جيوش المرتزقة

Share
Share
جيوش المرتزقة
جيوش المرتزقة



الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه، وبعد:

إذا كان المرتزق هو كل مَن يقوم بعمل مسلَّح بمقابل مادي بغضِّ النظر عن نوعية العمل أو الهدف منه؛ فإن هذا الوصف سينطبق على كثير من الأفراد والشركات وحتى بعض الدول. واستخدام المرتزقة بأصنافهم المختلفة يتم من قبل دول وتنظيمات وحتى شركات؛ فهو باب سهل لتحقيق أهداف عسكرية أو سياسية بل حتى مكاسب مادية ضمن مشاريع لا تكون التكلفة البشرية فيها عاملاً ضاغطاً؛ فالمال هو المحرك الأساس. ولذا فمن يملك المال يمكنه استخدامه في تحقيق أغراضه عن طريق إنشاء أو استئجار أو استمالة مجموعة مسلحة وتوظيفها لتحقيق أهداف الممول، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ فمثلاً قامت الحضارة الفينيقية على أساس تجاري ومن ثَمَّ كانت غالبية جيوشها من العبيد والمرتزقة، وتلحق بها المدن التجارية الإيطالية مثل البندقية، ولجأت إليها الإمبراطوريات القديمة من الفارسية والرومانية، وكانت الحروب الصليبية وما صاحَبَها من الغزو المغولي للعالم عاملاً مهمّاً في انتشار ظاهرة جيوش المرتزقة والعبيد؛ فالحروب الطاحنة أفرزت عدداً هائلاً من الأسرى المستعبَدين، وكذلك انتشار ظاهرة الهجرة القسرية أو ما يمكن تسميته باللاجئين وهم ما بين أفراد مهمَّشين أو قبـائل ومجموعات متماسكة مثل قبـائل التركمان وطائفة الخوارزمية... وكل هؤلاء كانوا الرقم الصعب في حالة الصراع الدامي؛ فالدولة البيزنطية اعتمدت على جيوش المرتزقة للبقاء، وأما في جانب الصليبيين الكاثوليك القادمين من أوروبا فقد تراجع العامل الديني وبرز العـامل المادي؛ فالحمـلات الأخيرة هي حملات ملوك وجيوش من المرتزقة. وأما في الجانب المسلم فالأمر مشابه بل إن استمرار الضغط المغولي والصليبي دفع المسلمين إلى انتهاج سياسة إنشاء جيوش محترفة من الرقيق وهو الذي أدى فيما بعد إلى قيام دولة المماليك. وفي حقبة الاستعمار شاع استغلال أبناء المستعمرات وتجنيدهم للمشاركة في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. ومِن أشهر فرق المرتزقة المرتبطة بالجيوش الغربية كانت الفرقة الأجنبية في الجيش الفرنسي والجوركا في الجيش الإنجليزي. وفي الوقت الحالي تحول عمل المرتزقة إلى صناعة عالمية تقدَّر قيمتها بأكثر من مئة مليار دولار تتوزع إلى شركات عالمية كبرى تستحوذ على العقود الضخمة وتخدمها شركات صغرى... وبما أن عمل الشركات متنوع: من خوض الحروب القذرة، وحماية مواقع نهب الموارد والثروات الطبيعية من مناجـمَ وآبار نفط، إلى حماية البعثات الدبلوماسية والشخصيات النافذة... فإن هذه الشركات من مصلحتها استمرار الصراع في المناطق الملتهبة؛ بل أصبح تدبير الانقلابات والاغتيالات وقمع الانتفاضات الشعبية من صميم عملها، ووصل الأمر إلى سيطرة هذه الشركات على الأجهزة الأمنية لبعض الدول وهو ما أدى إلى ارتفاع مستوى العنف الموجَّه للمعارضة الوطنية وتجاوزه للأعراف والتقاليد الاجتماعية. ولا شك أن هذه الشركات أو قادة مجمـوعات المرتزقة لا يمكن أن يعملوا دون غطـاء من دول قـوية، أو لنقُل: إن هذه الكيانات أصبحت أذرعاً لتلك الدول. وإذا استعرضنا هذه الكيانات نجد أن إدارتها تنتمي لدول كبيرة مثل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل وجنوب إفريقيا ويتبعها بضع دول مصدِّرة للمرتزقة في أمريكا اللاتينية وجنوب آسيا. ونحن هنا ونظراً لضيق المجال سنركِّز على شركتين كبيرتين هما (بلاك ووتر الأمريكية) و (فاغنر) الروسية.      

بلاك ووتر: شركة أمريكية تأسست عام 1996م على يد المليونير الأمريكـي (إريك برنس) وهو نصراني يميني راديكالي ورجل ثريٌّ كبير، عمـل ممـولاً رئيسيّاً لحملات الرئيس بوش الانتخابية، خدم في القوات الخاصة للبحرية الأمريكية مع عدد من المنتمين إلى المحافظين الجدد، وأصبحت الشركة مقـاولاً رئيسيّاً للحكومة الأمريكية تتمتع بالحصانة وتقوم بالأعمال القذرة نيـابة عن القوات الأمريكية وتوسعت أعمالها بقوة مع الغزو الأمريكي لكلٍّ من أفغانستان والعراق، وتوطدت علاقاتها بالحكومات الأمريكية وتولت أعمال حمـاية البعثات الدبلوماسية الأمريكية. وتحت شعار محاربة الإرهاب توسعت أعمالها في حزام طويل يمتد من باكستان إلى غرب إفريقيا. ومع تلطُّخ اسمها بكثير من الجرائم والممارسات الوحشية تم تغيير اسمها أخيراً إلى اسمٍ يشعُّ براءة ولطفاً وهو (أكاديمي).

فاغنر: هي النسخة الروسية من بلاك ووتر، ولا تخفى علاقتها مع النظام في روسيا؛ فرئيسها الظاهر صديق للرئيس بوتين، وتوجد في كل مكان يتمدد فيه الروس. فقد قاموا بدور بارز في حروب أوكرانيا وسوريا وليبيا، وتتنافس مع الشركات الغربية في مشاريع السيطرة على مصادر الثروة في إفريقيا؛ فهم موجودون في السودان وموزمبيق وغيرها؛ وهو ما يعيد إلى الأذهان الصراع الدامي على النفوذ والثروة أيام الحرب الباردة؛ إذ قامت حروب دامية في القرن الإفريقي والكونغو وأنغولا وساحل العاج، وكانت الأطراف فيها محلية وتديرها شركات المرتزقة الغربية التي تمثل شركات البترول والذهب والألماس، وفي المقـابل قـوى أخرى محليـة موالية للاتحاد السوفييتي يدعمها جيش كبير مرتزق هو الجيش الكـوبي، الذي قَدِم من البعيد ليخوض حرباً ضروساً لا ناقة له فيها ولا جمل؛ بل مجـرد تكليف من سيد بمهمة بمقابل مادي، وهي ظاهرة تُطِل برأسها من جديد في المنطقة بتحوُّل جيوشٍِ وطنيةٍ تدريجيّاً إلى جيوش مرتزقة تباع دماؤهم وتشترى تحت شعارات براقة لا تخفي الحقيقة المرة أنهم تحولوا إلى سلعة: فمِن متعهِّد يطالِب بدفع بقية المبالغ أو الانتقال للطرف المقـابل، إلى نظام يغيِّر الدستور حتى يسمح بتأجير جيشه للدخول في صراعات الآخرين على النفوذ والثروة.

ومما يؤسف له أن المنطقة مقبلة على دورات صراع تقوم فيها جيوش المرتزقة بدور فعَّال، ومن ثَمَّ فإن مصادر الثروة للشعوب معرَّضة للنهب وقوداً لإدامة الصراع وإذا لم يتنادَ العقلاء لإيقاف هذا الانجراف نحو المنزلَق الخطير فإن ما يجري في إفريقيا سيجري استنساخه في المنطقة؛ فهناك منذ عشرات السنين يؤخذ منهم البترول والذهب والأحجار الكريمة ويسلَّموا السلاح ليتقاتلوا به. وحالياً ما يجري حول آبار النفط في سوريا والعراق ومناجم الذهب في السودان هو صورة مصغَّرة لما يُراد لبقية المنطقة، والأخطر أن المشروع يكون ناجحاً أكثر كلما كثرت الدول الفاشلة! ولا ننسى أن أمريكا وروسيا ساهمتا بصورة مباشرة في تحوُّل العراق وسوريا إلى دول فاشلة.


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة