«ليظهره على الدين كله»

Share
Share
«ليظهره على الدين كله»
«ليظهره على الدين كله»




الحمد لله، والصلاة والسلام على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد:

يذكر سفر دانيال من العهد القديم أن الملك البابلي بختنصر رأى رؤيا فسأل عنها دانيال لعلمه بتأويل الأحاديث فأجابه: «رَأَيْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ وَإِذَا بِتِمْثَالٍ عَظِيمٍ ضَخْمٍ كَثِيرِ الْبَهَاءِ وَاقِفاً أَمَامَكَ وَكَانَ مَنْظَرُهُ هَائِلاً. وَكَانَ رَأْسُ التِّمْثَالِ مِنْ ذَهَبٍ نَقِيٍّ، وَصَدْرُهُ وَذِرَاعَاهُ مِنْ فِضَّةٍ، وَبَطْنُهُ وَفَخْذَاهُ مِنْ نُحَاسٍ، وَسَاقَاهُ مِنْ حَدِيدٍ، وَقَدَمَاهُ خَلِيطٌ مِنْ حَدِيدٍ وَمِنْ خَزَفٍ. وَبَيْنَمَا أَنْتَ فِي الرُّؤْيَا انْقَضَّ حَجَرٌ لَمْ يُقْطَعْ بِيَدِ إِنْسَانٍ، وَضَرَبَ التِّمْثَالَ عَلَى قَدَمَيْهِ الْمَصْنُوعَتَيْنِ مِنْ خَلِيطِ الْحَدِيدِ وَالْخَزَفِ فَسَحَقَهُمَا، فَتَحَطَّمَ الْحَدِيدُ وَالْخَزَفُ وَالنُّحَاسُ وَالْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ مَعاً، وَانْسَحَقَتْ وَصَارَتْ كَعُصَافَةِ الْبَيْدَرِ فِي الصَّيْفِ، فَحَمَلَتْهَا الرِّيحُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ. أَمَّا الْحَجَرُ الَّذِي ضَرَبَ التِّمْثَالَ فَتَحَوَّلَ إِلَى جَبَلٍ كَبِيرٍ وَمَلأَ الأَرْضَ كُلَّهَا. هَذَا هُوَ الْحُلْمُ.» [دانيال 2: 31-35].

ثم فسر دانيال الرؤيا بأنها ممالك أربع، لكنه لم يفصح عن أسمائها.. لكن القديس جيروم سَمَّاها قائلاً: «... من الواضح أن الإمبراطورية الأولى، البابلية، تقارن هنا بأثمن معدن، وهو الذهب ... إمبراطورية الميديين والفارسيين تشبه الفضة... «وَتَلِيهَا مَمْلَكَةٌ ثَالِثَةٌ أُخْرَى مُمَثَّلَةٌ بِالنُّحَاسِ»، هذا يشير إلى الإمبراطورية الإسكندرية [المقدونية] ... أما الإمبراطورية الرابعة التي تشير بجلاء إلى الروم، فهي الإمبراطورية الحديدية التي تحطم وتغلب الممالك الأخرى»[1].

وقد علق على هذا الرأي الأسقف الإنجليزي «توماس نيوتن» في كتابه «مقالات في النبوءة» بقوله: «كل الكتاب الأوائل، يهوداً ونصارى، يتفقون مع «جيروم» في تفسير المملكة الرابعة بالروم».

فمن مشاهير آباء الكنيسة الذين يذهبون هذا المذهب القديسُ «هيبوليتوس» الذي قال بنفس الرأي في تعليقه على سفر دانيال[2]؛ وكذا القديس «كيرلس الأورشليمي» في محاضراته العقدية[3]. أما  المفسر الشهير «متَّى هِنري» فعبر عن ذلك بقوله: «الساقان والقدمان الحديديان» إشارة إلى الملكية الرومية.»[4] وكونها ساقين وقدمين فيه إشارة إلى انقسامها إلى إمبراطورية رومية غربية وأخرى شرقية.

ولكن ماذا عن الحجر الذي دك التمثال وتحول إلى جبل كبير وملأ الأرض كلها؟

إن أغلب النصارى – كعادتهم – لا يترددون في القول بأن هذه مملكة المسيح - عليه السلام -. وهذا مجرد زعم لا يقوم على دليل؛ لما يلي:

أولاً: جاء في العهد الجديد أنه لما سأل بيلاطسُ المسيحَ - عليه السلام -: «إِنَّ أُمَّتَكَ وَرُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ سَلَّمُوكَ إِلَيَّ. مَاذَا فَعَلْتَ؟» أجاب قائلاًً: «لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. وَلَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هَذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ حُرَّاسِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. أَمَّا الآنَ فَمَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هُنَا» [يوحنا 18: 35، 36] فهي مملكة روحية.

ثانياً: جاء في تأويل الرؤيا أن الحجر أو المملكة الأبدية ستسحق غيرها من الممالك، ولم نر هذا من المسيح - عليه السلام - وأتباعه، بل لقوا من الاضطهاد والمعاناة الشيء الكثير، حتى إن أعداءهم حاولوا قتل المسيح - عليه السلام - فنجاه الله تعالى، بل إن النصارى يرون أنه قتل فعلاً وصلب؛ فمتى كان سحقهم للممالك الأخرى؟

ثالثاً: من قال بأن نصرة النصارى كانت على يد الإمبراطور الوثني الرومي «قسطنطين»، فهو لا يعرف حقيقة الرجل، فقد كان من عباد الإله الوثني (Sol Invictus) أو «الشمس التي لا تقهر»، وهو الذي بدل دين النصارى كما هو معلوم عند المحققين من الباحثين.

رابعاً: أورد المؤرخ اليهودي «فلافيوس يوسيفوس» هذه الرؤيا في كتابه «عاديات اليهود»، لكنه لما بلغ الحديث عن الحجر قال: «لقد بَيَّن دانيالُ أيضاً معنى الحجر للملك، لكنني لا أرى ذكره مناسباً، لأنني إنما أخذت على نفسي وصف الأمور الماضية والحاضرة، لا الأمور المستقبلة»[5].

ومن المعلوم أن «يوسيفوس» (37-100م) عاش بعد المسيح - عليه السلام - وكتابه هذا كتبه في نهاية القرن الأول الميلادي (94م تقريباً)، ومع ذلك فإنه يصرح أن تفسير الحجر المذكور في الرؤيا لم يقع بعد، فدل على أن تأويلها ليس في زمـــن المســيح - عليه السلام -. لكننا لا ندري لِمَ لَمْ يرَ ذكرها. يعلل هذا «قاموس التفسير اللاهوتي للكتاب المقدس» بقوله: «يَعُدُّ «يوسيفوس» روما المملكةَ الرابعةَ في (دانيال 2)، لكنه يرفض التعليق على الحجر؛ ربما لئلا يجرح مشاعر القراء الروم بحديثه عن سقوط روما. ولعل هذا يفسر تجاهله لـ (دانيال 7)»[6].

وهذا سبب وجيه؛ لأن «يوسيفوس» كان من بطانة أباطرة الروم، ولكن هل يمكن أن يكون ثمة سبب آخر وهو أنه عرف من هو الحجر، لكنه – كحال غيره من اليهود – لم يُرد أن يبوح بوصف النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأمته؟ هذا أيضاً محتمل، خصوصاً إذا علمنا أن هذه الرؤيا متعلقة برؤيا دانيال في الإصحاح السابع الذي تجاهله «يوسيفوس».

فما الذي يمثله الحجر؟ إنه المملكة التي دكت عروش الأكاسرة الفرس والقياصرة الروم و«لم تقطع بيد إنسان»، بل قامت على وحي إلهي. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فهذا نعت محمد صلى الله عليه وسلم لا نعت المسيح – عليه السلام – فهو الذي بُعث بشريعة قوية ودق جميع ملوك الأرض وأممها حتى امتلأت الأرض منه ومن أمته في مشارق الأرض ومغاربها وسلطانه دائم لم يقدر أحد أن يزيله كما زال ملك اليهود وزال ملك النصارى عن خيار الأرض وأوسطها»[7].

وقد قال الله عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْـحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ...}.


[1] St. Jerome. Jeromes Commentary on Daniel (Baker Book House, 1977), p. 31.

[2] Alexander Roberts et al. The Ante-Nicene Fathers, Translations of the Writings of the Fathers Down to A.D. 325. (Oak Harbor : Logos Research Systems, 1997), vol. V, p. 187.

 [3] Philip Schaff. The Nicene and Post-Nicene Fathers Second Series (Oak Harbor : Logos Research Systems, 1997), vol. VII, p. 108.

[4] Matthew Henry: Matthew Henry>s Commentary on the Whole Bible: Complete and Unabridged in One Volume. (Peabody : Hendrickson, 1996, c1991), Da 2:31.

[5] Flavius Josephus. Jewish Antiquities (Wordsworth Editions, 2006), p. 438.

[6] Kevin J. Vanhoozer, et al. Dictionary for Theological Interpretation of the Bible (Baker Academic, 2005), p. 156.

 [7]  ابن تيمية، الجواب الصحيح، دار العاصمة، 1419هـ، 5/277.


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة