وداعاً أيها القدس!

Share
Share
وداعاً أيها القدس!
وداعاً أيها القدس!


الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه، وبعد:

منذ أشرق فجر الإسلام والقدسُ جزء لا يتجزأ من عقيدته، هواؤه يحمل أنفاساً مباركة لرُسُلٍ لهجوا بذكر الله ودعوا إلى توحيده، ومسجدُه الأقصى هو مسرى المصطفى صلى الله عليه وسلم، قد بارك الله حوله وضاعف الأجر للمتعبِّدين فيه، كم انفردَت في سبيله سوالف، وسُجلت في ساحاته بطولات ومواقف!

وأرضٌ هذا حالها من القداسة والجلال والجمال لا تزال ترمُقها أعين الكائدين والحاقدين من أعداء الدين وأعوانِهم من المنافقين. فبعد سقوط الإمبراطورية الرومية وصيرورة القدس تحت حكم البيزنطيين، ظهر الإسلام في جزيرة العرب وخارجها واستطاع الصحابة الأطهار تطهير القدس من رجس الصليب، وسُـلِّمت مقـاليده للفاروق - رضي الله عنه - عام 16هـ (638م). وفي عام 492هـ (1099م) إبَّان الحملة الصليبية الأُولَى عادت مفاتيح القدس إلى الغزاة الصليبيين الذين استولوا عليه حتى عام 583هـ (1187م) حين استنقذه صلاح الدين الأيوبي رحمه الله. لكنَّ قلوب المسلمين ما كادت تأنس بعودة القدس حتى استحال عرضاً من عروض التجارة يقبل المساومة؛ إذ سلمه السلطان الكامل الأيوبي طواعية لإمبراطور الروم «فريدريك الثاني» عام 626هـ (1229م).

وفي عام 640هـ (1243م) استعاد الملك الصالح نجم الدين أيوب بيت المقدس وبقي تحت حكم المصريين حتى عام 922 هـ (1516م)؛ إذ انتقل إلى حكم العثمانيين. لكنَّ أربعة قرون لم تُنسِ الصليبيين بيتَ المقدس قاعدةَ فرسان الهيكل؛ فقد تمكنت القوات البريطانية في أثناء الحرب العالمية الأولى عام 1917م من هزيمة العثمانيين واحتلال بيت المقدس بقيادة الجنرال الصليبي «إدموند ألِنْبي». وفي العام نفسه أصدرت بريطانيا «وعد بالفور» الذي منح اليهود وطناً قومياً في فلسطين، وصادقت «عصبة الأمم» على هذا الإعلان عام 1922م. وهكذا أصبح الصهاينة اليهود حكاماً للقدس تَبَعاً لا استقلالاً؛ يقومون عليه بالنيابة عن الغرب الرومي، تماماً كما كان الهيروديون اليهود في زمن المسيح - عليه السلام - يحكمون القدس بالنيابة عن أباطرة الروم.

حُلَّت «عصبة الأمم» وحَلت محلها «منظمة الأمم المتحدة» (نواة النظام العالمي الجديد) التي أصدرت عام 1947م «قرار الجمعية العمومية 181» الذي نص على جعل القدس تحت الوصاية الدولية. ومنذ ذلك الحين والغرب الصليبي يسعى إلى إخراج القدس من أي اتفاقية سلام أو تقسيم أو نحوهما. فمثلاً في عام 1980م لمَّا أَعلنت إسرائيلُ القدسَ «عاصمةً موحَّدةً وأبديةً» اعترضتْ الفاتيكان (معقل الصليبية) بشدة. وبحلول عام 1984م كان البابا يوحنا بولس الثاني يطالب بأن يكون للقدس «وضعُه الدولي الخاص والمضمون»[1]، وأخيراً أغضب البابا بندكت السادس عشر كثيراً من اليهود عندما أدان الهجومَ الإسرائيلي على غزة وأسماها «معسكر اعتقال واسع»[2]؛ فهل كان هذا حباً للسلام؟ بل الصليبية أبعد ما تكون عن محبة السلام؛ لكنه الحرص على استقلال القدس عن أي حكم غير صليبي؛ سواء كان هذا الحكم يهودياً أم إسلامياً.

ليس مُصابُنا في مساعي أهل الشرك لنصرة دينهم، فهو مما نعلمه سلفاً؛ فقد قال الله عز وجل عنهم: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217]. لكن الرَّزية كلَّ الرزية أن يطوف من يدَّعي من المسلمين حماية الأرض المقدسة ببلاد العالم يستجدي دولة لن يكون لها نصيب من القدس كما يعلم ذلك كل مهتم بهذا الشأن. فهذه المبادرة التي يرأسها أبو مازن لا تعدو كونها إخماداً لجذوة الجهاد في الأرض المقدسة وإحياءً لقرار الجمعية العمومية آنِفِ الذكر؛ الذي نص منذ أكثر من ستة عقود على أن «تنشأ في فلسطين الدولتان المستقلتان (العربية واليهودية)، والحكم الدولي الخاص بمدينة القدس»[3]. وهو قرار يخدم مخططات صليبية سبق أن أشارت إليها مجلة البيان في مقال بعنوان «القدس عاصمة للنظام العالمي الجديد»[4].

إن الخطة التي تحاك للقدس خلف ستار المطالبة بدولة فلسطينية كاملة السيادة ليست وليدة الساعة، بل هي أحد الفصول المتأخرة من مسرحية غربية صليبية بدأت كتابتها منذ الحرب العالمية الأولى. وهذه الخطة تتمثل في ما يلي:

أولاً: وجوب فض النزاع القائم بين اليهود و «العرب» في فلسطين - طوعاً أو كرهاً - على أساس حل الدولتين. وحول هذا يقول الصليبي «زبيجنيف بريجينسكي»: «ينبغي على إدارة أوباما إذا ما رفض الإسرائيليون أو الفلسطينيون الموافقة على الصيغة الأساسية [لحل الدولتين] كنقطة انطلاق للمفاوضات أن تكون مستعدة للاستمرار في مبادرتها بوسائل مختلفة... وبناء عليه فإن على الإدارة [الأمريكية] أن تُبلغ الطرفين أنه إن رُفض العرض من أحدهما أو كليهما فإن الولايات المتحدة ستطلب تأييد مجلس الأمن لخطة السلام هذه، وهي خطوة كفيلة بأن تولد ضغطاً عالمياً على الطرف المتمرد»[5]. أما حدود الدولتين فقد اتُّفق عليها سلفاً كما أشار إلى ذلك الصهيوني «كيسينجر» في حوار أجرته معه صحيفة «دير شبيغل» الألمانية[6].

فالأمر إذن ليس اختياراً، وما يقوم به محمود عباس إنما هو دفعٌ لعجلة المشروع الغربي في السيطرة على القدس بالصورة التي يريدها هو؛ فلا غَرْو إذن أن نجد رمزاً مثل «جيمي كارتر» يمجد هذه الخطوة «المازنية» التاريخية ويصرح بأنه لو كان رئيساً للولايات المتحدة لما تردد في تأييد قيام دولة فلسطينية[7]. بل إن تأييد اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة) لدولة فلسطينية كاملة العضوية في الأمم المتحدة شاهد على أن الأمر قد أَزِف، وأن المسألة مسألة وقت، وإن تظاهرت «كلينتون» بأن موقف الأمم المتحدة مُربِكٌ ومتناقض[8].

ثانياً: مجرد حل الدولتين لن يثمر شيئاً لصالح الجانب الصليبي إلا إذا عُزِّز بتدويلٍ للقدس تُنزَع بموجبه من أيدي المسلمين واليهود على حد سواء، ويعيَّن لإدارة شؤونها حاكم لا ينتمي إلى الدولة الفلسطينية بل ولا إلى الدولة اليهودية بناء على قرار الجمعية العمومية 181 الذي يسعى أبو مازن لإحيائه[9]! وبهذا تصبح القدس دولة بين دولتين أو «كياناً منفصلاً» Corpus Separatum كما يسميها قرار الجمعية العمومية لها سيادتها الخاصة وسفاراتها المستقلة؛ لا يحكمها يهود ولا عرب (مسلمون)!

ثالثاً: يراد للقـدس أن يكون عاصمة تجارية عولمية، أو «سنغافورة الشرق الأوسط» على حد تعبير مستشار أوباما «زبيجنيف بريجينسكي». كما يراد له أن يكون عاصمة روحية لكل الأديان، وحينها لن يكون نصيب المسلم منه أوفرَ من نصيب الهنادكة والملاحدة فضلاً عن أهل الكتاب.

رابعاً: والحالة هذه، فإن احتمال انتفاض الغيورين من المسلمين لإيقاف تلك المهازل وتطهير القدس من رجس المشركين واردٌ لا محالة، لكن المدبرين لهذا السيناريو لم يغفلوا هذا الأمر، فاشترطوا لحل الدولتين أن «تجرَّد مدينة القدس من السلاح ويعلَن حيادها ويحافَظ عليه، ولا يسمح بقيام أي تشكيلات أو تدريب أو نشاط عسكري ضمن حدودها» و «للمساعدة على استتباب القانون والنظام الداخلي - وبصورة خاصة لحماية الأماكن المقدسة والمواقع والأبنية الدينية في المدينة - يقوم الحاكم [للقدس] بتنظيم شرطة خاصة ذات قوة كافية»[10].

أخيراً، لن يتمكن الصليبيون من فرض سيطرتهم على القدس وما حولها حتى تكون لهم قاعدة عسكرية قوية تتولى صدَّ «الدخلاء» من المسلمين. ولتبـرير هذا الوجـود العسكري لا بد أن يبدي الرئيس الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» تخوفاً من احتمال وقوع اعتداءات على الدولة اليهودية، وهو ما يستدعي - بزعمه - وجود قاعدة عسكرية ثابتة تضم قوات دولية من أجل حمايتها[11]. وهذه مسرحية يقوم بها هذا اليهودي الذي يعمل لـ «مجلس العلاقات الخارجية» الصليبي منذ أن كان في الرابعة والعشرين من عمره. فحقيقة الأمر أنه سيكون جيشاً صليبياً لتطويق القدس وفرض السيطرة على الأرض المقدسة. وهذا عين ما اقترحه اليسوعي «بريجينسكي» من أن تكون هناك «دولة فلسطينية منزوعة السلاح تضم عسكراً من الولايات المتحدة أو حلف الناتو على طول نهر الأردن لتقديم مزيدِ أمنٍ لإسرائيل»[12]. وهو كذلك ما دعا إليه ساركوزي ولقي ترحيباً حاراً من محمود عباس[13]! ولعل محاولة تعزيز الأمن في سيناء جزء من هذه الخطة.

إن عنوان هذه الأسطر ليس من قبيل الترويج الإعلامي؛ بل هو محاولة لإيقاظ الغافلين؛ فالأمر خطير جد خطير، والأقصى يباع رسمياً. وما لم يكن ثمة وعي وحَراك لتغيير ما يجري فليس ببعيد أن يعيد التاريخ نفسه فينادَى بخروج المسلمين من القدس كما حدث في زمن الملك الكـامل حين سلَّمه للنصارى. حينها لن يجديَ الحزنُ نفعاً. يقول المقريزي واصفاً الأسى والغم الذي أصاب المسلمين لمَّا نودي بخروجهم من القدس: «وبَعث السلطان [الكامل] فنودي بالقدس بخروج المسلمين منها لتسليمه إلى الفرنج... فاشتد البكاء وعظم الصراخ والعويل، وحضر الأئمة والمؤذنون من القدس إلى مُخيَّم الكامل، و أذَّنوا على بابه في غير وقت الأذان»[14].

إن رياح الثورات التي تعصف بالعالم العربي وإن صرفت أنظار العامة عما يحاك للقدس فلا ينبغي أن تصرف أنظار العلماء العاملين والباحثين المخلصين؛ فأين مراكز الدراساتِ والبحوثِ والجمعياتُ المعنيَّةُ بالدفاع عن الأقصى من إدانة ما يقوم به عباس من مساومة على مسرى النبي صلى الله عليه وسلم؟ وأين مواقف الدعاة والعلماء من الخطط المعلَنة لتدخُّلٍ عسكري غربي في الأرض المقدسة[15]؟ أم هي «نظرية المؤامرة» مرة أخرى؟


 


[1]http://www.nytimes.com/1984/05/03/opinion/l-what-pope-john-paul-ii-would-learn-if-he-visited-jerusalem-163204.html

[2] http://www.reuters.com/article/2009/01/25/us-pope-jews-relations-sb-idUSTRE50O0UJ20090125

 [3] قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي، المجلد الأول، 1947م – 1974م، مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

[4] http://albayan.co.uk/MGZarticle.aspx?ID=838

[5] http://www.washingtonpost.com/wp-dyn/content/article/2010/04/09/AR2010040903263.html

[6] http://www.spiegel.de/international/world/0,1518,634400-2,00.html

[7] http://www.npr.org/2011/09/18/140558127/jimmy-carter-no-downside-to-palestine-statehood

[8] http://english.aljazeera.net/news/middleeast/2011/10/201110523540744569.html

 [9] انظر نص «قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181» باللغة الإنجليزية على موقع «مجلس العلاقات الخارجية» الأمريكي:

http://www.cfr.org/un/un-general-assembly-resolution-181-ii-palestine/p11191

وترجمة له إلى العربية على الرابط التالي:

http://mohammedelkhaldi.maktoobblog.com/396179/%D9%86%D8%B5-%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%AA%D9%82%D8%B3%D9%8A%D9%85-%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86-%D8%B1%D9%82%D9%85-181/

 [10] راجع نص قرار الجمعية العمومية 181.

 [11] http://www.youtube.com/watch?v=Vq8AoUGRzNc

[12] http://www.washingtonpost.com/wp-dyn/content/article/2010/04/09/AR2010040903263.html

 [13] مقال بعنوان: «عباس يؤيد اقتراح ساركوزي تشكيل قوة دولية لمساعدة الأجهزة الأمنية»:

http://www.alittihad.ae/details.php?id=160054&y=2007

 [14] المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك، 1: 72 [ترقيم الموسوعة الشاملة].

[15] انظر تفاصيل هذا المخطط في تقرير CNAS بعنوان «الأمن مقابل السلام: وضع الشروط من أجل دولة فلسطينية» على هذا الرابط:

http://www.cnas.org/node4362  


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة