دوافع فيدرالية (برقة) من منظور ليبي

Share
Share
دوافع فيدرالية   (برقة) من منظور ليبي
دوافع فيدرالية (برقة) من منظور ليبي


أعلن عدد من زعماء القبائل والسياسيين في شرق ليبيا يوم الثلاثاء الموافق 6 مارس، إقامة إقليم فيدرالي اتحادي في منطقة برقة بشرق ليبيا، وقرر نحو 3 آلاف شخص من أهل برقة “تأسيس مجلس إقليم برقة الانتقالي برئاسة الشيخ أحمد الزبير أحمد الشريف السنوسي لإدارة شؤون الإقليم والدفاع عن حقوق سكانه في ظل مؤسسات السلطة الانتقالية المؤقتة القائمة حالياً واعتبارها رمزاً لوحدة البلاد، وممثلها الشرعي في المحافل الدولية”، وتم اختيار الشيخ أحمد الزبير الشريف السنوسي رئيساً للمجلس.

وأعلن المشاركون في المؤتمر أن نظام الاتحاد الفيدرالي هو خيار الإقليم كشكل للدولة الليبية الموحدة في ظل دولة مدنية دستورية شريعتها الإسلام من قرآن وسنة، معتمدين في ذلك على دستور الاستقلال الصادر عام 1951م، مع إضافة التعديلات وفقاً لما تقتضيه ظروف ليبيا الراهنة، ورفضوا الاعتراف بشرعية التعديل الذي تم في عام 1963م، كما جددوا رفض الإعلان الدستوري، وتوزيع مقاعد المؤتمر الوطني، وقانون الانتخابات، وكافة القوانين والقرارات التي تتعارض مع صفة السلطة القائمة كسلطة انتقالية، مؤكدين في الوقت ذاته على تمسكهم بقيم ومبادئ ثورة 17 فبراير، ويشمل إقليم برقة الشطر الشرقي من ليبيا المجاور لمصر، وتعدُّ مدينة بنغازي التي انطلقت منها شرارة الثورة الليبية أحد أهم مدن الإقليم.

هذه الخطوة أقدمت عليها القبائل الليبية في برقة، هي بادرة خطيرة، فمنذ أن قامت الثورة الليبية وكل المراقبين يحذرون من أي خطوة نحو التقسيم، وعندما اندلع النزاع المسلح بعد أن أجرم القذافي وقصف الشعب بالطائرات، خرج الكثير من الدعوات بضرورة تأكيد القبائل الليبية على وحدة ليبيا أرضاً وشعباً، تحت قيادة واحدة، خصوصاً وأن المؤامرات على الدول العربية مستمرة، ولا يزال أعداؤنا يحاولون بكل ما لديهم من إمكانيات بث الفتنة والفرقة في البلاد، لتقسيمها ليسهل لهم السيطرة السياسية والاقتصادية عليها، ويسرقوا ثرواتها ومقدراتها، وتعدُّ ليبيا بما لديها من ثروة نفطية كبيرة هدفاً للأعداء، ويخشى الكثيرون أن تكون هذه الخطوة من جانب بعض قبائل برقة، خطوة حقيقية نحو الانفصال في ليبيا، وهو الأمر الذي إن نجح لا قدر الله سيكون بداية لتقسيم عدد آخر من الدول العربية، وبدلاً من أن تكون ثورة ليبيا والثورات العربية ربيعاً، ستكون خريفاً مقيتاً على الأمة كلها، وفي هذا التحقيق نحاول معرفة الأسباب الحقيقية وراء هذه الخطوة، وتأثيرها على وحدة الشعب الليبي، وإمكانية تقسيم ليبيا، وكذلك إمكانية نجاح النظام الفيدرالي مع الشعب الليبي، وأخيراً الأسلوب الأنجع للتعامل مع هذا الوضع وحل المشكلة مع تجنب الصراع العسكري، في ظل انتشار السلاح مع الميليشيات والقبائل التي أطاحت بنظام القذافي.

الأسباب والدوافع:

في تصريح لراديو «سوا» أكد أحمد الزبيري السنوسي أن إعلان إقليم برقة يرجع إلى ضعف أداء المجلس الوطني الانتقالي الليبي، ووصف السنوسي رئيس المجلس الانتقالي المستشار مصطفى عبد الجليل بأنه ديكتاتور، وكانت مدينة بنغازي قد شهدت من قبل تظاهرات واحتجاجات ضد المجلس الانتقالي، وقام مجهولون بإشعال النيران في مقر المجلس بالمدينة احتجاجاً على سوء تمثيل المدينة بالمجلس، وما ترتب على ذلك من تجاهل المدينة والمدن الأخرى التي تقع شرق ليبيا.

ويرى الدكتور محمد السنوسي منسق لجنة إدارة الأزمة الليبية وممثل المجلس الانتقالي، أن “السبب الذي دفع أهالي برقة إلى هذا الاتجاه هو الخوف من تهميش المنطقة، وكذلك البحث عن اللامركزية، فليبيا مساحتها كبيرة جداً، فبعض المدن في برقة تبعد عن طرابلس أكثر من 1800 كم، وكذلك الرغبة في توزيع الثروات بالتساوي بين المناطق، وإحداث طفرة وإعمار في كل المناطق الليبية وخاصة “برقة”، وأشار إلى أن “هناك تباطؤ قاتل للمجلس الانتقالي في اتخاذ عدة قرارات، وتأخيره معالجة بعض القضايا المهمة والملحة، هو أحد الأسباب غير المباشرة التي دفعت أهالي برقة لإعلان الفيدرالية”.

ونفى السنوسي أن تكون هناك أياد خارجية وراء هذه الخطوة، وقال –في تصريحات خاصة-: “ليس هناك أياد خارجية وراء هذه الخطوة إطلاقاً، كثير من الناس والإعلام والصحافة تعدُّ هذه الخطوة تقسيما للبلاد، وهذا غير صحيح، حتى إن السيد أحمد الزبير السنوسي رئيس الفيدرالية المعلن الآن أكد أن إقليم برقة سيكون ضمن دولة ليبية موحدة، وأنا أعتبر هذا نوعاً من الحراك السياسي، ضد المركزية ورفض تهميش إقليم برقة، أو أي إقليم في ليبيا”.

أما الناشط السياسي الليبي ناصر الهواري مؤسس المرصد الليبي لحقوق الإنسانَّ ومنسق الجالية في الإسكندرية، فأكد –في تصريحات خاصة- أن هناك عدة أسباب دفعت بعض أهالي برقة لإعلان الفيدرالية منها “المركزية الإدارية، طيلة أربعين سنة من قبل نظام القذافي، أعطت انطباعاً لدى البعض بضرورة اعتماد أسلوب إداري يقلل من حدة المركزية الموجودة في العاصمة، ورغبة بعض من لديهم نيات انفصالية وأحلام بتولي زمام الأمور في البلاد، في الانفصال التدريجي بالشرق الليبي مستخدمين معاناة الناس من المركزية في الترويج لمشروعهم، وكذلك بعد المجلس الوطني الذي يتولى مقاليد الأمور عن نبض الشارع ، وعدم الاستجابة الفورية لكثير من المطالب الملحة للناس كان من ضمن الأسباب الرئيسة”.

إلا أن ثمة سبب آخر ربما يكون أحد الأسباب المهمة التي دفعت هؤلاء لإعلان برقة إقليماً فيدرالياً، وهو أن الإقليم يتمتع بأهمية حيوية لليبيا، فهو يحوي نحو 80 ٪ من احتياطيات النفط والغاز في البلاد، كما أن موقعه استراتيجي بسبب امتداده الواسع على الساحل الليبي، والذي يقع نحو 60 ٪ منه في هذا الإقليم، في حين أن سكان الإقليم يمثلون 25 ٪ فقط من إجمالي سكان ليبيا، وهو فارق كبير جداً بين عدد السكان وكم الثروات بالنسبة إلى بقية البلاد.

أثرها على وحدة الشعب والأرض:

شدد أحمد السنوسي رئيس مجلس برقة على أن المجلس الأعلى لبرقة يحترم جميع المؤسسات الحكومية والوزارات السيادية والجيش الوطني الواحد، معرباً عن رغبته في أن تكون هناك حرية في اتخاذ القرار فيما يخص مصلحة المواطن الذي عانى الكثير من سوء الإدارة في طرابلس، وأنهم يريدون إقليماً فيدرالياً في إطار الدولة الليبية.

في المقابل اعدَّ رئيس المجلس الوطني الانتقالي الليبي المستشار مصطفى عبد الجليل أن الفيدرالية خطوة نحو تقسيم ليبيا، ووصف ما جاء في بيان مؤتمر دعاة الفيدرالية بأنهبداية مؤامرة على ليبيا والليبيين، ودعا الليبيين إلى الالتفاف حول المجلس الوطني الانتقالي الليبي صاحب الشرعية المحلية والدولية كممثل شرعي ووحيد للشعب الليبي.

أما الدكتور محمد السنوسي فقد نفى أن تكون هذه الخطوة بداية الانفصال أو تقسيم الدولة الليبية، وقاللا يمكن، فهذا غير وارد مطلقاً، الشعب الليبي كله على ديانة ولغة واحدة، بل إن 97 ٪ من الشعب الليبي على مذهب واحد وهو مذهب المالكية، حتى إن بعض القبائل الليبية القديمة مثل الأمازيغ والطوارق، ينسجمون انسجاماً شبه كامل مع الليبيين، ومن جانب آخر فإن فساد النظام السابق الذي لم يقم ببناء ليبيا في أي من المجالات، فلا يوجد اقتصاد ولا تعليم ولا صحة ولا سياحة، ولا توجد مؤسسات، فليبيا دولة بدون دستور وبدون مؤسسات، فهذه كلها إرث النظام السابق، وهو إرث ثقيل جداً، ويوجد عدد كبير جداً من سكان برقة يرفضون الدعوة إلى الفيدرالية، ولكن الكل يجمع على اللامركزية ويبحث عنها، والذين دعوا إلى الفيدرالية لا يريدون يقيناً تقسيم ليبيا إلى دويلات”.

ويتفق معه ناصر الهواري، حيث يرى أنتأثيرها ضعيف لأن الشارع الليبي عانى طلية سنة من الحرب والدمار، ووقف ضد كل مساعي القذافي لتقسيم ليبيا في أثناء الثورة، والكثير يستعد ويطمح لدولة ديمقراطية، ويرى في الانتخابات القادمة فرصة حقيقية لبناء الدولة، وهذا ما يفقده الفيدرالية أي قوة وينزع منها لباس الشرعية؛ لأنها قفز على الشرعية القائمة ومحاولة لتقويض الدولة وإضعافها، بل وإظهارها بمظهر العاجز”.

الفيدرالية ستفشل:

وتوقع محمد السنوسي منسق لجنة إدارة الأزمة الليبية وممثل المجلس الانتقالي فشل الفيدرالية في ليبيا وقالأعتقد أنه لا يمكن نجاح الفيدرالية في ليبيا، لأن الكثير من سكان وأهالي برقة يرفضون هذا التوجه، ولكن هذا الحراك سيدفع بقوة نحو اللامركزية، بحيث سيعمل الجميع ويتجهون نحو اللامركزية، بحيث يتم تقسيم ليبيا إلى ما بين 10-15 محافظة، وتتمتع كل محافظة باستقلالية كبيرة، وتتاح لها إمكانيات البناء وتسن قوانين تخصها، وتكون المحافظات متساوية في الميزانية العامة للدولة

كما يرى ناصر الهواري أن الفيدرالية ستفشل في ليبيا، ويتساءلكيف ينجح مع شعب تعداده  ستة ملايين، ولا توجد به أقاليم منفصلة، ودينه واحد ولغته واحدة، لا توجد أي مقومات تستند عليه هذه الدعوة أو يمكن أن تساعد في نجاحها”.

الحل المناسب:

أكد المستشار مصطفى عبد الجليل أن الحكومة الانتقالية تسعى جاهدة إلى تأسيس دولة لا مركزية قوامها أكثر من 50 مجلساً محلياً في كل ليبيا.. موضحاً أن الميزانية التي يتدارسها المجلس حالياً ستوفر كل الإمكانيات لكل هذه المجالس من أجل مستقبل مشرق يسوده الوئام والازدهار والمساواة بين جميع الليبيين.

ومن جانبه قال محمد السنوسي: “إن هناك مشاكل كان يجب على المجلس الانتقالي حلها بشكل أسرع، والقيام بوضع إستراتيجية عامة وشاملة لحل الكثير من القضايا بنظرة واسعة وسريعة، ولكن الإرث الذي تركه النظام السابق ثقيل جداً، وللعلم فإن رئيس المجلس الانتقالي مصطفى عبد الجليل من إقليم برقة، ولهذا فإننا إذا أردنا الحل، فيجب العمل نحو اللامركزية، ووضع استراتيجية عامة وشاملة لإحداث تطور وإعمار في جميع المناطق بالتساوي، وإحداث طفرة كبيرة في البنية التحتية والصحة والتعليم والزراعة، وعدم تهميش أي مدينة أو محافظة أو منطقة، وأيضاً سن قوانين لاختيار جمعية تأسيسية لها دراية بكل أطياف وثقافات المناطق الليبية، ووضع كل هذه الأمور في الدستور بحيث لا يستطيع أحد أن يتجاوزها”.

أما ناصر الهواري فأكد أنالأسلوب الأنجع هو تعريف الناس بمخاطر الفيدرالية، واعتماد أسلوب اللامركزية الإدارية، والتواصل مع الناس وحل مشاكلهم، ومنها عدد مقاعد المؤتمر الوطني القادم، فقد أحدث توزيع المقاعد لغطاً في الشارع ولدى النخب، لذلك فالتشخيص ومداواة الجرح هما ما تحتاجه ليبيا”.

التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة