بيع الأراضي الفلسطينية: حقيقة أم باطل؟

Share
Share
بيع الأراضي الفلسطينية: حقيقة أم باطل؟
بيع الأراضي الفلسطينية: حقيقة أم باطل؟


 رحلة تمكين الغرباء:
مارست الحركة الصهيونية من أجل تحقيق كيانٍ يهوديٍ مزوَّر إرهابها ضد الشعب المسلم في فلسطين لإكراهه على ترك بلاده وهجر أراضيه؛ حتى تبقى لهم الأرض خاليةً من السكان.
و في هذه الدراسة سوف نناقش مدى صحة أو زيف ما يقال حول بيع الفلسطينيين أرضهم لليهود، مستندين إلى الوثائق والأرقام الموثوق فيها، وإلى الموضوعية قَدْر المستطاع.
ولمناقشة هذه القضية لا بد من العودة إلى جذور المشكلة من بداية القرن التاسع عشر أثناء الحكم العثماني[1]؛ حيث كانت الأراضي الفلسطينية من حيث ملكيتُها تتبع جهات عدَّة، هي: ملكيات إقطاعية كبيرة يتقاسمها ملاَّكٌ كبارٌ فلسطينيون وعرب غير فلسطينيين، ثم أراضي الوقف الإسلامي، وأراضي الكنائس المسيحية، والأراضي الخاصة لصغار الملاَّك الفلسطينيين. أما الملكيات الكبيرة، فقد تقاسمها ملاَّكٌ كبارٌ من الفلسطينيين أو من العرب السوريين واللبنانيين الذين تجمعت في أيديهم الأراضي غالباً في ظل وحدة الأرض أيام الخلافة العثمانية.
وكانت البدايات الأولى لشراء اليهود أراضٍ في فلسطين عام 1855م على يد موشي مونتفيوري Montefiore[2] زمن السلطان عبد المجيد[3]؛ نتيجة تدخُّل بريطانيا لدى السلطات العثمانية، فأصدر السلطان فرماناً سنة 1849م يجيز لليهود شراء الأراضي في الديار المقدسة في منطقة موزا (غرب القدس)؛ وقد أقيم عليها في ما بعد الحي اليهودي المعروف بحي مونتفيوري[4].
وبذلك كانت بداية مواطئ أقدام الصهاينة في فلسطين وفي القدس قلب العقيدة بالذات، ليمتدَّوا بعدها كالأخطبوط في أرجاء فلسطين[5]، وقد استمرت عملية تسريب الأراضي في فلسطين إلى الأجانب بعد إقرار إصلاحات وتنظيمات عُرفَت باسم: «التنظيمات الخيرية» عام 1856م. وبموجب هذه التنظيمات أصدرت الدولة العثمانية قانون الأراضي عام 1858م [6]، ثم تبع ذلك إصدار العديد من القوانين اللاحقة، فأصدرت لائحة تعليمات بحق سندات التمليك عام 1859م، ثم إعلان قانون التمليك عام 1861م، وملحقاته عام 1867م[7]، ونظام تملُّك الأجانب عام 1869م[8]، سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات أو شركات في جميع أراضي الدولة، وسواء داخل المدن أو خارجها[9]؛ ونتيجة لذلك قامت الدول الأوربية: كبريطانيا وفرنسا وروسيا بإرسال رعاياها للإقامة في فلسطين والعمل على شراء الأراضي وإقامة المستعمرات[10].
وفي ما يلي جدول يبيِّن حيازة الأراضي في فلسطين ومراحل انتهابها أثناء العهد العثماني وحتى عام 1947م[11].

المساحة بالدونم

 

تاريخ الانتقال

 

الكيفية التي حصل بواسطتها الانتقال

 

الجهة التي آلت إليها

 

245.581

 

حتى عام 1914م

 

جرى الحصول عليها بطرق غير مشروعة أثناء العهد العثماني

 

مستوطنات وأفراد

 

175.019

 

مابين 1914م - 1920م

 

فترة إغلاق دوائر التسجيل أثناء الحكم العسكري البريطاني

 

مستوطنات وأفراد

 

40.000

 

1920م

 

من خلال وضع اليد على أراضي جنوب يافا

 

إلى مستوطني عيون قارة «ريشون ليزيون»

 

381.000

 

1921م

 

أراضي بيسان من خلال اتفاقية غور المدورة

 

شركة إنماء الأراضي الصهيونية

 

39.000

 

1921م

 

أراضي عتليت والكبارة وقيسارية انتزعتها الحكومة

 

 لجمعية البيكا الصهيونية

 

18.000

 

1921م

 

امتياز روتنبرج لتوليد الكهرباء

 

منحته الحكومة كامتياز

 

120.000

 

1921م

 

من أوقاف الكنائس والشكات بدعوى تسديد ديون البطريركية وتعيين لجان خاصة

 

 ادعت الحكومة ملكيتها وسلَّمتها للبيكا

 

10.000

 

1925م

 

أراضي الباجور انتزعتها الحكومة من صاحبها يوسف الخوري

 

لجمعية البيكا

 

100.000

 

1929م

 

قريتي: جبلين وكوكب وتوابعها وقف الجزامي انتزعتها الحكومة

 

لشركة كهرباء فلسطين اليهودية

 

8.000

 

1933م

 

أراضي سيرين

 

نقلته الحكومة للبيكا

 

165.000

 

1934م

 

امتياز الحولة دفع اليهود ثمناً رمزياً لنحو 57 ألف دونم من إجمالي المساحة

 

لشركة إنماء الأراضي الصهيونية

 

139.000

 

1934م

 

امتياز البحر الميت

 

لشركة البوتاس اليهودية

 

4.005

 

1945م

 

بركة رمضان (وَقْف خليل الرحمن) قضاء القدس انتزعتها الحكومة

 

شركة إنماء الأراضي

 

25.351

 

1945م

 

في منطقة بئر السبع بوضع اليد

 

شركة البوتاس

 

22.948

 

194م - 1947م

 

باعته الحكومة خلال الفترة

 

شركة البوتاس

 

15.000

 

1940م - 1947م

 

أراضٍ انتزعت الحكومة ملكيتها من العرب

 

تم تحويل أجزاء منها لليهود

 

8.000

 

1940م - 1947م

 

أراضٍ جرى تحويلها من صنف لآخر لتصبح باسم المندوب السامي

 

حُوّل معظمها لليهود

 

117.119

 

حتى عام 1947م

 

أراضٍ صودرت قبل صدور أحكام قضائية نهائية بشأنها

 

حُوّل معظمها لليهود

 

1.634.218

 

حتى عام 1947م

 

المجموع

 

 

90%

 

النسبة لمجموع ما انتقل لليهود من أراضٍ

 

تعتبر بريطانيا مسؤولة عنها: سواء مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة

 

 

 

يشير الجدول السابق إلى أن مساحة ملكية اليهود بلغت (1.634.218) دونماً. منها (245.581) دونماً، (15 ٪) حتى عام 1914م، أي خلال العصر العثماني.
يدل ما تقدم ذكره على أن ما حققته الصهيونية خلال الانتداب البريطاني لا يقارن مع ما تم خلال الحكم العثماني.
والجدير بالذكر أنه لم يكن لليهود أي حيازات للأراضي الزراعية في فلسطين حتى عام 1868م[12]، كما لم يزد عددهم حتى عام 1877م عن
1.3 % بالنسبة لإجمــالي عــدد سكان فلسطــين. ولكــن مع فتح إمكانية تملُّك الأجانب وتسجيل أراضٍ كأملاكٍ خاصة، والسماح للأجانب بشراء الأراضي وما تبع ذلك من عملية بناء المستعمرات الصهيونية في أنحاءَ مختلفة من فلسطين، كل ذلك كان المحرك الأساسي للمرحلة الأولى من تسرُّب وانتقال الأراضي من العرب الفلسطينيين إلى غيرهم بما في ذلك مندوبي الحركة الصهيونية[13].
وقد لجأ اليهود إلى طريق التحايل على القوانين العثمانية، بأساليب ملتوية، وهو ما أدى إلى اقتناص (118.000) دونم، وكذا مضاعفة عدد اليهود في فلسطين الذي وصل عام 1915م إلى 38 ألف يهودي بنسبة 3. 5 % من سكان عرب فلسطين، وارتفع عام 1918م إلى 5. 8 % من عدد السكان[14].
وكان عهد الاتحاد والترقي İttihad ve Terakki Cemiyeti [15] (1909م – 1918م) هو العهد الذهبي بالنسبة لشراء اليهود للأراضي في فلسطين؛ فهناك وثيقة تشير إلى نوعٍ واضحٍ من التساهل مع تملُّك أجانب للأراضي الفلسطينية مع السماح لهم بتشجيرها وزراعتها مع العلم أنها ستُسكن من قِبَل اليهود. كما نجد تقريراً أعدته دائرة المخابرات العمومية في وزارة الداخلية العثمانية ورفعته إلى مقام الصدارة السامي بتاريخ 21 يناير عام 1912م حول طلبٍ تلقَّته الخارجية العثمانية من السفارة الألمانية في إسطنبول، يتعلق بإجراء المعاملة الفراغية للأرض المعدَّة للبناء، الكائنة في مدينة حيفا، والتي يرغب بشرائها الدكتور أورباخ (وهو من التابعية الألمانية من مواطنة كريك كيلر)، يبين التقرير أن السفارة الألمانية أوضحت في طلبها إلى الخارجية العثمانية أن الحكومة المحلية تمانع إجراء هذه المعاملة، وأن هذه الممانعة مغايرة لأحكام بروتوكول استملاك الأملاك، وهكذا توصي الخارجية بجواز إجراء المعاملة على اعتبار أن اليهودي الألماني من قدامى الساكنين رغم أنه قَدِم إلى فلسطين منذ عامين ونصف وحسب[16].
وارتفعت نسـبة اليهـود إلـى العـرب في فلسـطين إلى 9.7 % فـي سنة 1914م، واسـتمرت في الارتفـاع لتصـل مقـارنة بعرب فلسطين إلى 35.1 % قبيـل سـنة 1948م. وكان مجمـوع ما يحوزه اليهود من أراضي فلسطين قبل سنة 1914م لا يتجاوز 1.5 %، ثم ارتفعت هذه النسبة لتصبح 5.67 % قبيل سنة 1948م، وبينما كان مجموع عدد المستوطنات على عهد السلطان عبد الحميـد عام 1907م لا يتجاوز 27 مستوطنة في فلسطين كلها، ارتفع هذا العدد ليبلغ 47 مستوطنة عام 1914م، ثم 71 مستوطنة عام 1922م، وفي عام 1944م قفز العدد إلى 259 مستوطنة، ثم وصل إلى 277 مستوطنة قبيل إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948م[17].
ردُّ الفعل:
قام علماء فلسطين وممثلوها لدى السلطات العثمانية بالتنبيه إلى خطر الاستيطان اليهودي والمطالبة بإجراءات صارمة لمواجهته. وترأس الشيخ محمد طاهر الحسيني مفتي القدس سنة 1897م هيئةً محلية ذات صلاحيات حكومية للتدقيق في طلبات نقل الملكية في متصرفية بيت المقدس، فحال دون انتقال أراضٍ كثيرةٍ لليهود. وكان للشيخ سليمان التاجي الفاروقي الذي أسس الحزب الوطني العثماني في سنة 1911م دوره في التحذير من الخطر الصهيوني، وكذلك فعل يوسف الخالدي، وروحي الخالدي، وسعيد الحسيني ونجيب نصار[18].
وقد شاركت الصحف أيضاً في فضح المؤامرة، مثل: الكرمل، والدفاع، والجامعة العربية، وفلسطين... فعندما أقدمت السلطة العثمانية على بيع الأراضي للمنظمات اليهودية مثل الصندوق القومي اليهودي «الكيرن كايمت» (Keren Kayemeth) والصندوق التأسيسي «كيرن هايسـود» (Hayesod Keren)، أبرزت «الكـرمل» بشـكل لا يقبل الجدل سياسة السلطة العثمانية ثم الانتداب البريطاني لتمليك اليهود أراضٍ فلسطينية؛ فكتب نجيب نصار[19] يقول[20]:
«في نابلس قامت في تموز 1913م مظاهرة ضد اعتزام السلطات بيع أراضي بيسان التابعة للدولة للمنظِّمة الصهيونية، كما أرسل المزارعون في سهل بيسان برقيات احتجاج على بيع أراضيهم»، وبيَّنت الكرمل أن «حتمية تنظيم العمل والجهود كانت ذات أثر فعال في التمهيد لظهور جمعية مكافحة الصهيونية التي اتخذت من نابلس مقرها الرئيسي مع إقامة فروع لها في بعض المدن الفلسطينية الأخرى».
وبمجرد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها بدأت الخطط في التحرك على الأرض وأوَّل هذه الخطط كان مؤتمر الصلح في باريس[21] في أوائل عام 1919م، وقد أعدت الحركة الصهيونية بياناً لتقديمه أمام هذا المؤتمر؛ حيث يبدأ هذا التصريح أو الخطة بإشارات إلى العلاقة التاريخية لليهود في فلسطين كوطن قومي، ودعوات للمؤتمر في صيغة قرارات مقترحة للقبول بانتداب بريطاني من عصبة الأمم يضع فلسطين تحت ظروف اقتصادية وسياسية تمهد لإنشاء الوطن القومي لليهود تنفيذاً لوعد بلفور[22].
وتنفيذاً لسياسة الوطن القومي في البلاد، اشترك الصهاينة من اليهود وغير اليهود في الحكومة المدنية التي أقيمت عام 1920م في فلسطين، وكان على رأسها هربرت صموئيل (1920م – 1925م) Herbert Samuel [23] أول مندوب سامي بريطاني في فلسطين بعد صدور قرار الانتداب، وكان معروفاً بتعصبه للحركة الصهيونية، وهو من الساسة البريطانيين الذين ناصروا حاييم وايزمان وفكرة الوطن القومي[24]، وقام بمنح 175 ألف دونم من أخصب أراضي الدولة على الساحل بين حيفا وقيسارية لليهود، وتكررت هِبَاته الضخمة من الأراضي الساحلية الأخرى، وفي النقب وعلى ساحل البحر الميت[25].
وبدت تلك علامةً مبشِّرةً للصهاينة، ونذيرَ سوء للعرب وكان صموئيل ملتزماً بوعد بلفور[26]؛ فشرع صموئيل في إصدار القوانين لتسهيل تحقيق تحالفٍ (صهيوني – بريطاني) من أجل إنشاء دولة صهيونية في فلسطين.
وبين سنتي 1937م و 1948م، صيغت عدة خطط ترحيل صهيونية، منها: خطة سوسكين للترحيل القسري (سنة 1937م)، وخطة فايتس للترحيل (ديسمبر1937م)، وخطة يونيه (يوليو 1938)، وخطة روبين (يونيو 1938م)، وخطة الجزيرة (1938م – 1942م)، وخطة إدوارد نورمان للترحيل إلى العراق (1934م – 1948م)، وخطة بن غوريون (1943م - 1948م)، وخطة يوسف شختمان للترحيل القسري (عام 1948م)، وفي الفترة نفسها أُلِّفت ثلاث لجان ترحيل: اللجنتان الأوليان أَلَّفتهما الوكالة اليهودية (1937م - 1942م). أما اللجنة الثالثة فقد أَلَّفتها الحكومة الإسرائيلية سنة 1948م[27]. وقبيل الحرب العالمية الثانية مارست بريطانيا وقواتها العسكرية (من جيش وبوليس) أبشع أنواع العقوبات ضد العرب واستخدمت كل ما لديها لإخماد الحركات الثورية العربية: من اضطهاد وقتل وتعذيب ونفي[28].
ووقف زعماء الحركة الصهيونية يساعدهم الاستعمار البريطاني في وجه الشعب الفلسطيني، وحاولوا قهره بتهجير اليهود إلى البلاد لإيجاد أكثرية يهودية ساحقة بواسطة الهجرة الواسعة؛ لكي تسود سيطرتهم في البلاد؛ فيتمكنوا من صبغ فلسطين بالصبغة اليهودية، ومن ثَمَّ إجلاء الفلسطينيين إلى خارج فلسطين، وسلب حقوقهم والإقامة مكانهم[29].
وهكذا فإن عملية انتقال حيازة الأراضي وملكيتها من اليد العربية الفلسطينية إلى اليد الصهيونية خلال حوالي 100 عام لم تتجاوز 5.67 من مساحة فلسطين؛ رغم التسهيلات القانونية والإدارية والسلطوية، خاصة في فترة الانتداب، ورغم الإغراءات التي مارستها الحركة الصهيونية والضغوطات والأعباء الضريبية التي فُرِضت على المالكين خلال الفترة العثمانية والانتدابية، التي دفعت جزءاً منهم إلى إرجاء تسجيل الأرض، ولكن لا يمكن الادعاء أنهم تنازلوا عنها[30]، وهذه هي النسبة التي روجت الصهيونية لها عبر آلة إعلامها؛ أي أن الفلسطينيين باعوا أراضيهم وقد سرت هذه الافتراءات سريان النار بالهشيم[31]؛ ولذا تقول (روزماري) الباحثة البريطانية: «لقد آذى التشهيرُ الفلسطينيينَ أكثر مما آذاهم الفقر. وأكثر الاتهامات إيلاماً، كان الاتهام بأنهم باعوا أرضهم؛ أو أنهم هربوا بجبن، وقد أدَّى الافتقار إلى تاريخٍ عربيٍّ صحيحٍ لعمليَّة الاقتلاع (التي لم تُروَ إلا مجزَّأة حتى الآن) بالجمهور العربي، إلى البقاء على جهله، بما حدث فعلاً[32].
وقعت الواقعة (قرار التقسيم):
لقد حاول قرار الأمم المتحدة المجحف بتقسيم فلسطين أن يضفي شرعية على إنشاء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، وكان من أبرز أوجه الظلم التي نتجت عن هذا القرار تمزيق شعب فلسطين وتشريده؛ ففي المنطقة التي قضى التقسيم إعطاءها لليهود (54 % من الأرض) كان يعيش 498 ألف يهودي و 497 ألف عربي، وفي المنطقة التي قضى بإعطائها للعرب (45 % من الأرض) كان يعيش 725 ألف عربي و 10 آلاف يهودي فقط، بينما تَقَرر وضع منطقة القدس (1 % من الأرض) تحت إشراف دولي؛ حيث يسكنها 105 آلاف عربي، و 100 ألف يهودي[33]؛ بينما قَبْلَ التقسيم كان اليهود يملكون نحو 6.5 % منها فقط.
ثار شعب فلسطين ثورة عارمة احتجاجاً على هذا القرار الفاجع، وراحت الهاغانا تنفذ خطة هجومية شاملة ليس فقط للسيطرة على ما حدده قرار التقسيم للدولة اليهودية وهو 56.47 % من مساحة أراضي فلسطين بل لتوسيع هذه الحدود أيضاً، متَّبِعة الخطة (د) أو حدوة الحصان التي تعتمد على توصيل المناطق اليهودية وربطها ببعضها عن طريق تدمير القرى العربية واحتلالها وطرد سكانها من خلال محاصرة هذه القرى من ثلاثة جوانب، وإطلاق النيران الكثيفة عليها ليلاً والناس نيام دون سابق إنذار؛ وهو ما كان يلقي الرعب والهلع في قلوب الأهالي الذين كانوا يتركون كل عزيز ونفيس بعد أن تحصد النيران أعداداً كثيرة منهم لينطلقوا تائهين مشردين بين جريح ومريض وعاجز. وحين كانوا يحاولون العودة بعد هدوء القصف كانت القوات الصهيونية تنتظرهم بالمرصاد؛ ليحصدوهم تحت نيران بنادقهم وأسلحتهم التي كانت تحصد كل من تسوِّل له نفسه العودة إلى أرضه، كما كان قانون (مصادرة الأرض ساعة الطوارئ) الذي استنته العصابات الصهيونية أثناء حرب عام 1948م يمنعهم من العودة[34].
هل ترك أصحاب الأرض بلادهم بإرادتهم الحرة؟
لقد تحدثت القصة الإسرائيلية التاريخية التي جرى تلفيقها عن «انتقالٍ طوعي» جماعي أقدم عليه مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين قرروا أن يهجروا بيوتهم وقراهم مؤقتاً من أجل أن يفسحوا الطريق أمام الجيوش العربية الآتية لتدمير الدولة اليهودية الوليدة[35].
ويكرر شمعون بيريز أن: «الفلسطينيين هربوا من قراهم ومدنهم في سنة 1948م بأوامر من قادتهم»[36]. وتدعي السلطات الإسرائيلية والحركة الصهيونية في الدعاية الرسمية وفي المحافل الدولية أن العرب هم الذين هربوا من البلاد، وكانت البلاد فارغة. وادَّعى الإسرائيليون والصهيونيون أن ما حدث سنة 1948م، هو أن الزعماء العرب طلبوا من الفلسطينيين مغادرة قراهم ومدنَهم مؤقتاً؛ ريثما تقوم الجيوش العربية بالقضاء على الدولة اليهودية الوليدة؛ فاستجاب عدد كبير من الفلسطينيين لهذا الطلب، وخرجوا بمحض إراداتهم، ظانين أنهم سيعودون إلى بيوتهم بعد فترة وجيزة، ولكن الجيوش العربية فشلت في مهمتها، فطالت فترة الانتظار حتى أصبح الفلسطينيون لاجئين.
كشف الكذب ولو بعد حين:
لقد ظهر عدد من الدراسات، مثل دراسات وليد الخالدي (1959م - 1961م)، وأيرسكين تشايلدرز (1961م) وغيرهما، وتمكنت هذه الدراسات من دحض تلك الافتراءات؛ وسوف نتناول بعضاً من تلك الدراسات الموضوعية في ما يلي:
يؤكد الصحفي الإيرلندي أيرسكين تشايلدرز بعد قضائه عدة أشهر يتقصَّى أسباب خروج الفلسطينيين، واطلاعه على محطات الإذاعة البريطانية والأمريكية لتفحُّص تسجيلات البث الإذاعي التي سُجِّلت خلال سنة 1948م، ثم قرر في نهاية مطافه أنه: «ليس هناك أمر أو نداء أو اقتراح واحد يمكن أن تكون قد بثته أي إذاعة عربية داخل أو خارج فلسطين خلال عام 1948م يتعلق بتشجيع الفلسطينيين على الرحيل، بل على العكس من ذلك؛ فقد تم التقاط تسجيلات متكررة لنداءات وأوامر موجهة من إذاعات عربية إلى الفلسطينيين تطلب منهم البقاء في فلسطين».
ووجد تشايلدرز أدلة واضحة على أن الإذاعة الإسرائيلية كانت تبث برامج بالعربية لحث الفلسطينيين على الرحيل[37]. ووجد أيضاً أن الإذاعة الإسرائيلية التي تبث باللغة العربية، هي التي كانت تنشر الخوف في قلوب السكان[38]، وأكد هذا الكشفَ بني موريس[39].
ولم تُصدِر اللجنة العربية العليا أوامرها للفلسطينيين بالنـزوح (لإفساح المجال للجيوش العربية)، كما تروج الدعاية الصهيونية، بل على العكس من ذلك؛ فهناك أكثر من رسالة رسمية صادرة عن اللجنة، وإحداها مؤرَّخة في 8 مارس عام 1948م تطلب من الحكومات العربية التعاون لمنع نزوح الفلسطينيين[40].
كما أكد الكاتب والأكاديمي اليهودي إيلان بابه[41] من خلال أبحاثه أن اللاجئين الفلسطينيين Palestinian Refugee لم يهربوا بناءً على طلب القادة العرب لهم، بل أُخرِجوا بالقوة، موضحاً الأوامر بشأن التدمير والإخلاء في مضمون الخطة (داليت Dalet)[42] التابعة للهاغانا، لكنه ألقى لوماً جزئياً على تنازل القيادة الفلسطينية، والدور الذي لعبته السلطات البريطانية قبيل أيار عام 1949م[43]. وهو الأمر الذي أكده مناحم بيغن عندما قال: «كان لمذبحة دير ياسين نتائج كبيرة غير متوقعة؛ فقد أصيب العرب بعد أخبار دير ياسين بهلع قوي فأخذوا يفرون مذعورين»[44].
كما أيد مايكل بالومبو (Michael Palumbo)، صحة الرواية الفلسطينية لأحداث عام 1948م، استناداً إلى وثائق الأمم المتحدة ومقابلات مع لاجئين ومعنيين فلسطينيين. في كتابه القيم: النكبة الفلسطينية (The Palestinian Catastrophe) الذي نشر في سنة 1987م[45].
مما سبق يتضح لنا أن الفرية التي روجت لها الصهيونية بشكل غير مسبوق في ما يتعلق ببيع الفلسطينيين لأراضيهم، قد كانت بهدف تغطية جرائمها ومجازرها الوحشية التي ارتكبتها أثناء الحرب التي شنتها قوات الاحتلال الإسرائيلي لطرد الفلسطينيين من أراضيهم، وليس هذا ما أعطاهم إياه حق التقسيم، ولكن لتوسيع حدود المحتل، والسيطرة على المناطق الإستراتيجية في فلسطين، ومن ناحية أخرى نجد أن قوات الاحتلال قامت بتشويه صورة الفلسطينيين أمام إخوانهم العرب حتى لا يتعاطفوا معهم أو يساندوهم في معاركهم لاسترداد أراضيهم[46].
من ذا يعيرك عينَه تبكي بها؟
أرايتَ عيناً للبكاءِ تُعَارُ؟



[1] (1516م – 1917م / 922هـ - 1336هـ).
 
[2] موشي مونتفيوري (1784م - 1885م): ثري يهودي بريطاني، زعيم الجماعة اليهودية في بريطانيا، ومن كبار المدافعين عن الحقوق المدنية لليهود في إنجلترا والعالم. موسوعة عبد الوهاب المسيري، اليهود واليهودية: 6/ 177.
 
[3] (1839م - 1861م).
 
[4] للمزيد راجع: روث كارك، الأراضي واستصلاحها أثناء زيارة مونتفيوري الثانية إلى فلسطين 1839م، مجلة كاثدرا (القدس، العدد 33، 1986م)، ص 4.
 
[5] Ben Halpern, The Idea of the Jewish State, Cambridge,Mass,1961,p105         
 
[6] قانون الأراضي لسنة 1858م، المنشور في مجموعة عارف رمضان (الحكم العثماني)، بتاريخ:  (1/6/1925م)، ص 7.
 
[7] إبراهيم رضوان الجندي: الأرض والفلاح الفلسطيني في ظل الانتداب البريطاني، مجلة آفاق عربية، ع 8، ص 28، 1979م.
 
[8] وكان قبله لا يحق للأجنبي استملاك الأراضي في الدولة العثمانية لأي سببٍ من الأسباب.
 
[9] محمد عيسى صالحية، مدينة القدس، (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات، 2009م)، ص 15.
 
[10] المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات
http://www.malaf.info/?page=show_details&Id=12&table=table_141&CatId=162 .
 
[11] هند أمين البديري، أراضي فلسطين بين مزاعم الصهيونية وحقائق التاريخ: دراسة وثائقية (القاهرة: جامعة الدول العربية 1998)، ص 237.
 
[12] هند أمين البديري: فلسطين وأكذوبة بيع الأراضي، جريدة الأهرام، ع - 41437، 19 - 5 -2000م
 
[13] راسم خمايسي: هكذا سُرِّبت ونُزعَت الأرض في فلسطين، مركز بديل لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين
http://www.badil.org/en/haq-alawda/item/361-article13
 
[14] هند أمين البديري: فلسطين وأكذوبة بيع الأراضي، مرجع سابق.
 
[15] حركة سياسية كانت توجّه مقدرات الدولة العثمانية وتدير شؤونها منذ الانقلاب الدستوري عام 1908م حتى هزيمة الدولة في الحرب العالمية الأولى وتوقيع معاهدة مودروس Modrus عام 1918م، وتأسست عام 1894، راجع الموسوعة العربية
http://www.arab-ency.com/index.php?module=pnEncyclopedia&func=display_term&id=1479.
 
[16] قناة الجزيرة، برنامج أرشيفهم وتاريخنا، الحلقة الثالثة بتاريخ: 13/2/2009م.
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/CE5F44EC-9718-499E-A071-EE039B48C40A.
 
[17] غازي فلاح: إسرائيل والأرض الفلسطينية. مجلة الدراسات الفلسطينية، ع 42 (ربيع 2000)، ص 67.
 
[18] المرجع السابق، ص43 - 67.
 
[19] نجيب نصار: شيخ الصحافة الفلسطينية ومؤسس صحيفة «الكرمل»، ولد في لبنان عام 1873م، درس في الجامعة الأمريكية في بيروت، فرع الصيدلية والعلوم السياسية. أتاحت الفرصةُ لنجيب نصار أثناء عمله في مدينة طبريا والقدس الاختلاطَ المباشر بالمهاجرين اليهود؛ حيث تعرَّف نصار إلى المخطط اليهودي، وإلى فكرة إقامة الدولة اليهودية على أرضي فلسطين بحسب جدول زمني منظم، فكان هذا الأمر دافعاً أساسياً إلى تأسيسه جريدة «الكرمل» الحيفاوية. راجع: عبد الوهاب الكيالي تاريخ فلسطين الحديث، ص 54.
 
[20] «الكرمل»، عدد 1913/8/12، وعدد 1913/9/19م.
 
[21] عبد العظيم رمضان، تاريخ أوربا والعالم في العصر الحديث ، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، عام 1997).
 
[22] قناة الجزيرة، برنامج أرشيفهم وتاريخنا، الحلقة الرابعة بتاريخ: 19/2/2009م.
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/DE6EF1E5-6FDA-40F7-A9E3-CE74D818D7C4.
 
[23] هربرت صموئيل: سياسي بريطاني يهودي، وأول مندوب سامي بريطاني في فلسطين. ولد لعائلة يهودية أرثوذكسية تعمل بتجارة الذهب والأعمال المالية (كان أبوه شريكاً في شركة صموئيل ومونتاجو). وقد تلقى تعليمه في جامعة أكسفورد، وانضم إلى الحزب الليبرالي، ورشح نفسه للانتخابات ونجح سنة 1902م. وتدرَّج صموئيل في عدد من الوظائف إلى أن أصبح وزيراً في الوزارة البريطانية، وكان بذلك أول إنجليزي يهودي يشغل هذا المنصب.        
Britannica, vol. 10, p. 382
 
[24] وولتر لين، أوري وديفز: الصندوق القومي اليهودي، ترجمة محمود زيدان، رضوان مولوي، (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، عام 1990)، ص59.
 
[25] الموسوعة الفلسطينية: 1/180.
 
[26] كارين أرمسترونج: القدس مدينة واحدة... عقائد ثلاث، ترجمة، فاطمة نصر، محمد عناني (سلسلة مكتبة الأسرة) (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، عام 2009)، ص 604.
 
[27] نور الدين مصالحة: التصوُّر الصهيوني للترحيل، مجلة الدراسات الفلسطينية، عدد 7، صيف 1991، ص 28 – 29.
 
[28] محمد عيسى صالحية: مدينة القدس، مرجع سابق، ص 82.
 
[29] إيلان هاليفي، المسألة اليهودية، ترجمة فؤاد جديد، (دمشق: مكتب الخدمات الطباعية)، ص 19.
 
[30] راسم خمايسي: هكذا سُرَّبت ونُزعَت الأرض في فلسطين، مركز بديل لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين.
http://www.badil.org/en/haq-alawda/item/361-article13
 
[31] هند أمين البديري: فلسطين وأكذوبة بيع الأراضي، مرجع سابق.
 
[32] عيسى القدومي: فلسطين وأكذوبة بيع الأرض، مرجع سابق، ص 13.
 
[33] الموسوعة الفلسطينية: 1/559 -560.
 
[34] هند أمين البديري: فلسطين وأكذوبة بيع الأراضي، مرجع سابق.
 
[35] إيلان بابه: التطهير العرقي في فلسطين، ترجمه أحمد خليفة (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية  2007)، ص 4.
 
[36] Shimon Peres, The New Middle East, With Arye Naor (London: Shaftesbury) Element Books, 1993), p. 198.
 
[37] كليفورد رايت: حقائق وأباطيل في الصراع العربي الإسرائيلي، ترجمة عبد الله عريقات وعبد الله عيَّاد، (عمان: دار الناصر، 1992)، ص23 - 24.
 
[38] شريف كناعنة: الشتات الفلسطيني: هجرة أم تهجير؟ (القدس: مركز القدس العالمي للدراسات الفلسطينية، عام 1992)، ص200.
 
[39] بني موريس: ولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين «وثيقة إسرائيلية»، (الأردن: دار الجليل للدراسات والأبحاث الفلسطينية، عام  1993)، ص80.
 
[40] كليفورد رايت، حقائق وأباطيل، مرجع سابق، ص 25.
 
[41] إيلان بابه: مؤرخ إسرائيلي، ينتمي إلى تيار المؤرخين الجدد، ومحاضر في العلوم السياسية في جامعة حيفا. وهو أيضاً المدير الأكاديمي لمعهد غفعات حبيبا لدراسات السلام، ورئيس معهد إميل توما للدراسات الفلسطينية في حيفا. وقد ألَّف عدة كتب، منها: تاريخ فلسطين الحديثة، والشرق الأوسط الجديد، والتطهير العرقي في فلسطين.
 
[42] وُضِعَت الخطة داليت في 10 آذار/ مارس 1948، كارين أرمسترونج: القدس مدينة واحدة... عقائد ثلاث، مرجع سابق، ص 621.
 
[43] Ilan Pappe «Post-Zionist Critique on Israel and the Palestinian, Popular Culture».   J.P.S Issue 104, No. 4, Summer 1997
 
[44] Manachem Begin, THE REVOLT, LONDON, IST EDITION, 1972, P 165.
 
[45] Michael Palumbo, The Palestinian Catastrophe: The 1948 Expulsion of a People from Their Homeland. London: Faber and Faber, 1987..
 
[46] هند أمين البديري: فلسطين وأكذوبة بيع الأراضي، مرجع سابق.
 
 

 

 


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة