص صراحة على احترام الاتفاقات السابقة بخصوص توزيع المياه الدولية التي تحصل بمقتضاها مصر على النصيب الأكبر،  والذي قد نفهمه انحياز  للموقف الأثيوبي دون التصريح بذلك علنا وهو ما يعني تساوقا مع الموقف الصهيوني الداعم للموقف الأثيوبي ضد مصر . 



أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
نص التعليق :  
كود الصورة :
Captcha