السنن مصـيدة الغافلين

Share
Share
السنن مصـيدة الغافلين
السنن مصـيدة الغافلين



تمر الأمة حالياً بفترة مخاض عسيرة، ما زالت أحداثها تجري بصورة يصعب معها توقع النهايات؛ وذلك لكثرة اللاعبين واختلافهم في الأهداف والوسائل، مع التأكيد على أن الأحداث الكبيرة المتسارعة تعطي فرصة أكبر للإحاطة بالحدث. فنحن أمام كمٍّ هائل من الوقائع الحاضرة التي تتابع مع سيلٍ من المعلومات المتعلقة بها، وهو ما يعطي فرصة نادرة لإدراك ما يحصل فنحن أمام أحداث كبيرة تجري في وقت قياسي لا يتكرر كثيراً في التاريخ؛ فمنذ أقل من سنة دخلت المنطقة في حَراك لا يمكن إيقافه أو الوقوف في وجهه، بل الحل الوحيد الممكن هو التماشي معه؛ فهذا الحراك ليس حدثاً آنياً محدوداً بل هو سلسلة من الأحداث المتتابعة بدون توقُّف إلى أن تزول أسباب نشوئها. ولذا فلا نتوقع هدوءاً قريباً أو قدرة القوى الإقليمية أو الدولية على التحكم بالأحداث؛ فمن عجز عن توقع الحدث فسيكون عجـزه أكثـر وفشله أكبر عند التعـامل مـع الحـدث؛ لأن ما نعيشه الآن ببساطة هو بداية سُنَّة جارية نسأل الله فيها لطفَه بالمؤمنين ونصرَه للمستضعفين.

لقد توقفتُ عن الكتابة لفترة من الزمن مع كثرة الإلحاح عليَّ، ويعلم الله أنه ليس لأني لا أريد أو لا أحس بأهمية المشاركة في بيان ما يجري ومحاولة تحليله؛ ولكنني مع تفاؤلي الشديد بنتائج الأحداث وأثرها الإيجابي على مستقبل الأمة، فإن تتابع الأحداث السريع وتكاثر اللاعبين - سواء المصلحون أو المفسدون - وما صاحبه من شعارات وتحركات بعضها إصلاحي ولكن كثيراً منها التفافي يُقصَد بها تفريغ الحَراك من المضمون، يجعل من الصعب تصوُّر مسارات الأحداث المتوقعة. ولكن بعد مرور ما يقرب من عام على بداية الأحداث فإنني أعتقد أننا على أبواب أحداث كبيرة ستقلب الأوضاع في كثير من البلدان؛ فقد وصلت الأوضاع إلى درجة من السوء بحيث أصبحنا أمام طريقين لا ثالث لهما: إما الإصلاح أو الانهيار. ومن رحمة الله أن الشعوب بدأت تبتعد عن الطواغيت وتنحاز عنهم؛ فبعد عقود من العسف والاستعباد ومحاربة الناس في عقائدهم وعباداتهم، بل وحتى أخلاقياتهم، عاد الناس من جديد إلى المسجد يدخلون إليه وقد عبَّدوا أنفسهم لله، ويخرجون وقد تحرروا من عبوديتهم لغير الله؛ فلم يعودوا عبيداً لبشر أو نظام. ولذا كان المقصود بشعارهم (الحرية): أنها الحرية التي كان يعنيها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بقوله: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً».

إن هذا الانفصال إنما هو بداية الخلاص والأمان من عموم العقوبة، ولا ننسى أن الله بعث موسى إلى فرعون وأمره أن يتلطف له بالقول لعله يتذكر أو يخشى وأقام الحجة على عموم الناس بحادثة السحرة وبناءً على ذلك كانت العقوبة على فرعون وكلِّ من تبعه بعد إعلانه أنه ما علم لهم من إله غيره. وقد وجد في هذا الزمان من يمتحن الناس بهذه الدعوى العظيمة التي حتى ولو مورست على سبيل الإذلال فهي تدل على بلوغ الغاية في الظلم، وهذا في حد ذاته علامة قرب الفرج، وهذا ناموس الكون. فعندما يأذن الله بظهور المهدي فهو ليملأ الأرض عـدلاً بعد أن ملئت جوراً، والمسيح - عليه السلام - ينزل ليقتل الدجال الذي ملأ الأرض فسادً وكفراً.

إن شيوع الظلم وظهور الكفر يعقبه نصر وتمكين للمؤمنين؛ فقد تكفل الله بحفظ هذه الأمة ودينها فالطائفة المنصورة لا تزال موجودة وقوافل المجددين تترى والابتلاء حتمٌ لازم للتمكين. وإليك - أخي القارئ الكريم - بعض الشواهد التي تعين على تلمُّس الطريق في هذا الزمان:

يقول الله - تعالى -: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 62].

ويقول الله - تعالى -: {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: 11].

ويقول - تعالى -: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الأنفال: 53].

ويقول الله - تعالى -: {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ} [محمد: 4].

ويقول أيضاً: {إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140].

ويقول كذلك: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْـجَنَّةَ وَلَـمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].

ويقول - سبحانه -: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55].

ويقول الله - تعالى -: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} [الحج: 40].

ويقول الله - تعالى -: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46].

إنها آيات عظيمة فيها سنن الله التي لا تتبدل ولا تتغير، ومن يتعايش معها ويتفكر فيها يستيقن أن التغيرات التي تحصل للأمم إنما هي نابعة بإذن الله من أنفسهم؛ فكما أن بقاء النعمة مرهون بثباتهم وعدم انحرافهم فإن التمكين والرفعة مرهون أيضاً بشروط ذُكِر منها في هذه الآيات: الإيمان، والعمل الصالح، والخلوص من الشرك والتعلق بالله، وعدم استبطاء النصر، وأن الطريق فيه ابتلاء وشدة، ونصر تتخلله هزائم وكرب، وأنَّ تنازع الصالحين باب واسع للفشل والانكسار. ولذا فإن الشعوب التي بدأت بالتغير سيكون نجاحها كاملاً بقدر ما يكون تغيرها مكتملاً والخطر الأساسي عليها ليس كَيْد الأعداء بل عدم اكتمال التغير ووجود الموانع الذاتية. والذي أرى أنه من المفيد: أن نستعرض بعض الوقائع ونحاول أن نصنفها إلى عوامل إيجابية أو سلبية، وهو ما يعطي تصوراً أوَّلياً للوضع الحالي ويساعد على توقع المسار المحتمل للأحداث:

أولاً: تعرُّض الهياكل الأمنية والحزبية - القائمة أصلاً على هدف أساسي هو حماية النظام - لأول اختبار حقيقي تكون فيه المعارضة شعبية ذات قاعدة عريضة. وهنا نلاحظ أنه كلما كان النظام قائماً على عصبية قبلية (اليمن وليبيا) أو طائفية (سورية) فإنه أقدر على المقاومة وممارسة البطش؛ حيث إن الأنظمة في هذه الحالة تفتقد للشعار والمبدأ وتقوم على زعامة الفرد؛ ولذا فإن افتقاد العصبية يجعل الولاء قائماً على المصلحة الوقتيه، ومن ثَمَّ فإن ثباته غير مضمون. لذلك فإننا نلاحظ عدم قدرة النظام المصري على المقاومة لأنه قائم على شبكة مصالح مادية لا غير. إن هذا لا يعني نجاح هذه الهياكل في مهمتها بقدر ما يعني قدرتها على الفعل، وأما نجاحها فيتوقف على الطرف الآخر. والذي أراه أنه كلما طال الوقت فإن العصبية يضعف ولاؤها للزعامة الحالية لأنها تدخل في حسابات المصالح المستقبلية في ظل زعامات جديدة ومن ثَمَّ تفككها مع إمكانية بقاء جزء محدود على ولائه بحسب ما ارتكب من جرائم وضاقت به الحيلة. وَلْنتذكر ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم بأهل مكة بعد الفتح؛ فقد أمر بقتل عدد معيَّن وقليل حتى لو كان متعلقاً بأستار الكعبة أما البقية فقد شملتهم «اذهبوا فأنتم الطلقاء». فمن يرفع راية الإصلاح للأمة لا مكان عنده للانتقام الشخصي {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34] .

ثانياً: التحالفات الخارجية ومظلات الحماية - سواء كانت اتفاقيات سرية أو معلنة مع دول أو هي مجرد علاقات شخصية مع زعامات، وكلها مدفوعة الثمن من ثروات وسيادة ومصالح البلد - لا تفيد شيئاً في مثل هذه الظروف؛ لأن أولئك تحالفوا مع أشخاص لأنهم في السلطة؛ ولذا فهم حريصون على بقاء التحالف والحفاظ على المصالح ولو مع آخرين، والذين كانوا يسارعون للتعاون مع القذافي أصبح همُّهم الحصول على الوثائق التي أصبحت تدينهم. ولذا لا نستغرب أنَّ من كان يدعم النظام قد يسعى في إسقاطه ليكسب يداً ولا يكون غائباً. وهنا رسالة للذاهبين والقادمين {وَلا تَرْكَنُوا} [هود: 113]. 

ثالثاً: هناك ظاهرة عامة للحَراك الشعبي أنه مرتبط بالدين؛ فميادين الاعتصام تقام فيها صلوات الفروض والجمعة والعيد، والمظاهرات تنطلق من المساجد، وأصبح يوم الجمعة موعداً أسبوعياً، باختصار فقد عاد الناس للمساجد وانطلقوا منها بعد غياب طويل ومع كثرة القتلى بدأ مفهوم التضحية والشهادة يتعمق أكثر عند عامة الناس. إنها أهم ميزة للحَراك أنه كشف عن هوية الأمة الحقيقية، وأن الجماهير كما أنها مرتبطه بالتدين فهي قابله للانقياد للدين؛ وهي فرصة نادرة للدعاة والمصلحين فالناس يرغبون التغيير ونهضوا في سبيله، وحتى يكون التغيير حقيقياً وإيجابياً يجب أن يكون محقِّقاً للشروط الربانية التي ذكرت سابقاً. وهذا لا يتحقق إلا باندماج العلماء المخلصين مع الناس تعليماً وتربية يصيبهم ما أصابهم فهمُّهم واحد: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} [البقرة: 214]؛ فحتى الرسول يعاني ويتحرى نصر الله فالناس يحتاجون العالِم الذي يعيش معهم أولاً ويقودهم ثانياً.

رابعاً: من المظاهر العامة لهذا الحَراك طبيعة الشعارات المرفوعة في التجمعات والمظاهرات: فهناك شعارات قوية مثل (الشعب يريد إسقاط النظام)، و (الشعب يريد محاكمة الرئيس)، و (الشعب يريد إعدام الرئيس)، و (ارحل وكفى)، و (الموت ولا المذلة)، و (حرية حرية)، مع شعارات تحية للمتعاطفين وعتاب للمتواطئين علناً مع النظام، ويسمع شعار (لا اله الا الله)، و (الله أكبر). أما في الجنائز فيردَّد فيها: (لا اله الا الله والشهيد حبيب الله). إنها شعارات تؤكد إرادة التغيير ولكنها لا توحي بشكل النظام الذي يتوق إليه الناس. ومن الغريب أنه مع وضوح دور التيار الإسلامي الشعبي في هذا الحَراك فهناك غياب للطرح الإسلامي لمدى التغيير الذي يطمح إليه وملامح النظام الذي يحقق طموحات الناس! وهل يرضى الناس أن يبنى النظام الجديد على أسس النظام السابق وأخلاقياته وارتباطاته الخارجيه نفسها مع تغيير أسماء الكبار؟ والجواب سيكون بالطبع: لا. ولكن كيف نمنع ذلك إذا لم تطرح من الآن شعارات يتشربها الناس وتكون مانعاً من سرقة أمل الناس بحياة جديدة؟ وأنا هنا لن أحدد الشعارات المطلوبة؛ ولكن يجب أن تكون دالة على الهدف البعيد.

خامساً: هنا نتطرق للشعارات التي يرفعها السياسيون والإعلاميون من ورائهم، وهي الأخطر! فإذا كنا نؤكد على وجوب طرح شعارات معبِّرة أثناء الحَراك الشعبي فيجب أن تكون الشعارات السياسية أكثر وضوحاً؛ وأن يكون هناك أكثر من مستوى للطرح؛ فلا يطرح الممكن ويغيَّب المثال! فنحن أمام طرح فكري وسياسي وإعلامي يريد أن يسوِّق المبادئ التي أدت بالأمة إلى وضعها الحالي المزري بدعوى أن هذا ما يسمح به الغرب، بل ويتم طرح شعارات إقصائية، مثل: (لا للدولة الدينية)، و (لا للطائفية)، و (لا لدكتاتورية الأكثرية). وفلان قائد الثوار كان يوماً مَّا في أفغانستان واختطفته المخابرات المركزية الأمريكية وباعته للقذافي، وبصريح العباره يريدون أن يستبدلوا الطغاة السابقين بمجموعة من الضعفة المسالمين، وإذا أمكن فمن الأتباع المقربين. أما أهم الشعارات المرفوعة فهو (الدولة المدنية)، وهو شعار خطر لأنه موهم؛ فهو اصطلاح للدولة اللادينية ويمكن استبداله بدولة العدالة والحرية مع التأكيد على وجوب حضور الشعارات الإسلامية الخالصة؛ فهناك تسويق أن الدولة الدينية مرتبطة بالظلم والطغيان، ويجب مواجهته.

سادساً: لقد حكمتنا أحزاب عَلمانية وقبائل وطوائف شاذة عن الأمة، فلماذا لا نرفعها عالياً: (نريد أن يكون الحكم للأغلبية للـ 90٪)؛ يجب أن يعود أهل السنة للواجهة بالفكر الذي يعبِّر عنهم، ولا لممثلي الآخرين ولا للمستوردين.

سابعاً: كلمة لأهل الخير والصلاح: تنافسوا ولا تختلفوا، اجتمعوا ولا تفترقوا، تحابُّوا ولا تتباغضوا؛ فنحن في مرحلة مصيرية، وإذا كانت سنة الله جارية ولا تحابي أحداً، فَلْيكن أمامكم دائماً قوله - تعالى -: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46].

إنني أحس أن الأحداث هي تطبيق لسنن إلهية؛ ولذا فإنَّ كلَّ مَن بعث الله شعبَه من الرقاد فليس له حل إلا الابتعاد؛ فقد حق عليه القول وقضي فيه الأمر، ولكن من أمهله الله إلى حين فعليه أن يجدَّ ويجتهد في دفع البلاء برفع الظلم وتطبيق العدالة، ولن يكون هذا إلا بالعودة إلى الله والتوبة النصوح؛ فرِضا اليهود ليس هو الضامن، وحماية البشر لا تغني من الله شيئاً، تقرب إلى الله ولو قليلاً يقترب منك أكثر؛ فكفى غفلة ولا ننس أن سنن الله مصيدة للغافلين.



التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة