لماذا عجز ماكس فيبر عن قراءة الإسلام سوسيولوجياً؟

Share
Share
لماذا عجز ماكس فيبر عن قراءة الإسلام سوسيولوجياً؟
لماذا عجز ماكس فيبر عن قراءة الإسلام سوسيولوجياً؟



ماكس فيبر.. هو أحد كبار مفكري هذا العصر، وأحد القادة المؤسّسين للمدرسة الوضعية التي تاح لها أن تسيطر على جلّ العلوم الاجتماعية، في الأكاديميا الغربية، ومنها انداحت سطوتها لتشمل بقية أرجاء العالم.

ولد فيبر عام 1864م، وتلقى دروس القانون في جامعة برلين، وقادته دراسته القانونية إلى إدراك علاقات القانون التبعية بالمجتمع، فأنشأ يقول: إن القانون ما هو إلا نتاج للتطورات الاقتصادية والتكنولوجية للمجتمع.

وانتقل إلى دراسة العلوم الاقتصادية حتى أصبح أستاذاً لها في جامعة ميونيخ. وخلال فترة نشاطه العقلي الطويلة التي انتهت عام 1920م، أفرز أعمق أدبيات علم الاجتماع الحديث، مثل: (سوسيولوجيا الأديان)، و(التعاليم الاجتماعية للكنائس النصرانية)، و(نظرية المؤسسات الاجتماعية الاقتصادية)، وغيرها من سلسلة مؤلفاته الطويلة.

أخلاق النهضة:

في هذا المقال نستعرض كتابه الشهير (الأخلاق البروتسانتية وروح الرأسمالية) الذي قلّما يخلو كتاب جدي في مسائل النهضة الاقتصادية من الإشارة إليه، وتشكّل قراءته متعة عقلية حقيقية للمثقف المسلم، حيث يرى خلال قراءته له بعض خيوط الفكر الاقتصادي الإسلامي منسوجة في رداء آخر.

كان مثار دراسة فيبر للموضوع ما لاحظه على أفراد الطائفة البروتستانتية، وخاصة أتباع كالڤن، الذين تحلّوا في الغالب بإنعام النظر العقلي في الأمور، ولم يتغير حالهم ذلك باختلاف أوضاعه، سواء كانوا أقلية من الشعب أو أغلبية، حاكمين كانوا أو محكومين، الأمر الذي لم يلاحظ لدى أفراد الكاثوليك[1].

نتاجاً لتلك النظرة العقلانية لأمور الدنيا والدين، أصبح البروتستانت يمثلون أغلبية أفراد الطبقة التجارية، كما مثلوا القطاع الأكبر من الصناعيين والخبراء. بينما بقي الكاثوليك على ميلهم إلى أعمال المهن والحرف العادية، ولم تتأصل فيهم الروح الاقتصادية التي يمكن أن ترتقي بأفرادهم إلى مرحلة القدرة على مراكمة رأس المال.

هذه الملاحظة المهمة التي أوردها فيبر في كتابه صحيحة، وأكدها معظم المؤرخين وأساتذة الاقتصاد السياسي الذين تابعوا هذا الموضوع بالبحث الفاحص.

فقد بدا مثيراً أن الثورة الصناعية التي بدأت في بريطانيا البروتستانتية، انتشرت من هناك بسرعة فائقة إلى اسكتلندا، وويلز، حيث تسود البروتستانتية. ولم تتغلغل في إيرلندا، ذات المذهب الكاثوليكي، إلا في بعض المناطق حول مدينة بلفاست العاصمة، حيث تتركز الأقلية البروتستانتية.

ومن بريطانيا انساب المد الصناعي في تيار وئيد إلى فرنسا الكاثوليكية، ولم يشفع لها في ذلك قربها الجغرافي من بريطانيا.

وعلى خلاف ذلك، اتجه المد الصناعي بتيار عارم، عبر المحيط الأطلسي، باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية، ذات التقاليد البروتستانتية القوية.

وحتى في وقت متأخر - في أوائل القرن العشرين - ظلت ملاحظات البروفيسور فيبر صحيحة ودقيقة.

ففي أوروبا كانت أقوى الدول في مجال التصنيع هي: بريطانيا، وألمانيا، والدنمارك، والسويد، والنرويج، وهولندا؛ وكلها أقطار بروتستانتية.

أما الأقطار الكاثوليكية التي حققت مستوى معقولاً من التصنيع، كفرنسا، وبلجيكا؛ فقد لعبت أقلياتها البروتستانتية دوراً باهراً في شحذ وإمضاء حركة التصنيع فيها.

أما في العالم الجديد فقد امتدت حركة التصنيع في الولايات المتحدة، وكندا، من دون أصقاع القارتين الأمريكيتين اللتين تعجان بالأغلبية الكاثوليكية.

وفي كندا كان عجيباً أن المناطق التي تقطنها أغلبية كاثوليكية كانت وتيرة الثورة الصناعية فيها أضعف بكثير من بقية أرجاء القطر.

الزهد والإنجاز :

هذه الملاحظات المطردة كانت دافعاً كافياً كي يركز ماكس فيبر انتباهه العقلي على مضامين النِّحلة البروتستانتية.

ومن ذلك خرج بتساؤل كبير ملغز يقول: هل يمكن للمضامين الأخلاقية لتلك النِّحلة التي دعت إلى الزهد، وإلى إنكار الذات؛ أن تدعو أصحابها أيضاً إلى اقتحام عالم رأس المال، لتكوين أرباح تراكمية، وتحقيق نجاحات ضخمة في هذا المجال؟!

ثم ما عَتَّم أن عثر على إجابة معقولة عن تساؤله الكبير في ثنايا التفسيرات المستحدثة لمتضمَّنات العقيدة القدرية الحتمية Predestination التي انطوت عليها النِّحلة الكالڤنية بوجه خاص.

ومضمون تلك العقيدة الحرفي يقول «إن الله تعالى قد حدد لكل إنسان - قبل أن يولد - قدره ونصيبه، من كل شيء. وإن ذلك قدر لا معدى عنه، ولا سبيل لتبديله بأي بحال».

وقد أصابت تلك العقيدة الجمهرة الواسعة لأتباعها بكثير من القلق في المبتدأ، لكنهم ما لبثوا أن عادوا لتفسيرها على أساس جديد مفاده: أن إنجازات الفرد التي يحققها في حياته المادية، بوسائل العمل العقلاني الجاد؛ تقع في نطاق ذلك القدر، وأنها تعطي إشارة واضحة على أن البشر الذين حققوها هم من قبيل الأناسي المحظوظين الذين رضي الله تعالى عنهم، وبوّأهم النعيم الدنيوي العميم.

وتفرّعت عن تلك العقيدة بقية السمات التي سماها البروفيسور فيبر المثل البروتستانتية، وهي المثل التي لخصها القس مارتن لوثر في وصيته لأتباعه بأن يمشوا في العالم ولا يكونوا جزءاً منه. وذلك ما عاكس رأي الكاثوليك القاضي بأن الإنسان ينبغي أن يمشي بعيداً عن هذا العالم[2].

ولذلك رأى فيبر أن النِّحلة البروتستانتية تمثل روح الفكرة الرأسمالية، وتنشِّط روح المسؤولية، وتقوِّي خلق الانضباط، وترسِّخ مبدأ تقسيم العمل، وتقوِّي العزم على صنع الأرباح ومراكمتها، وتعزِّز الاتجاه إلى إعادة استثمارها، وتنمية البلاد عن طريقها.

سوسيولوجيا الأديان:

وحتى يؤكد فيبر نظريته ويعمّمها، فقد تجشم إجراء دراسة واسعة في مقارنة الأديـــان الشرقيـــة وموازنتها، منحها عنوان: (The Sociology of Religion)، وانتهى منها إلى أن الفارق الأساسي بين الأديان الشرقية والغربية إنما يكمن في فهمها الخاص لاصطلاح الخلاص الديني.

ففي جميع الملل والنِّحل الشرقية، ومن بينها الكاثوليكية، يعني مفهوم (الخلاص) مواصلة النضال من أجل تحقيق التوازن، والانسجام مع الطبيعة، والبُعد عن عراك الحياة، وتنكب سبل كسب العيش، والميل إلى عدم إبداء الرغبة أو الحماسة في استهداف النماء الاقتصادي.

أما في البروتستانتية - وهي ديانة غربية المنشأ - فإن الخلاص يعني مواصلة النضال من أجل اكتساب الطهر القلبي، والسمو الروحي، وتجديد الإيمان.

وهو معنى لا يعترض، في خلد البروتستانت وتصوراتهم للحقيقة، على مطالب النماء المادي، خاصة إذا ما فهمت حسب العقيدة القدرية.

ولم يشمل البروفيسور فيبر بدراسته عن الأديان الشرقية الدين الإسلامي، رغم أنه أحد أكبر أديان الشرق، على الأقل من حيث عدد أتباعه، ومن حيث احتكاكه بالإقليم الأوروبي، والتأثير في فكره، في خلال التاريخ الغربي الوسيط.

وربما كان سبب عزوف فيبر عن دراسة الدين الإسلامي، دراسة عميقة، وافية، مستحصِدة؛ هو قصور أدواته الثقافية، أو لأن ما ترجم من الفكر الإسلامي كان ضئيلاً، وأن جل ما كتب كان إنتاجاً تشويهياً بأقلام المستشرقين، المستخدمين لدى الإمبريالية الثقافية[3]، أو ربما بسبب الأنفة المألوفة لدى أكثر مفكري الغرب ومثقفيه من مجرد التفكير في دراسة الإسلام عن قرب دراسة جدية متأنية.

ولو بذل هذا المفكر الغربي الكبير الجهد اللازم لدراسة تاريخ الإسلام في أوروبا، لعرف شيئاً عن الأثر النهضوي للإسلام في شبه الجزيرة الإيبيرية، حيث كانت النهضة العلمية التقنية تأخذ مجراها الطبيعي، تأثراً بمفاهيم الإسلام التقدمية، في مجال التنمية الاقتصادية.

ولولا أن اصطلحت الأحداث والغيَر على استهداف الدولة الإسلامية، في الأندلس، وهي العوامل التي تمخضت عن جرف المسلمين إلى خارج تلك الديار؛ لكانت النهضة الأوروبية الحديثة قد بدأت من هناك. وهي بالفعل لم تبدأ إلا بعد أن اهتدت بمفاهيم وإنتاجات المسلمين الأندلسيين العلمية التي انتقلت إلى الجامعات الأوروبية[4].

وما قول إمام النحلة البروتستانتية، مارتن لوثر: «لو علمت أن العالم سوف ينتهي غداً فسوف أستمر في زراعة شجرة التفاح»؛ إلا استنساخاً للحديث المرفوع: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا»[5].

قَالَ الْبَزَّارُ: لا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ إِلا حَمَّادٌ..

ولو تعمّق ماكس فيبر قليلاً في قراءة تاريخ نحلته البروتستانتية الكالڤنية، لأدرك أن مبعث انشقاقها عن أمها الكاثوليكية إنما نجم عن تأثر قادتها ورادتها الأوائل بمفاهيم الإسلام، التي لا تقر التسلط الكنسي على الدولة، ولا على المواطنين، ولا تشجع روح الفقر، أو الزهد، أو الهروبية، التي كانت الكنيسة الكاثوليكية تؤكدها وتعمّقها في نفوس أتباعها[6].

وقد جلب قادة الفكر الإصلاحي الديني النصراني الأوائل، تلك المفاهيم النهضوية، من العالم الإسلامي في سياق احتكاكهم به خلال الحملات الصليبية.

وقد راعهم آنها أن الدين الإسلامي، الذي سعوا لحربه، ليس ديناً بدائياً، ولا تحكمياً، وأنه لا يصطنع واسطة بين الإنسان وربه، من أي نوع، وأنه لا يستوجب خضوع الإنسان لرجل دين حتى لو كان على مستوى البابا.

ومن ثم اتجه الإصلاحيون النصارى الأوائل، أول ما اتجهوا، إلى تحرير ضمير الفرد النصراني من أسر الأحابيل الإكليروسية، وتجرأوا على إنكار وحذف تلك الوساطة المفتعلة بين الخلق والخالق، من سلسلة اعتقاداتهم وممارساتهم الدينية، وأعلوا من مبدأ المسؤولية الفردية تجاه الواجبات الدينية، وذلك أثر آخر من آثار التعاليم الإسلامية التي تقرر: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى 38 وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى 39 وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى 40 ثُمَّ يُجْزَاهُ الْـجَزَاءَ الأَوْفَى} [النجم: 38-41].

وتضافر مع هذا الجهد الإصلاحي الديني جهد الفلاسفة (التنويريين) ذوي الطابع المعادي للديانة الكاثوليكية، التي كانت تتحكم بالعالم الأوروبي اللاتيني، وفي طليعته فرنسا. وهناك نرى أثر الفيلسوف الكبير جان جاك روسو، وكان هو الآخر على أشد التأثر بالتعاليم الإسلامية، وقد أشار إلى ذلك في مطلع كتابه (العَقد الاجتماعي) وفي ثنايا متنه، حيث استشهد في المطلع بمقولة سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - التي أوردها محورة بهذا النص القائل: «ولد الإنسان حراً إلا أنه مكبل في كل مكان بالأغلال»[7]، ثم تساءل في حيرة: كيف سقط الإنسان، ذلك المخلوق الفاضل، الذي كان يتصور نفسه سيد الكائنات، وهَوى إلى منحدر العبودية السحيق؟!

وقد أشاد روسو في صلب كتابه بدين الإسلام، لأنه لم يفصل شؤون الدنيا عن شؤون الدين، حيث قال: «كان لمحمد[8] نظرات صائبة جداً، فقد أحسن ربط نظامه السياسي. وما دام شكل حكومته قد دام في ظل خلفائه، فإن هذه الحكومة كانت واحدة تماماً وصالحة في هذا»[9]. ولم يفت عليه أن يلحظ أن هذا الانقسام بين الروحي الزمني قد جرى أيضاً في الفترات الأخيرة من التاريخ السياسي الإسلامي، فقال: «وحين أصبح العرب مزدهرين ومثقفين وبالتالي مخنثين، فإن البرابرة أخضعوهم من جديد، وعلى الرغم من أن هذا الانقسام لدى المسلمين أقل ظهوراً منه لدى المسيحيين، فإنه في كل مكان موجود فيهم»[10].

واتخذ روسو مثل التجربة الإسلامية القديمة برهاناً لدحض آراء من ذهبوا إلى أن الدين لا يكون مفيداً للدولة في شيء، وإلى تعضيد رأيه الخاص بضرورة ربط السياسة والاقتصاد بعُرى الدين.

الاستنتاج المبتسر:

لم يكن فيبر على اطلاع كافٍ على تراث الإسلام كما كان الفيلسوف المتزن روسو، ولو وقف فيبر على مصادر صحيحة للإسلام، وتعمق دراسته، لما ابتذل هذا الاستنتاج المبتسر القائل: إن الإسلام دين شهواني يحبذ لأفراده الإسراف في الإنفاق على شهواتهم، لا سيما فيما يتعلق بالنساء.

ولما زعم: «أن الإسلام على خلاف اليهودية لا يحتوي على مجموعة شاملة من القوانين والشرائع، كما أنه لا يشجع على التأمل والتدريب العقلي، وبالتالي لا يساعد على خلق المناخ اللازم للنهضة الاقتصادية»[11].

لم يتسنَ لفيبر أن يعرف كيف أحاط الإسلام جميع أنواع النشاط الاقتصادي بالأحكام التشريعية، فلو انخرط بجهد دراسي معقول، في تعقب أبواب البيوع، والمزارعة، والمساقاة، والشُّفعة، والإجازة، والضمان، والحوالة، والوقف، والتفليس، والحجر، والسلم، والقرض، والرهن، والوصايا، والودائع، والمواريث، وغير ذلك؛ لأصابه الدهش من مدى جهله بحقيقة أن الإسلام قد اتخذ من قديم كل هذه الضوابط القانونية، التفصيلية، الشاملة، من أجل تنظيم النشاط الاقتصادي، وحمايته، ودفعه في طريق سليم للنهضة والرقي.

وربما تنامت دهشة فيبر أكثر وأكثر إذا ما طالع ترجمة محترمة لمعاني القرآن الكريم، وإذاً لوقف على قول الله تعالى: {وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} [الإسراء: 26].. ولم ير أشد من هذا النهي المغلَّظ معيناً على تكوين الثقافة الشعبية المواتية لتحقيق النهضة والنمو.

فالتبذير كما قال سيدنا عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه - بتعريف محكم: هو كل إنفاق في غير حاجة أو حق. وفي رأي الإمام مجاهد: فلو أنفق المرء ماله كله في سبيل الحق لم يكن مبذراً، لكنه لو أنفق مُدَّاً واحداً في غير سبيل مستحق لكان مبذراً[12].

فليس النظر إلى كثرة ما ينفق المرء، وإنما إلى موضع الإنفاق، أكان في حاجة أو سفه؟.. فهل أنتجت البروتستانتية كلها توجيهاً رائداً سديداً مثل هذا التوجيه؟!

وقد شدد القرآن على شجب السفه والتبذير كما لم يشدد أي منهج ديني أو غير ديني؛ ذلك أنه ذهب إلى حد قرن المبذرين بالشياطين، فالشياطين تبذِّر وتبدد طاقاتها ومواردها الجمة في الباطل وموارد الغي، وكذلك يفعل المبذرون من الإنسانيين!

وكما نهى القرآن الكريم عن التبذير، نهى أيضاً عن التقتير، وقد قال الله تعالى: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا} [الإسراء: 29]، فالمقتر والمبذر يعجزان معاً عن المضي قدماً في طريق النماء، والمحسور هو الحيوان الذي يعجز عن المسير؛ فهذا هو مثل الذي يمسك ماله ولا ينفقه، وهو أيضاً مثل الذي ينفق ماله في غير استثمار.

وهذه ليست سوى دلائل يسيرة، من جملة دلائل كثيرة، تقوم على أن الإسلام يصنع المناخ الاجتماعي الصالح للاستثمار؛ بدعوته إلى التدبير، والتوفير، والتدوير، وإعادة الفائض المدخر إلى عمليات الإنتاج.

وإذا لم يكن المسلم قادراً على الإنتاج بنفسه، فإن دينه ينظم له طرائق التشارك مع الآخرين بغرض الاستثمار.

وكما يقول العلامة محمد عمر شابرا: «فقد كان من باب العمل بالتعاليم الإسلامية أن تقوم مؤسسات منظمة تنظيماً فعالاً بتعبئة المدخرات المعطلة، وتوجيهها إلى استخدامات إنتاجية، ولا بد أن تجهَّز هذه المؤسسات تجهيزاً مناسباً يمكّنها عموماً من تمويل الاحتياجات الحقيقية تمويلاً غير تضخمي في كل من القطاعين العام والخاص؛ تحقيقاً لأهداف الاقتصاد»[13].

وهكذا لا يدع الإسلام مدخرات معطلة لا يُسمح لها بطريق المراكمة والازدهار.

ولم نشأ فيما مضى أن نسهب بالرد على ما ادّعاه هذا المفكر الغربي الكبير عن الدين الإسلامي الذي لم يتحدث عنه بجدية ولا دراية، وإنما باستخفاف لا يليق بكبار الأكاديميين.

وما مضى لم يكن سوى مجرد لمحة خاطفة في استعراض متبنيات كتابه (الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية) ونقدها نقداً محتاطاً.

وكما قلنا فإن القارئ المسلم يرى فيه بعض تعاليم الإسلام الاقتصادية منسوجة في رداء منحول.

ولو شئنا لأطلنا الرد على ادّعاءات فيبر بإزاء الإسلام، وأشبعناه نقداً وتفنيداً، ولأبطلنا نظريته الشائعة، في الأوساط الأكاديمية الغربية، عن تفرد المذهب الكالڤني البروتستانتي وحده بروح النهضة، وجئنا لأجل ذلك بأدلة أكثر من أن تحصى أو تستقصى.

كان ماكس فيبر، وهو يشيد أطروحته تلك، مدفوعاً بمناهضته المتصلبة للفلسفة الماركسية، التي ترى أن الأخلاق والمثل ما هي سوى إفراز للبنية التحتية، أي البنية الاقتصادية.

ولأجل أن ينكس ذلك المفهوم رأساً على عقب، ادّعى أن التركيب الاقتصادي، الذي مثَّل عنده البنية الفوقية، ما هو إلا إفراز للأخلاق والمثل التي أصبحت عنده بمنزلة البنية التحتية.

أفلح فيبر في مناهضة الماركسية، لكنه ضيّق واسعاً؛ إذ احتكر ذلك الحق للنحلة البروتستانتية دون سائر الملل والنحل، وجحد عن جهلٍ وتعالٍ حقَ الإسلام العظيم.

:: مجلة البيان العدد 306 صفر 1434هـ، ديسمبر2012م.


[1] Max Weber, The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism, Trans. By: Talcott Parsons, Anthony Gidde, Unwin Hyman, London & Boston, 1930, P.40.

 [2] Ibid, P.96.

[3] اتضح أن معارف ماكس فيبر عن الإسلام لم تتعدَ نطاق ما كتبه المستشرقان الكبيران إغناز غولد زيهر وثيدور نولدكة، وأضرابهما من المعادين بصورة جذرية للعقائد الإسلامية، والذين أسهموا بقسط وافر في الإساءة إلى دين الإسلام وتعاليمه في الغرب. انظر في هذا:

 Ernest Wolf - Gazo, Weber and Islam, (ISIM Review), Autumn, 2005. P.44.

[4] يمكن مراجعة تحليلات وافية لهذه المسألة في الكتاب التأسيسي الجليل لمحمد جلال كشك، بعنوان: طريق المسلمين إلى الثورة الصناعية، وهو مكرّس بكامله للإبانة عن هذه الغاية.

[5] نص عبارة لوثر بالألمانية هي:

)Und wenn ich wüsste so wurde ich mein Apfelbäumchen pflanzen.)

وأما الحديث الشريف فقد أخرجه الإمام البزار، ورجاله ثقاة، وصححه الإمام الألباني.

[6] لاستيفاء هذا الغرض يمكن مراجعة: عباس محمود العقاد، أثر العرب في الحضارة الأوروبية، نهضة مصر للطباعة، القاهرة، د.ت. وأيضاً: محمد أبو حطب، مارتن لوثر والإسلام، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2008م.

[7] جان جاك روسو، العقد الاجتماعي، ترجمة ذوقان قرقوط، دار القلم، بيروت، ص 35. والواضح أن روسو قبس هذه العبارة من مقولة سيدنا عمر بن الخطاب الشهيرة: «أيا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟!»، وقصة ذلك معروفة.

[8] صلى الله عليه وسلم.

[9] جان جاك روسو، العقد الاجتماعي، ص 204.

[10] المصدر السابق، ص 204.

 [11] Max Weber, The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism, P.111.

[12] إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، تفسير ابن كثير، دار طيبة، 1422هـ، المجلد الخامس، ص 69.

[13] محمد عمر شابرا، نحو نظام نقدي عادل، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجينيا، 1408هـ، ص 64 – 65.


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة