جـذور العولمـة في حركات الاستشراق في القرن (19) الميلادي

Share
Share
جـذور  العولمـة في حركات  الاستشراق  في القرن (19)  الميلادي
جـذور العولمـة في حركات الاستشراق في القرن (19) الميلادي


الحمد لله وكفى، وسلام على رسوله المصطفى، وبعد: فإنه مما لا سبيل إلى الارتياب فيه أن سماء الغرب في الآونة الأخيرة تمطرنا بمفاهيم ومصطلحات لا وجود لها من قبل، ومن هذه المفاهيم مصطلحات: العولمة، والحداثة، وما بعد الحداثة، والاستعمار وما بعد الاستعمار... وغيرها، ومن ذلك ما راج منذ زمن من حديث عن النظام العالمي الجديد خاصة في عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن[1].

وسأتناول في هذه العجالة جذور مصطلح (العولمة).

لقد تعددت مفاهيم هذا الاصطلاح بتعدُّد العلماء كما تباينت آراؤهم في ماهيته؛ فبينما يرى بعض العلماء أن العولمة ظاهرة حديثة جديدة، يعتقد آخرون أنها قديمة. فمثلاً يرى الدكتور جلال أمين أن لفظ (العولمة) حديث، ولكن الظاهرة نفسها قديمة جدّاً. يقول: «فإذا نحن فهمنا العولمة بمعنى التضاؤل السريع في المسافات الفاصلة بين المجتمعات الإنسانية - سواء أكان فيما يتعلق بانتقال السلع أم الأشخاص أم رؤوس الأموال، والمعلومات، أو القيم - فإن العولمة تبدو لنا وكأنها تُعادِل في القدم نشأة الحضارة الإنسانية»[2].

إن هناك من يرى أن ثمة علاقةً بين حركات الاستعمار والاستشراق؛ إذ إنهما يتَّحدان في غايتيهما المنشودة، ألا وهي السعي وراء السيطرة على دول في العالم الثالث؛ خاصة في سياساتها واقتصادها، وهذا هو السبب الرئيس وراء استيطان هذه الدول. بَيْدَ أننا نرتكز في هذه المحاولة على حركة الاستشراق دون غيرها لأسبقيتها على غيرها، ونرى ذلك في محاولاتهم معرفة أحوال هذه الأقطار وهو ما أدى إلى تعليم اللغات العربية وثقافاتها العالية.

الاستشراق والمستشرقون:

أولاً: الاستشراق: وهو أحد العوامل المهمة التي أثَّرت، ولا تزال تؤثِّر في الفكر الفلسفي العربي والإسلامي منذ العصور الوسطى إلى اليوم؛ حيث كان المقصود به نقل الشرق بعلومه وثقافته وفلسفته وحضارته إلى الغرب الأوروبي لدوافع متعدِّدة. ويمكن القول بأنه من الصعوبة بمكان أن يجد الباحث مجالاً من مجالات دراسة الشرق وعلومه خالياً من أبحاث المستشرقين[3].

إن الاستشراق ظاهرة كغيرها من الظواهر الحديثة، وللعلماء والدارسين آراء ووجهات نظر متعددة في تحديد معنى هذه الكلمة، خلاصتها: أن الاستشراق ظاهرة مستحدثة وهي مشتقَّة من الشرق التي تعني مشرق الشمس، ومن ثَمَّ تدلُّ الكلمة على الاهتمام بما يحويه الشرق من علوم ومعارفَ وسمات حضارية متنوِّعة[4].

وقد يراد بالاستشراق دراسة الغربيين للشرق وأممه، ولغاته، وآدابه، وعلومه، وعاداته، ومعتقداته، وأساطيره. وكان المقصود من الاستشراق أن له أكبر الأثر في صناعة التصورات الأوروبية عن الإسلام وثقافته، وفي تشكيل مواقف الغرب إزاء الإسلام على مدى قرون كثيرة، ويمكننا أن نذهب إلى أبعد من ذلك، فنقول: (إن الاستشراق يمثِّل الخلفية الفكرية لهذا الصراع الحضاري) كما قرَّره أحد الباحثين البارزين[5].

يقول إدورد سعيد موضحاً الأثر البالغ لما قام به المستشرقون من دراسة الإسلام وأهله وحضارته ثم نقلِها إلى الثقافة الغربية المسيحية: (احتلَّ الاستشراق مركزاً هو من السيادة بحيث إنني أؤمن بأنه ليس في وسع إنسان يكتب عن الشرق أو يفكر فيه، أو يمارس فعلاً متعلقاً به، أن يقوم بذلك دون أن يأخذ بعين الاعتبار الحدود المعوقة التي فرضها الاستشراق على الفكر والعمل، وبكلمات أخرى: فإن الشرق بسبب الاستشراق لم يكن موضوعاً حرّاً للفكر والعمل)[6].

لقد تم نقل الشرق إلى الثقافة الغربية الحديثة بوسيلتين:

الأولى: قدرات النشر والإذاعة التي يملكها التعليم الحديث وجهازه المبثوث في الجامعات والمدن والجمعيات والمنظمات الجغرافية والاستكشافية.

والثانية: ترتبط بما قام به المستشرقون من ترجمة النصوص وتفسير الحضارات والأديان والسلالات والثقافات والعقليات على شكل مواضيع جامعية محجوبة عن الغربي العادي بحكم طبيعتها[7].

نشأة الاستشراق:

يُرجِع بعض الباحثين بداية الاستشراق إلى محاولة فردية منذ أواخر القرن العاشر الميلادي[8]، ومنهم من يعيد بدايته إلى بعض البلدان الأوروبية في القرن الثالث عشر الميلادي، أو ما قبله بقليل، ومنهم من يرى أنه بدأ منذ الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798م حينما قام عدد كبير من العلماء مع نابليون بونبارت - الذي اصطحب معه مطبعة - بأبحاث متعددة[9].

ولعل الأرجح بين هذه الآراء المتباينة ما أورده العلامة الإلوري من أن نشأة الاستشراق تعود إلى سنة 1312م؛ وذلك في مؤتمر أقامته السلطة الكنسية العالمية World Church Authority في فيننا Vienna، حين توصَّل المشاركون إلى التشجيع على تعليم اللغات الشرقية وثقافاتها ودياناتها وعلى رأسها اللغة العربية وآدابها، بشرط أن يبدأ هذا المشروع في جامعات أوروبية معيَّنة أمثال باريس وأكسفورد وبولونيا[10].

ثانياً: المستشرقون: وهم الباحثون الغربيون الذين يكتبون عن الفكر الإسلامي والثقافة العربية الإسلامية وحضارتها ويدرسونها. ويقول آخرون: إن المستشرق هو العالِم الغربي الذي يهتم بالدراسة الشرقية. ويرى الأستاذ الزيادي أنه كل من عُنيَ بالبحث والدراسة في لغة الشرق وعلومه، أو كل من يدرس أو يكتب عن الشرق أو يبحث فيه. فالمستشرق هو الإنسان الذي اهتم بما يدور في الشرق من مجالات مختلفة، وتقابل هذه الكلمة كلمتي (مستغرب واستغراب) اللتين تدلان على الميل نحو الغرب إعجاباً أو تقليداً أو دراسةً. وقد تعددت الآراء في تحديد معنى المستشرق كما هو الشأن في تحديد معنى الاستشراق، وجملة القول: إنه مَنْ تخصص في دراسة الإسلام ولغته والعرب من غير المسلمين، وكل ما يعمله هذا المستشرق يسمَّى الاستشراق على حدِّ رأي الزيادي.

نرى من المستحسن أن نستهل هذا العنوان الجانبي بكلام موجز عن الغرض الأساسي في زحف أوروبا إلى أقطار إفريقيا وآسيا الشرقية وغيرها؛ لأن معرفة ذلك الغرض تعطينا صورة واضحة عن منهج إسهاماتهم في مؤلفاتهم في هذا القطر بالذات.

منذ القرن السادس عشر الميلادي أخذ الأوروبيون يسافرون إلى كثير من البقاع في العالم بحثاً عن الاستيطان والتجارة ونشر النصرانية. لقد خرجت أوروبا في تلك الأزمنة إلى العالم الفسيح لتكوين الإمبراطوريات على حساب الأقطار الأخرى، وبدأ تحديد مناطق النفوذ للحصول على الامتياز للشركات التجارية، وللسيطرة السياسية والاقتصادية. والدافع الحقيقي كان دائماً الرغبة الشديدة إلى المواد الخامة الرخيصة والأسواق ومجال الاستثمار، وزيادة على ذلك فقد كانت هناك صعوبة في بيع المصنوعات وهو ما دعا للحصول على أسواق أجنبية في الخارج.

وهناك عامل التنافس بين الدول الأوروبية، فكلُّ دولة منها كانت تريد أن تضع يدها على أكبر مساحة ممكنة، وتخشى أن يسبقها الآخرون فيكون نصيبها ضئيلاً؛ ولهذا كانت الحكومات الأوروبية تسعى وراء امتلاك ممالك إفريقيا وآسيا الشرقية وغيرها ليكون لها وزن في نظر البلاد الأخرى[11].

وتلبية لمسيس الحاجة إلى تزايد نظام اقتصادي في أوروبا، بدأت حركة الكشوف الجغرافية؛ حيث خرجت الدول الأوروبية تلهث وتبحث عن الطرق التي تضمن لها القوة والسيطرة، فاهتدوا إلى اكتشاف الأراضي الخصبة في إفريقيا بعد أن قد كانت قارةً مظلمة لدى أوروبا، فلما ارتاد المكتشفون الأوروبيون مجاهل إفريقيا وأظهروا ما فيها من غلات وخيرات، سارعت إلى احتلالها وامتلاك أراضيها والتحكم في أهلها وتسخيرهم في استغلال موارد البلاد.

ولما رأت أوروبا أن من المقوِّمات الأساسية لنهضتها الحصول على هذه الضالة المنشودة - خاصة في إفريقيا - جعلت ترسل رجالها البحاثين والرحالين لجمع أخبارها الجغرافية والمتعلِّقة بالعلوم الطبيعية على العموم، فقاموا بالدراسات المختلفة عن البلاد خاصة إفريقيا السوداء.

هذا، وقد اختلف الدارسون في الدوافع إلى الاستشراق؛ فمنهم من يرى أن المستشرقين قاموا بتلك الدراسات القيمة بتجرد وإخلاص، وممن ارتفع صوته من أصحاب هذا الرأي الأستاذ صلاح الدين المنجِّد وهو يرى أن حركة المستشرقين الألمان خاصة لها مزايا واضحة لأنها - على حدِّ رأيه - لم تخضع لغايات سياسية أو استعمارية أو دينية كالاستشراق في بلدان أوروبية أخرى. يقول: (فألمانيا لم يُتَحْ لها أن تستعمر البلاد العربية أو الإسلامية، ولم تهتم بنشر الدين المسيحي في الشرق؛ لذلك لم تؤثِّر هذه الأهداف في دراسات المستشرقين الألمان، وظلت محافظة - غالباً - على التجرد، والروح العلمية)[12].

أما إدوارد سـعيد والدكتـور أحمد عبد الرزاق والأستاذ عبد اللطيف تبوي وغيرهم من العلماء الذين يدققون في دراسة آراء المستشرقين الألمان منهم والإنجليز، فيرون أن الاستشراق حركة علمية صُوِّرت للسيطرة على بلاد المسلمين وغيرها من بلدان العالم الثالث، وذهبوا إلى أن البواعث والأهداف التي دعت الاستشراق إلى تلك الجهود المضنية عديدة ومتنوِّعة، منها الاستعماري والسياسي والديني والعلمي والتجاري؛ متخذين دراسات الثقافات والحضارات سبيلاً إلى ذلك.

ويشير إدوارد سعيد إلى مثل ذلك[13]؛ حيث إنه يعرِّف الاستشراق من هذه الزاوية الاستعمارية وينظر إلى الاستشراق باعتباره أسلوباً غربيّاً للسيطرة على البلاد الإسلامية[14].

ولعلنا لا نفصل بين الدافع الاستعماري السياسي والدافع التجاري من الدوافع التي دعت الاستشراق إلى البلاد الإسلامية. يقول زقزوق: (مما لا شك فيه أن تزايد العلاقات التجارية بين الشرق والغرب قد شجَّع الغربيين على دراسة اللغة العربية في عصر ما قبل الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي؛ إذ رغب الغربيون في توسيع تجارتهم مع هذه المناطق للحصول على المواد الأوليَّة اللازمة للصناعة الأوروبية، والحاجة ماسَّة للسفر إلى هذه البلاد الإسلامية، ودراسة جغرافيتها الطبيعية والزراعية والبشرية حتى يحسنوا التعامل مع تلك البلاد، وتحقيق ما يصبون إليه من فوائد تعود على تجارتهم بالربح الوفير، وكان الملوك يزودون هؤلاء التجار الباحثين بما يحتاجون إليه من مال؛ وكذلك فعلت المؤسسات المالية والشركات)[15].

 لقد ساهم المستشرقون في الاتجاه إلى دراسة الثقافة العربية الإسلامية الحيَّة على أن ذلك واحد من متطلبات النشاط التجاري الناجح؛ ولذلك أرسلت الحكومة الألمانية – مثلاً – عدداً من رجالها الذين كانوا على إلمام باللغات والثقافات الخاصة بالشعوب، وهذا من أسباب مجيء الرحالين أمثال بارث إلى إمبراطورية البرنو الإسلامية التي تمثل أقدم الدول الإفريقية الإسلامية في العصور المتعاقبة، وقد كان هذا حافزاً قوياً شجَّع الدراسات الاستشراقية كما نراها في مؤلفات وأبحاث أولئك المستشرقين في هذا القطر.

  


[1] د. يوسف القرضاوي المسلمون والعولمة، دار التوزيع والنشر الإسلامية، بدون تاريخ، ص10.

[2]  انظر مقدمة كتاب العولمة والتنمية العربية من حملة نابليون إلى جولة الأورغواي للدكتور جلال أمين، نشر مركز دراسات الوحدة العربية، وهذه المعلومة واردة في كتاب المسلمون والعولمة للقرضاوي، ص 10.

[3] د. عبد الرزاق أحمد «فلسفة المشروع الحضاري» المعهد العالمي للفكر الإسلامي،  1/ 162، 1995م.

[4] محمد الفتح الزيادي «انتشار الإسلام وموقف المستشرقين منه» دار قتيبة، 1990م، ص 14.

[5] د. محمد حمدي زقزوق «الاستشراق»، ص 19.

[6] سعيد إدوارد الاستشراق»، ص 39.

[7] د. أحمد عبد الرزاق «فلسفة المشروع الحضاري» المرجع السابق، ص 230.

[8] مصطفى السباعي «الاستشراق والمستشرقون» المكتب الإسلامي، بيروت، ط2، ص 14.

[9] د. علي الخربوطي «المستشرقون والتاريخ الإسلامي».

[10] الإلوري آدم عبد الله، «الإسلام في نيجيريا»، ص150.

[11] المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

[12] المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

[13] إدوارد سعيد «الاستشراق»، ص 45 - 46.

[14] المرجع نفسه، ص 39.

[15] محمود زقزوق «الاستشراق»، ص 89.


 

الآن.. العدد متوفر بالمكتبات - لمزيد من التفاصيل عن منافذ البيع وكيفية الاشتراك يرجى الضغط هـنــا

 


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة