ثلاثة أيام في جهنم

Share
Share
ثلاثة أيام في جهنم
ثلاثة أيام في جهنم



من بين المعتقدات النصرانية الضاربة بجذورها في الوثنية زعْمُ الكنيسة أنه لما تراكمت خطايا بني آدم التي ورثوها عن أبيهم نتيجة أكله من الشجرة صار لزاماً أن توجد «أضحية» فريدة تكون كفارةً عن خطايا البشر. فكان موت «يسوع» المسيح (عيسى عليه السلام) على الصليب. لكنه بعد موته نزل إلى «جهنَّم»، وحَرر المأسورين فيها، وقهر الموت، وقام في اليوم الثالث.

هذا الموروث الوثني لا يختلف في جوهره عن عقائد الفراعنة والبابليين وغيرهم ممن آمنوا بأن «بعلاً» أو «حورس» أو «أدونيس» نزل إلى «العالم السفلي» لخلاص البشر؛ وقد سبق بيان هذا في غير هذا الموضع. لكن الذي يهمنا هنا سؤالان:

أولهما: ما حقيقة «جهنم» أو «الهاوية» التي نزل إليها «يسوعُ» النصارى؟

والآخر: هل استطاع بموته المزعوم تخليص البشر من خطاياهم؟

يعتقد جلُّ النصارى أن عبارة «نزل إلى جهنم» في «عقيدة الرسل» The Apostles’ Creed تعني أنه مات حقيقة وأنه قهر الموت[1]. والكلام على هذا من وجوه:

أولاً: أن الكلمة التي استعملتْها «عقيدةُ الرسل» – وهي المرجع الأصرح والأهم لهذه الزندقة – لوصف «جهنم» هي (inferos) في اللاتينية و (katotata) في اليونانية؛ وتعني «السُّفْل» أو «العالم السفلي»، وهو بزعمهم العالم الذي يُحبَس فيه الموتى أو أرواحهم ويُعذَّبون. ويشار إليه في نُسَخ الأناجيل المحرَّفة باسم (شِيئول) في السُريانية، و (هادِيس) في اليونانية. وقد تباينت تفاسير النصارى لهاتين المفردتين ما بين قائل: إنها «جهنم» وآخر يزعم أنها «القبر» وثالث يقول: إنها عالم «الأموات»، وسبب هذا الاختلاف هو أنها عقيدة دخيلة ذات أصل وثني لا سماوي {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ} [التوبة: 30].

ثانياً: ينكر بعض النصارى عقيدة نزول «يسوع» إلى العالم السفلي تحرُّزاً من التباس عقائد النصارى بعقائد الأمم الوثنية الهالكة. لكننا عند البحث في نصوص العهد الجديد نجد التطابق جلياً؛ ففي رسالة بولس الأُولَى إلى أهل كورنثوس نجد «أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب؛ وأنه دُفن وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب» [1 كورنثوس 15: 3، 4]. وهو صريح في موته وأنه غاب ثلاثة أيام قبل قيامته من الأموات كما حصل لآلهة الوثنيين. وعلى الرغم من أن رسالة بُطرس الأولى 3: 19 تسمي هذا العالم السفلي «سجناً» (phulake في اليونانية)، إلا أن الأصل السرياني يطَّرد في استعمال الكلمة «شيئول» التي تعني «الهاوية» أو «جهنم» أو «العالم السفلي».

ثالثاً: عند دراسة نصوص العهدين يتبيَّن أن نزول «يسوع» إلى جهنم لم يكن نزول طائع مُريدٍ، بل كان نزول مُكرَهٍ؛ فقد قُيِّد بالحبال في باطن جهنم وعانى معاناة المجرمين، كما حصل لبعل وغيره من آلهة الوثنيين، ثم أقامه الرب من الأموات. نقرأ في ترجمة «فان دايك» العربية لسفر أعمال الرسل 2: 24 «الذي أقامه الله ناقضاً أوجاع الموت؛ إذ لم يكن مُمكِناً أن يُمسَك منه».

 قوله: «ناقضاً أوجاع الموت» ترجمة خاطئة لاعتمادها على ترجمة يونانية غير دقيقة. أما الأصل السرياني فيخبرنا أن الرب الذي أقامه «شرا حِبليه د - شيئول» أي «حَلَّ عنه حِبَال شيئول [جهنم]». فـ «حبلي» هنا تعني «حِبال» وليس «أوجاع». يشهد لصحة ذلك ما ورد في النص العبري من المزمور 18: 3 «حِبلي شيئول سبَابُوني...» ومعناه: «حِبال شيئول التفَّت حولي»؛ يؤيده تتمة الفقرة «وأَشراكُ [جمعُ شَرَك] الموت انتشبت بي» وهو ما ذهبت إليه أغلب الترجمات الإنجليزية.

فنحن إذن أمام تصوير وثني مقيت للمسيح - عليه السلام - نازلاً إلى باطن جهنم مُكرَهاً ليعاني ما عاناه آلهة البابليين والفراعنة والإغريق من الغم وشدة الوثاق، ثم يُحَل وَثاقه ليقوم في اليوم الثالث. ولو لم يكن لدى النصارى من الاعتقاد في عيسى - عليه السلام - سوى هذا لكفى به دليلاً على بشريته وأنه لم يكن إلهاً. فالرب هو الذي أقامه من الأموات – كما يشير سفر أعمال الرسل أعلاه – وهو الذي حَلَّ عنه حبال جهنم فلم يكن من الغابرين.

والدليل على صحة هذه القراءة ما ورد في سفر أعمال الرسل 2: 31 أن داود - عليه السلام - «تكلم عن قيامة المسيح [قائلاً]: إنه لم تُترك نفسُه في الهاوية، ولا رأى جسدُه فساداً». وهذا مما يستدل به النصارى على قيامة المسيح من بين الموات. هنا يطَّرد الأصل السرياني في استعمال كلمة «شيئول» لوصف الهاوية. أما النص اليوناني فيستعمل لفظة «هاديس»، وهي الكلمة التي تستعملها الأساطير اليونانية (الإغريقية) للإشارة إلى العالم السفلي. فثبت أن المقصود بالعالم السفلي في كل السياقات أعلاه ليس القبر ولا السجن؛ وإنما هو المكان الذي يعذَّب فيه الخطاة كما عند قدماء الإغريق ومن على شاكلتهم.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الفعل «تُترك» مبني للمجهول في كل النسخ والترجمات المعتمدة، وهو دليل على أن خلاص «يسوع» لم يكن من تلقاء نفسه، بل ربُّه هو الذي فكَّ أسره وأنقذه من الموت ثم بَعث جسده ثانية قبل أن يفسد كما تفسد أجساد الموتى؛ فهو لم يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً؛ فكيف يقال بأنه قهر الموت، وحرر السجناء في العالم السفلي، وهو ما استطاع أن يخلص نفسه؟

كما يشهد لعجزه أمام خالقه ما اقتبسه «لوقا» من سفر المزامير زاعماً أنه يتحدث عن قيامة المسيح عليه السلام. يقول نص المزامير: «احفظني يا الله لأني عليك توكلت! قلت للرب: أنت سيدي خيري، لا شيء غيرك... جعلت الربَّ أمامي في كل حين؛ لأنه عن يميني فلا أتزعزع... لذلك فرح قلبي وابتهجت روحي. جسدي أيضاً يسكن مطمئناً... لأنك لن تترك نفسي في الهاوية. لن تدع تقيَّك يرى فساداً» [المزامير 16: 1 - 10].

فنَقول لـ «لوقا» ومن ذهب مذهبه من النصارى: إما أن يكون الحديث هنا عن «يسوع» المسيح كما تزعمون، وإما أن يكون عن غيره.

فإن سلَّمنا لكم جدلاً أن الحديث عنه لزمكم أن تسلِّموا بأنه كما قال: «لن تترك نفسي في الهاوية» قال: «احفظني يا الله لأني عليك توكلت!... أنت سيدي خيري، لا شيء غيرك... جعلتُ الرب أمامي في كل حين. لأنه عن يميني فلا أتزعزع». وهو كلام عبد مؤمن خاضع لربه خاشع ليس له في الألوهية نصيب؛ بل إن سياق الكلام يؤكد عجْز المسيح عن خلاص نفسه؛ فكيف بخلاص غيره؟

ثم يقال لهم: إن الترجمة الصحيحة للنص العبراني الذي هو عمدتكم هي: «لن تتركَ نفسي لِشيئول، ولن تدع تَقيَّك يرى الهاوية». وفيها دليل قاطع على أن المسيح - عليه السلام - لم يرَ الهاوية بعينه فضلاً عن أن يُلقى فيها. وبهذا يتبين تلاعب المترجمين الذين اعتمدوا النسخة السبعونية اليونانية هنا هرباً من التناقض، حتى يستقيم لهم اقتباس «لوقا» في سفر أعمال الرسل!

وإن قلتم بأن الكلام غير متعلق بالمسيح أصلاً بطل استدلالكم به وتبين افتراء «لوقا» وكذبه. فعلى الحالين كليهما ليـس في كتب الأنبيـاء ما يشـير إلى موت المسيح - عليه السلام - تكفيراً عن خطايا البشر، ولا نزوله إلى باطن الأرض؛ لكنها عقيدة ثابتة عند النصارى ورثوها عن الوثنيين. والحق كل الحق في ما ورد في كتاب الله - عز وجل - من أن اليهود لم يقتلوا المسيح - عليه السلام - ولم يصلبوه {بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}. [النساء: 158]

 


[1] http://www.vatican.va/archive/ccc_css/archive/catechism/p122a5p1.htm

 

 


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة