لمصلحة مَن تهجير مسلمي محافظه (ملاكند) في باكستان؟

Share
Share
لمصلحة مَن تهجير مسلمي محافظه (ملاكند) في باكستان؟
لمصلحة مَن تهجير مسلمي محافظه (ملاكند) في باكستان؟



    صدحت الأصوات عالية تعلن عن إيقاف حالة الطوارئ لساعتين، فانطلق الجميع يأخذ ما خفَّ حَمْله من أمتعة البيت... هذا يوقظ أولاده، وذاك يستعجل زوجته، وهذه تنادي أولادها كي يستعدوا لمغادرة البيت الذي لم يعرفوا لهم بيتاً غيره، وتلك تحزم أغراضها استعداداً للرحيل...
نادت إحدى النساء أولادها وكانوا يلعبون خارج البيت، وبسرعة حاولت أن تجمع أكبر قَدْر من حاجاتها وحاجات أولادها، وحين فرغت واستعدَّ الأولاد خطفت رضيعها من سريره الذي كان ينام فيه، وخرجت مع أولادها الآخرين من البيت لا تلوي على شيء. انشغلت بأولادها عن رضيعها؛ فلم تغيِّر له ملابسه، والوقت لم يسمح بذلك، ونسيَت رَضْعته، فلم تحملها معها؛ فإيقاف حالة الطوارئ كان لوقت قصير وسيعود الجيش بعدها للضرب العشوائي للمنطقة قــريباً. لم تلتفت إلى الوراء؛ فَهَمُّها الأول هو الوصول إلى مقرِّ إحدى الخيام التي سمعت بها، والتي تأوي النازحين من محافظة مالاكند، وبعد أن قطعت بضعة كيلو مترات لاحظت أن طفلها لم يتحرك منذ غادرت بيتهــا؛ فهــي لم تســمع له صــوتاً منذ أن خرجت من بيتها، هالها الأمر، وصاحت صيحة انخلعت لها قلوب مَن حولها، وحين حاولت الكشف عن وجهه أدركت أن الذي بين يديها ليس طفلها، وإنما وسادة؛ فقد تركت رضيعها في البيت وحملت هذه الوسادة بدلاً منه، والمهلة التي أعطيت للناس كي يغادروا بيوتهم كانت قد انتهت.
كانت المسكينة تحكي قصتها لأحد الصحفيين الذين يحاولون تغطية الأحداث واصطياد الأخبار العجيبة والأحداث الطريفة.
هذه قصة واحدة من قصص عديدة وحادثة واحدة من حوادث كثيرة وقعت نتيجة تهجير أكثر من مليون ونصف إنسان من مدن محافظة مالاكند، مثل: سوات، وبونير، وشانغلة وخوازة خيل، ودير. إثر هجوم  كاسح للجيش الباكستاني على هذه المناطق.
أعلن رئيس وزراء باكستان يوسف رضا جيلاني في خطاب وجَّهه إلى الشعب الباكستاني - نقلته  أجهزة الإعلام المختلفة والقنوات التلفزيونية المتعددة - عن فشل معاهدة الأمن التي تمَّت بين الطالبان والحكومة الإقليمية في منطقة الحدود الشمالية (السرحد) أولاً، ثم بين الطالبان والحكومة المركزية ممثلة برئيس البلاد السيد آصف زرداري عن قيام الجيش الباكستاني بالهجوم على تلك المناطق لسحق الطالبان دون أدنى رحمة.
لا شك أن أمريكا كانت وراء فشل هذه المعاهدة؛ إذ ظلت تهدِّد الحكومة الباكستانية طوال الفترة الماضية بشتى الطرق والوسائل؛ فقد أثارت كل الباكستانيين في العالم؛ ليقفوا ضد حكومتهم ويثوروا عليها ومن ذلك تهديدها بقطع المساعدات عن باكستان (تلك التي يهتم بها حكامنا أكثر من أي شيء آخر)؛ حيث إن كل ما يفعلونه من أجل حفنة من الدولارات. ويبدو أن الحكومة الباكستانية متواطئة مع أمريكا في ضرب هذه المناطق، ومما يدل على ذلك تأخُّر رئيس البلاد شهرين كاملين في توقيع معاهدة الأمن مع القبائل في سوات، والتي بموجبها تتحقق بعض مطالبهم في تطبيق الشريعة الإسلامية. 
لسنا هنا بصدد مناقشة الطالبان وصحة مطالبهم بتطبيق الشريعة الإسلامية ومنطقيتها، وتغيير المنكر بالقوة، ولكننا بصدد أكبر هجرة جماعية شهدتها البلاد منذ زمن طويل؛ حيث ترك مئات الآلاف بيوتهم ومنازلهم، وخرجوا من ديارهم محاولين النجاة بأنفسهم من الضرب العشوائي للجيش الباكستاني، لقد ذكَّرتنا هذه الهجرة الداخلية، بالهجرة الكبرى التي شهدناها إثر قيام باكستان؛ حيث هاجر أكثر من ستة ملايين مسلم من المناطق التي قررت بريطانيا تبعيتها للهند إلى الأراضي التي آلت إلى باكســتان وذلك عــام 1947م. أما هجرة اليوم، فبسببنا نحن؛ أي: إنها نتيجة تدخُّل الجيش الباكستاني وليس أي جيش آخر في تلك المناطق مدعياً أنه يحافظ على سيادته فيها. ولكن أين سيادة الدولة المزعومة حين تدخل الطائرات الأمريكية البلاد، وتضرب النساء والأطفال والأبــرياء مــن النــاس الذين لا علاقة لهم  بالطالبان أو بالقاعدة؟ ويقال: إن هذه الطائرات تنطلق من داخل الحدود الباكستانية. ورغم احتجاج الحكومة الباكستانية المستمر، إلا أن الضرب الجوي الأمريكي مستمر حتى يومنا هذا، (نستنكر وتضرب، نستنكر وتضرب) وهكذا هلم جراً. وأين سيادة الدولة حين تدخل قوات الناتو الجوية وتضرب المساكين وتدمِّر بيوتهم ومساجدهم على مرآىً ومسمع من المتشدقين بالسيادة والمتباكين عليها؟ وأين سيادة الدولة المزعومة في كراتشي عاصمة باكستان الأولى وأكبر مدنها وأكثرها سكاناً؛ حيث يتحكم حزب واحد (حركة المهاجرين القومية) في كل شؤونها ولا يُسمح لأحد بالتدخل في أمورها حتى من قِبَل الحكومة المركزية في إسلام أباد؛ حيث تعمل مافيا هذا الحزب بكل حرية في تلك المدينة، وتمنع من تشاء من دخول المدينة وتسمح لمن تشاء، بل وتقتل من تشاء.
هذه هي الحجة التي بررت بها الحكومة المركزية في إسلام أباد ضرب المناطق الشمالية في باكستان عن طريق الجيش الذي استخدم كل الأسلحة الفتاكة. حقاً ما قاله أحد الزعماء السـياسـيين من أن أســـلحة الجيـــش الباكســتاني لا تتجه إلى أعداء البلد، وإذا أُطلقت، فإنها تُطلَق على صدور أبنائها. للأسف الشديد لقد درج الجيش الباكستاني على هذه الوتيرة منذ زمن طويل، ونسي أعداءه الحقيقيين، وقد أَمْلت أمريكا علينا على لسان رئيسها ووزير دفاعها ورئيس أركان جيشها أن الهند ليست عدوة باكستان، وإنما عدوُّها الحقيقي هم هؤلاء المتطرفون في مناطق باكستان الشمالية، وللأسف ردد رئيس بلادنا السيد آصف زرداري المقال الأمريكي مؤكداً أن الهند لم تكن في يوم من الأيام عدوتنا، وإنما الخطر من هؤلاء المتطرفين، ولذلك سوف نسحقهم ونمسحهم من الوجود، ونسي أن هؤلاء أبناء الشعب الباكستاني؛ فبدلاً من أن نأخذ بأيدهم ونتفاوض معهم ونستجيب لمطالبهم المشروعة، نكلمهم بهذه اللهجة، ونجابههم بهذه الأسلحة الفتاكة؛ فماذا نتوقع منهم بعد ذلك؟ ولم يقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد أمرت القيادة السياسية الباكستانية بسحب الجيوش من الحدود الشرقية المتاخمة للهند، وتوجيهها إلى هذه المناطق؛ لأنها في نظرهم تمثل الخطر الأكبر على باكستان وعلى العالم، على حد زعمهم! وكل ذلك من أجل حفنة من الدولارات.
لم تهتم الحكومات الباكستانية المتعاقبة بهذه المناطق اهتمامها بالمناطق الأخرى في البلاد؛ من حيث التعليم والصحة والخدمات العامة الأخرى؛ فملأ بعض الشيوخ والزعماء المحليين فيها الفراغ الذي تركَتْه الحكومة، مثل: فضل الله وبيت الله محسود وآخرون مِنَ الذين يوصفون اليوم بالإرهابيين والمتطرفين.
إن هؤلاء وقفوا مع الناس يواسونهم ويسدُّون حاجاتهم ويمدون لهم يد العون، وهكذا كسبوا ثقة الناس وتقربوا إليهم، فأصغى إليهم الناس، وكما قلت: أنا لا أريد التحدث هنا عن أفكار هؤلاء، سواء أكانوا من الطالبان أو من القاعدة أو من المطالبين بالشريعة المحمدية من أتباع الشيخ صوف محمد، ولكنني بصدد الحديث عن المأساة التي تعيشها باكستان نتيجة سياسات خاطئة وقرارات غير مدروسة ليس وراءها هدف إلا إرضاء السيد الكبير من أجل حفنة من الدولارات. لقد وافقت أمريكا على منح باكستان معونات ضخمة على أقساط سنوية لمدة خمس سنوات؛ مساعدة لها في حربها ضد الإرهاب، ولم تفعل شيئاً حيال فتح المدارس والكليات والجامعات في هذه المناطق، وهو ما يؤكد نظرية المؤامرة التي تدبرها أمريكا بالاتفاق مع إسرائيل والهند لمسح باكستان من خريطة العالم، وتقسيمها بين الهند وإيران وأفغانستان.
إن هدف أمريكا والقيادات الباكستانية المتعاقبة التي تدور في فلك ساداتها من أجل حفنة من الدولارات، هو سحق هذه المناطق سحقاً تاماً حتى لا تقوم لها قائمة، وها هو الرئيس زرداري يعلن أن الأمر لن يتوقف عند مالاكند، بل سيتبع هذا الهجوم هجوم آخر أشد في مناطق وزيرستان؛ لأن مناطق مالاكند ووزيرستان وكل المناطق الشمالية استعصت على المستعمرين عبر تاريخها الطويل، ولم تسمح لهم بأن تطأها أقدامهم، حتى أيام حكم الإنجليز لشبه القارة الهندية كلها، لم تستطع الدولة التي لم تكن تغيب عنها الشمس أن تفرض قوانينها على هذه المناطق، فقد ظلوا يطبِّقون الشريعة الإسلامية وعاداتهم وتقاليدهم القبلية.
وأمريكا تريد القضاء على أية قوة دينية في البلاد؛ فهي تزعجهم كثيراً؛ حيث لم يقف في وجههم أحد في باكستان سوى هؤلاء، كما لم يوقف التموين المرسَل إلى قوات حلف الناتو الجاثمة في أفغانســتان قرب الحــدود الباكستانية إلا هؤلاء، وهذا الأمر يزعج أمريكا كثيراً؛ لذا فإن هَمَّها الأول، هو القضاء عليهم بأي شكل من الأشكال، ولو بحفنة من الدولارات.
 


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة