تسطـيح العمــل الخيري مسؤولية من؟

Share
Share
تسطـيح العمــل الخيري مسؤولية من؟
تسطـيح العمــل الخيري مسؤولية من؟


 

يعدُّ العمل الخيري أحد الروافد الأساسية في هذا المجتمع، وأحد المكونات الفاعلة فيه، هذا في جانبه المفاهيمي، ولكن هل هذا هو واقعه في جانب الممارسة؟

سؤال كبير يحتاج إلى إجابة...!

فمن الملاحظ أن العمل الخيري أصبح يعاني من التسطيح والتهميش في مجتمعنا - عند كثير من الناس - على الرغم من أهمية الدور الذي يقوم به في مجال الإسهام في خارطة التنمية في بلدنا، فهو يعدُّ أحد الشركاء الفاعلين فيها إذا أعطي المكانة الطبيعية التي يجب أن يتبوأها، والنظر في الأدوار التي يقوم بها.

 وإذا تقصينا الأسباب وجدنا أن واقع العمل الخيري ومكانته الحالية في عالمنا العربي والإسلامي لم يساعد على ذلك، فعلى الرغم من تاريخه الحافل بالعطاء، والأسس المتينة التي كفلها الإسلام لهذا العمل، إلا أنه لم يصل للمكانة اللائقة به، ولك أن تتخيل أن عدد المؤسسات والجمعيات الخيرية في السعودية لم يتجاوز الألف فقط على الرغم من وصول عدد السكان في بلادنا في إحصائيات التعداد الأخير2010م إلى قرابة 27.5 مليون نسمة أي أن كل 27.5 ألف من عدد السكان تخدمهم جمعية واحدة، في مقابل أن  7 ملايين يهودي وهو عدد سكان الكيان الصهيوني لديهم أكثر من 35 ألف جمعية أي أن كل 200 من عدد السكان تخدمهم جمعية واحدة، وهذه مفارقة عجيبة إذ أننا أهل الخير والعطاء والبذل والإحسان، وأن عمل الخير شيء متأصل في نفوس الناس، لأن الدين الإسلامي جعل هذا الأمر من القضايا التي توصل إلى الجنة، وحث عليه ورغب فيه ووعد العاملين فيه بالأجر العظيم، ومع ذلك نجد أنهم قد فاقونا في خدمة العمل الخيري وتأصيله في مجتمعاتهم، وجعلوه ركناً أساسياً من أركان الدولة الحديثة، بل إن تعليمهم يساعد على تأصيل هذا العمل في نفوس التلاميذ، وتم اشتراطها من ضمن متطلبات الحصول على شهادة الثانوية فقرروا عدداً من ساعات التطوع التي لابد من أن يقوم بها الطالب حتى يحصل على الشهادة الثانوية، هذا غير ما يلقاه العمل الخيري من تأييد سياسي واقتصادي وإعلامي ومجتمعي، فالكل يخطب وده هناك،وأعطي من التسهيلات الشيء الكثير، ولك أيضا أن تتخيل حجم الإنفاق على هذا العمل، فواردات العمل الخيري اليهودي تجاوزت 40 مليار دولار أي أن كل يهودي يدفع 600 دولار سنوياً لهذا العمل، مقارنة بما يتم دفعه للعمل الخيري الإسلامي الذي أصبحت المعلومة تعز فيه، على الرغم من توقعاتنا بأنها أقل من ذلك بكثير، وأي انقلاب في الموازين هذا.

 وهذا بلا شك نتيجة حتمية لتسطيح للعمل الخيري في بلادنا العربية بشكل عام، مما ولد شعوراً لدى كثير من أفراد المجتمع بأن هذا العمل لا يمكن أن يمارسه إلا إنسان ليس لديه عمل،أو لديه فضلة وقت ويمكن أن يملأه بالمشاركة في العمل التطوعي، حتى إن نظرات المجتمع للعاملين في هذا الميدان أصبحت نظرات سطحية،وأصبح كثير من العاملين في هذا الميدان يرون أن العمل الخيري لم يصل للمكانة اللائقة به.

ويبقى السؤال مسؤولية من؟

إذا نظرنا إلى تاريخنا الإسلامي وجدناه زاخراً بالعطاء والمساهمة في خدمة المجتمع الإسلامي منحاً ووقتاً وممارسة، مما جعل العمل الخيري يتأصل في نفوسهم لأنهم يرونه عبادة يتقربون بها إلى الله ويرونه رسالة سامية فرضها عليهم دينهم وأخلاقهم ومبادئهم والقصص والشواهد على هذا كثيرة.

إذاً لماذا تغيرت النظرة ومن المتسبب في تغييرها؟

أعتقد أن هناك مسؤوليات ملقاة على عاتق كل من له علاقة بهذا العمل، انطلاقاً من الجهات المشرعة سواء أكانت وزارة الشؤون الاجتماعية، أم وزارة الشؤون الإسلامية، أم مجلس الشورى أو غيرها من الجهات الحكومية ذات العلاقة، لأنها لم تعطِي للعمل الخيري ما يستحقه من توفير بيئة تنظيمية محكمة وتشريعات وتنظيمات تخدمه وتسهيلات حتى ينمو ويزدهر، ولم تضع سلسلة إجراءات تساعد على تناميه وتحفز على انتشاره، وأقرب مثال على ذلك: بادر بمحاولة طلب تأسيس مؤسسة أو جمعية خيرية وانظر إلى قائمة الاشتراطات المطلوبة التي سوف تطلب منك، وانظر إلى المسافة التي ستقطعها من خلال الإجراءات الروتينية التي تسير وفقها، وعدد الجهات التي سيعرض عليها طلبك، على الرغم من أننا في عصر الحكومة الالكترونية، والتي عممت على كثير من الجهات إلا في هذا المجال، وانظر إلى حجم التسهيلات التي سيتم تقديمها لك حتى يتحقق لك ما تريد هذا إن تم قبول طلبك، وعلى ذلك قس.

ولك أن تقرأ بعض التصريحات التي يطلقها بعض المسؤولين في الجهات المعنية  حول خطأ وقعت به  مؤسسة أو جمعية أو تصرف فردي من منتسب لجمعية، وأن الوزارة لن تسكت عن هذا وستضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه استغلال العمل الخيري أو جعله وسيلة لتحقيق مكاسب شخصية وما إلى ذلك، فبدلاً من أن تكون هذه التصريحات عاقلة تؤصل النظرة الايجابية عن العمل الخيري والعاملين فيه، أدت إلى العكس فكان هذا العمل معمماً على العمل الخيري والعاملين فيه، ممَّا عزز تلك النظرة وجعلها تتأصل في نفوس كثير من الناس.

ولا ننسى دور الإعلام والذي جعل العمل الخيري مادة إعلامية دسمة مثيرة للجدل وخاصة في جانبها السَّيء من خلال التركيز على بعض الجوانب السلبية والتي لا يخلو منها قطاع سواء أكان خاصاً أم حكومياً، ولكن الإعلام جعلها مادة دسمة لتعبأ بها أعمدة الصحف وملء وقت البث الإذاعي أو الفضائي، ويتم التعامل معها كأنها سبق صحفي، لأن الإثارة هي أهم مبدأ يتعامل معه الإعلام لجذب القارئ أو المشاهد أو المستمع.وهذه النظرة تبناها مجموعة من الأشخاص الذين يرون في العمل الخيري تعطيلاً لمسيرتهم ومسيرة التغريب التي يدورون في فلكها. وما علموا أن متطلبات الدولة الحديثة، والتي تعد المؤسسات والجمعيات الخيرية أحد مكوناتها، تؤكد على أهمية وجود مؤسسات المجتمع المدني وتناميها وزيادة نفوذها وتمكينها لتكون فاعلة في المجتمع التي هي جزء منه.

وبقي أن نعرج على العاملين في العمل الخيري والذين كان لهم دور بارز في هذا التسطيح من خلال غياب المفهوم والتفكير الشمولي للقضايا والأحداث والوقائع التي يمر بها العالم، والتي تتطلب التعاطي معها وفق متطلبات المرحلة وليس على حساب الفعل وردة الفعل،وكذلك العمل على نبذ النماذج التقليدية والتحفظ على الإبداع والابتكار والتجديد الذي يعد أحد العوامل الأساسية التي تسهم في الفاعلية،  وعدم التركيز على الجوانب التنفيذية والإحجام عن القضايا الإستراتيجية التي تمس العمل الخيري في جذوره، والتركيز على تنفيذ المشاريع دون العمل على