المسلمون المنسيون في دار السلام...!

Share
Share
المسلمون المنسيون في دار السلام...!
المسلمون المنسيون في دار السلام...!


كان دخول الإسلام إلى مملكة (فطاني) على أيدي التجار من العرب والفرس، منذ بدايات القرن الخامس الهجري. لكن الوجود الحقيقي للإسلام بدأ عندما أعلن السلطان إسماعيل شاه إسلامه عام 751 هـ - 1457م وأطلق على مملكته اسم دار السلام تعبيراً عن حبه للإسلام.

أضخم تمثال لبوذا:

بحلول القرن الثامن للهجرة تحول جنوب تايلاند إلى مملكة إسلامية مستقلة، تضم فطاني وناراثيوات ويالا وساتون وسونكلا، ثم كونت مع الولايات الماليزية تيرينجانو وكده وكاليمنتان وبرليس سلطنة الملايو المسلمة التي بلغ من تقدُّمها أنها استطاعت تصنيع المدافع العملاقة بعد أن حصلت على تقنية تصنيعها من بعض البريطانيين، ولعقود طويلة ظلت العلاقة بين فطاني وجارتها «سيام» تايلاند علاقة توتر وحروب أدت في نهاية المطاف إلى اعتقال تانكو عبد القادر قمر الدين آخر ملوك فطاني المسلمين وسيطرة تايلاند على فطاني بشكل كامل عام 1321 هـ - 1902 م. وفي الاتفاقية التي وُقِّعَت بين بريطانيا وسيام آنذاك قسمت سلطنة الملايو المسلمة بين الدولتين فخضعت فطاني ويالا وساتون وسونغلا وناراثيوات لسيام، في حين خضعت أقاليم كده وكاليمنتان وبرليس وتيرينغانو لبريطانيا، الأمر الذي أنهى تماماً كل المعالم السياسية والجغرافية لتلك السلطنة العظيمة.

ومنذ ذلك الحين سعت الحكومة إلى تغيير التركيبة السكانية لتلك الولايات المسلمة من خلال توطين آلاف البوذيين فيها وتمليكهم أخصب الأراضي، كما انتشرت المعابد البوذية في كل أنحاء الجنوب، وأقامت الحكومة أضخم تمثال لبوذا في ولاية ناراثيوات (أقل الولايات المسلمة من حيث الكثافة البوذية)، وعندما رفض خمسة طلاب مسلمين أمراً من الجنود التايلنديين بالسجود للتمثال تم قتلهم بطريقة وحشية، وقد أدت الحادثة التي وقعت في عام 1975م إلى مظاهرات كبيرة نظمها المسلمون لأكثر من أربعين يوماً مطالبين بمحاكمة الجناة إلا أن الحكومة رفضت الاستجابة لهم، كذلك تَعرَّض المسلمون لسياسات قاسية حرمتهم كثيراً من حقوقهم فتم منعهم من التعليم بلغتهم المالاوية وفُرضت عليهم اللغة السيامية، كما قامت الحكومة بفرض مناهج تعليمية تخدم مصالحها، وقامت بإغلاق الكتاتيب التي تعلِّم القرآن والقراءة والكتابة، وعلى الطلاب الذين يريدون الانتساب إلى مدارس الحكومة أن يغيروا أسماءهم العربية أو الملاوية إلى أسماء سيامية أو بوذية، كما حرَّمت ارتداء الحجاب على النساء المسلمات، إضافة إلى تشجيع البعثات التنصيرية للعمل بالجنوب، ناهيك عن الدس الرخيص في الكتب الإسلامية.

"فرضت السلطات على الأطفال دراسة البوذية بشكل كامل في مدارسها فلجؤوا إلى نظام «البون دوك» الذي حافظ على الهوية الدينية والحضارية لمسلمي فطاني"

وردَّاً على محاولات التذويب القسري للمسلمين ومحو هويتهم فإن إقبالهم على المدارس الدينية التي تعرف باسم «بون دوك» أو «الفندق» قد زاد بدرجة كبيرة، وهي أشبه بالكتاتيب، ولكن نظام الدراسة بها يشبه إلى حد كبيـر نظام المدارس الداخلية؛ حيث يقيـم الطلاب فيهـا لعـدة سنوات ولا يدرسون سوى القرآن الكريم واللغة العربية والعلوم الشرعية إضافة إلى اللغة المالاوية، وقد ظلت هذه المدارس بعيدة عن دائرة الضوء إلى أن بدأت بعض الأوساط الغربية تشير إلى خطورتها لأنها تعتمد الأسلوب الطالباني في التعليم، إلا أن «كريساك شونهارن» - وهو سيناتور في مجلس الشيوخ التايلندي - أشار إلى أن تايلاند لم تكن نزيهة في تعاملها مع المسلمين وهو ما أدى إلى انصرافهم إلى مدارسهم الدينية الخاصة، وعلى ما يثار حول هذا النظام التعليمي من شكوك وريبة فإنه يمكن القول: إنه قد حافظ إلى حدٍّ كبير على الهوية الإسلامية في جزر الملايو عموماً، ولكن ثمة مشكلة مزمنة تواجه خريجي تلك المدارس؛ وهي: أنهم لا يستطيعون الالتحاق بالجامعة لاستكمال تعليمهم فيضطرون للسفر إلى الدول العربية والإسلامية على نفقتهم الخاصة أو من خلال بعض البعثات المجانية، وهم بعد ذلك قد لا يجدون فرصة عمل مناسبة فيضيع مجهودهم سدىً ودون فائدة تذكر.

المسجد شاهداً:

تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن مسلمي تايلاند يشكلون 5 % من عدد السكان البالغ 65 مليون نسمة، وثمة أقوال أخرى تؤكد على أن عددهم ربما يصل إلى 10 % من عدد السكان، ويتركز حوالي 80 % من المسلمين في أقاليم فطاني وناراثيوات وساتون ويالا وسونغلا بجنوب البلاد ذي الهوية الإسلامية الذي يضم أكثر من 2180 مسجداً، ويعدُّ إقليم فطاني أو باتاني pattani - كما تشير إليه المصادر التايلاندية الرسمية في محاولة لمحو اسمه التاريخي - هو قلب المسلمين النابض في الجنوب بما له من تاريخ عريق؛ حيث كان مركز المملكة الإسلامية لقرون طويلة، والآن يشكل المسلمون به أغلبية تقدَّر بـ 88 % من عدد سكانه البالغ حوالي 600.000 نسمة، وهم من أصول مالاوية، وعاصمته مدينة فطاني، وتحيط به الأقاليم المسلمة من الشمال والجنوب والغرب. أما من ناحية الشرق فيُطِل على خليج تايلاند، وتمتاز فطاني بباقة من المساجد العريقة التي تؤكد على هويتها الإسلامية، وعلى رأسها مسجد وادي حسين «تالوك مانوك» الذي يقف شاهداً على براعة الفن الإسلامي، ويصل عمره إلى حوالي 370 سنة، وهو مشيَّد بطريق تعشيق الخشب ولا يوجد فيه مسمار واحد من الصلب، وعلى جانب المسجد تقوم المئذنة؛ وهي عبارة عن برج مربع من الخشب في جوانبه عدة نوافذ.

"يضم جنوب تايلاند أكثر من 2180 مسجداً، ويُعدُّ مسجد كروسي العريق شاهداً حيّاً على معاناة المسلمين وجهادهم"

ويمثل مسجد كروسي التاريخي بسقفه غير المكتمل وأعمدته المستديرة المصنوعة من القرميد الأحمر واحداً من أقدم مساجد تايلاند، ويرجع تاريخه إلى أواخر القرن السادس عشر الميلادي، ويمتاز بزخارفه وبديع صنعته، ومن الطريف أن البوذيين يتداولون أسطورة تزعم أن ثمة لعنة تمنع اكتمال عمارة هذا المسجد الذي يُعَد من الآثار الإسلامية القليلة التي صمدت في وجه محاولات الحكومة لمحو الهوية الإسلامية للجنوب.

مطالب عادلة:

يعتمد مسلمو الجنوب في حياتهم على صيد الأسماك والتجارة البحرية وزراعة المطاط حيث حالت الأوضاع السياسية المتوترة لفترات طويلة دون انخراطهم في الوظائف الحكومية، ومعظم المشاريع الكبيرة يمتلكها البوذيون ولا يمثل المسلمون إلا العمالة الرخيصة فيها، ونتيجة لهذه الأوضاع السيئة فقد تكونت بالجنوب حركات انفصالية قوية من أبرزها جبهة التحرير الوطني وجبهة المسلمين لتحرير فطاني والمنظمة المتحدة لتحرير فطاني، وبعضها ينادي بالاستقلال التام عن تايلاند، بعضها الآخر ينادي بالانضمام إلى ماليزيا، وبعيداً عن هذه الحركات الانفصالية فإن مطالب المسلمين تتلخص في تعيين حاكم مسلم على أقاليم الجنوب المسلمة، وأن يكون 80% من موظفي الحكومة بفطاني مسلمين، وأن تكون اللغة الملايوية هي لغة التعليم بالمدارس واللغة الرسمية لأهل فطاني مع تطبيق الشريعة الإسلامية، ولكن تجاهل السلطة المركزية في بانكوك لهذه المطالب يؤدي إلى موجات متلاحقة من العنف والاحتجاجات، ومن أشهرها حادثة تكباي التي وقعت في رمضان 1427 هـ، وراح ضحيتها 86 مسلماً ماتوا اختناقاً أو برصاص الجيش التايلاندي الذي استخدم العنف لقمع مظاهرة سلمية من أجل الاحتجاج على اعتقال بعض الشباب المسلمين، وقبل تكباي ببضعة أشهر كان مسجد كروسي التاريخي مسرحاً لحادثة دموية أخرى، عندما هاجمت مجموعة من الشباب بعض مراكز الشرطة، ثم فرت إلى المسجد، فقامت قوات الأمن باقتحامه لتقتل ما بين 32 و38 من المعتصمين بداخله، ولا تزال آثار الرصاص على الجدران شاهدة على ما سمته لجنة التحقيق في الحادث بالقوة المفرطة من قِبل الجيش، وجاءت سياسة رئيس الوزراء السابق « تاكسين شيناواترا « لتزيد الأوضاع سوءاً، حيث استثمر الرجل أجواء الحرب ضد الإرهاب فأعلن تطبيق قانون الطوارئ في الولايات الجنوبية، ووضعها تحت إشراف وزارة الداخلية بالكامل سنة 2005م، وحين قدم زعماء المسلمين في تايلاند خطة للمصالحة إلى وزير الداخلية تتضمن دعوة الحكومة لانتهاج حلول سليمة وعادلة لأزمة مسلمي الجنوب، تبدأ بعدم التوسع في المشروعات السياحية المرتبطة بالرذيلة وتجارة الجنس وأندية الليل والتي تثير حفيظة المسلمين وغضبهم، وإنشاء آلية مركزية لتقليل التوترات بين الدولة والسكان المحليين، مع التزام الحكومة بالقصاص من مرتكبي جرائم العنف سواء أكانوا من مسؤولي الدولة أم من المتمردين المشتبه بهم، كان الردّ قاسياً حيث قامت الحكومة بحملة قمع جديدة تحت شعار ارتباط بعض الجماعات الإسلامية في الجنوب بالتنظيمات الإرهابية الدولية، ونتيجة لذلك تصاعدت أعمال العنف ما أدى إلى مصرع حوالي 3500 فرد نصفهم من المسلمين، وبعد الإطاحة بشيناواترا اعتذرت الحكومة الجديدة برئاسة سورايود شولانوت رسمياً عن ممارساتها بحق مسلمي تايلاند، ولكن شيئاً لم يتغير على أرض الواقع، حيث أشار تقرير لمنظمة العفو الدولية إلى أن ثمة تصاعداً في عمليات التعذيب بمراكز الاعتقال والسجون في الجنوب، وهى أماكن لا يسمح لمنظمات حقوق الإنسان بزيارتها.

وعلى الرغم من إعلان حكومة «آبهيسيت فيجاجيفا» التي جاءت إلى الحكم في ديسمبر 2008م عن نيتها تحسين أوضاع مسلمي الجنوب فإن ما حدث هو العكس تماماً، فتم تجديد العمل بقانون الطوارئ في الجنوب، وارتفع عدد قوات الجيش والشرطة فيه إلى أكثر من 30 ألفاً بحجة فرض الأمن والاستقرار على المنطقة بالقوة، ولا يتوقع الكثيرون تحسناً جذرياً في أحوال مسلمي فطاني في عهد حكومة السيدة «ينغلوك شيناواترا» التي وصلت إلي سدة الحكم في أغسطس 2011 م ( ينغلوك أول امرأة تترأس الوزارة في تايلاند وهي أيضاً شقيقة رئيس الوزراء السابق «تاكسين شيناواترا الذي أذاق المسلمين أشكالاً من القهر!!)..  

وقد أشار عبد الرشيد هامي نائب عميد أكاديمية الدراسات الإسلامية والعربية في جامعة ناراديواس راجنكرين التايلاندية خلال ملتقى لرابطة خريجي الأزهر بالقاهرة إلى ما يتعرض له مسلمو تايلاند من تضييق وانتهاكات، وألمح إلى الدور الكبير الذي يقوم به اليهود في تأجيج الصراع وتحريض الحكومة على المسلمين، مضيفاً: أن الحكومة تقوم بفرض ضرائب فادحة على الفلاحين والمزارعين بالجنوب لكسر شوكتهم وهو ما ينذر بمزيد من التدهور ما لم تتدخل الدول الإسلامية، وبالذات ماليزيا وإندونيسيا بالتنسيق مع منظمة المؤتمر الإسلامي والهيئات الدولية الأخرى المهتمة بحقوق الإنسان لتحسين الأحوال الاقتصادية والاجتماعية لمسلمي تايلاند.


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة