الاستراتيجية الإيرانية في أفغانستان

Share
Share
الاستراتيجية الإيرانية في أفغانستان
الاستراتيجية الإيرانية في أفغانستان



« إن إيران لعبت في أفغانستان كلا دَورَي (البناء والهدم)، إنها تلعب في كلا الاتجاهين، وتحاول العودة إلى كابل بركلة ركنية »[1] هذه تصريحات السفير الأفغانستاني في واشنطن سعيد طيب جواد، وهي تلخص على نحو دقيق استراتيجية إيران في أفغانستان.

لقد نجحت طهران في فرض نفسها كلاعب رئيس في أفغانستان بعد فترة وجيزة من اندلاع ثورة الخميني عام 1979م، وتعاظم الدور الإيراني مع الانسحاب السوفيتي من أفغانستان وسقوط النظام الشيوعي وبدء مرحلة الصراع بين المجموعات الأفغانية، ثم تراجع النفوذ الإيراني إلى حدِّه الأدنى مع ظهور حركة طالبان عام 1996م وتسلُّمها للحكم في البلاد وحتى سقوطها عام 2001م إثر الاحتلال الأمريكي، ليعود نفوذ طهران إلى القمة من جديد؛ بحيث أصبحت طرفًا رئيسًا لا غنى عن التفاوض معه حول مستقبل أفغانستان؛ فما هي أهداف إيران في أفغانستان؟ وكيف تسعى لتحقيق هذه الأهداف؟

إيران وأفغانستان... الجغرافيا والتاريخ:

تلعب الجغرافيا دورًا معقدًا في تشكيل المصالح الإيرانية في المنطقة؛ فهي تعطي النظام ميزات كثيرة تجعله متحكمًا في عدد متزايد من الملفات الحيوية، وهو ما يعني مزيدًا من النفوذ وتنامي الدور الإقليمي، ولكن من ناحية أخرى فإن الجغرافيا الإيرانية تضع النظام على شفير عدد من الأزمات.

إننا إذا اعتبرنا أن العِرق الفارسي هو المتحكم الرئيس في إدارة الدولة الإيرانية، فإن التوزيع السكاني داخل إيران يكشف أن الكتلة الفارسية تتركز في الهضبة الوسطى الداخلية، بينما تتوزع الأقليات العرقية والدينية في المحيط الإيراني، وعلى الحدود الخارجية، يضاف إلى ذلك أن إيران محاطة بعدد من الدول المتفجرة داخليًا لأسباب عرقية أو دينية، مثل: أفغانستان، العراق، باكستان، وهذا يجعل المنطقة بأسرها خاضعة لتأثير « الدومينو ». [2]

في ظل هذه الوضعية الشائكة يصبح من الصعب تعريف المصالح الإيرانية على نحو متفق عليه، هل تتوافق هذه المصالح مع خلخلة البُنى السياسية لهذه الدول إلى درجة التفكيك؟ أم أن ذلك سيؤدي إلى انتقال الخلخلة إلى الداخل الإيراني؟ وهل يعني ذلك أنه سيكون من مصلحة طهران أن تحافظ على استقرار هذه الدول وثبات الأنظمة الحاكمة فيها؟ بعد أحداث 11 سبتمبر والاحتلال الأمريكي لأفغانستان عام 2001م، ثم العراق عام 2003م، تغيرت معادلة الجغرافيا السياسية لتكتسب إيران وضعًا تفاوضيًا قويًا ونفوذًا هائلاً في المنطقة؛ فقد تدخلت القوة العظمى في العالم؛ لكي تُسقِط النظامين السُّنيين شرق إيران وغربها، مع المحافظة في الوقت نفسه على الحد الأدنى من التماسك الهش للإطار الخارجي في كلتا الدولتين، وهو أفضل مما كانت تحلم به إيران؛ فهي في مأمن من فوضى عرقية ودينية على بوابتيها الشرقية والغربية، مع حرية مطلقة للدخول والخروج من وإلى الدولتين.

جغرافيا أفغانستان في المنظور الإيراني:

تقع أفغانستان إلى الشرق من إيران، وتمتد الحدود المشتركة بينهما إلى 978 كم، وتُعدُّ إيران أحد المنافذ البحرية الهامة لأفغانستان، كما أن الأخيرة بمثابة ممر مباشر لإيران إلى آسيا الوسطى و الصين.

يبلغ تعداد الأفغان 23 مليون نسمة موزعين على أكثر من 300 قبيلة، ويشكِّلون أربعة أعراق رئيسة، هي: البشتون ونسبتهم 40%، والطاجيك 30%، والأوزبك 10%، والهزارة أقل من 8%، والأغلبية من السُّنة الأحناف، وتبلغ نسبة الشيعة نحو 5%، مع وجود نسبة أقل من الشيعة الإسماعيلية، وتعد اللغة الفارسية متداولة لدى 60% من السكان، ويتحدث بها الطاجيك.

إن التحليل الجيوبوليتيكي لموقع أفغانستان في عقلية المخطِّط الاستراتيجي الإيراني يعطي ملمحين أساسيين: أولهما: أن الإيرانيين يتبنون نظرية « المجال الحيوي » في التعامل مع كلٍّ من العراق وأفغانستان، وهذه النظرية تبلورت بعد الحرب العالمية الأولى على يد النازيين في ألمانيا، وتقول النظرية باختصار: « إن لكل شعب الحق بالاستيلاء على الجغرافيا التي يراها ضرورية لنموه » [3].

وهي نظرية تنطلق من احتقار الشعوب الأخرى والتعالي عليها، وهو ما يتناسب مع الثقافة الشيعية الموروثة تجاه السُّنة، خاصة وأن أغلب الدول المحيطة بإيران، والتي تشكل « مجالها الحيوي » هي دول سُنية.

وثانيهما: أن العراق وأفغانستان تحولا بعد الغزو الأمريكي لهما إلى « مناطق رخوة »؛ حيث اختلت فيهما موازين القوى بالدرجة التي فتحت المجال واسعًا لدخول قوى أخرى إقليمية ودولية إلى حلبة الصراع، وهو أمر لا يتناسب مع الأمن القومي الإيراني، ويحتم على طهران أن تدخل بكل قواها إلى كلتا الدولتين، مع ضرورة تَذَكُّر أن إيران نفسها ساهمت بصورة فعالة في تحويل هاتين الدولتين إلى حالة « الرخاوة ».

تمكنت إيران من تفعيل المزايا الجيوبوليتيكية التي تتمتع بها؛ حيث إنها تحولت إلى لاعب إقليمي أساسي لا يمكن إغفال دوره في القضايا الحساسة بالمنطقة، وأبرزها الأزمة في أفغانستان، وكان الدور الإيراني حاضرًا منذ البداية، فقد حَرَّضت طهران المجتمع الدولي بصفة مستمرة ضد حكومة طالبان منذ تشكُّلها في أفغانستان، ثم قدمت الدعم الاستخباراتي والعسكري والاقتصادي والسياسي لإنجاح الغزو الأمريكي، وتذكر بعض التقارير أن خبراء إيرانيين شاركوا بصورة مباشرة في التخطيط للمعارك ضد طالبان وفي تنفيذها أيضًا، وبعد سقوط الحركة ساهمت في عقد مؤتمر (بون)، ثم ساعدت في تشكيل الحكومة الانتقالية في كابل، وتعهدت بتقديم 500 مليون دولار لجهود إعادة الإعمار، وتمتلك طهران تحكُّمًا في عدد من الملفات الأفغانية الهامة، مثل: المخدرات، اللاجئين، التبادل التجاري، دعم الأقلية الشيعية، تقديم الدعم العسكري لمجموعات متفرقة في أفغانستان، الحرب على الإرهاب... إلخ.

وترافق تعاظم التأثير الإيراني في أزمة أفغانستان مع تغير الرؤى في الولايات المتحدة من تبنٍ لـ « تدويل » القضية بالمشاركة مع الأمم المتحدة وحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي (وهو رأي الجمهوريين) إلى محاولة « أقلمة » القضية من خلال تفعيل دور الدول المجاورة لأفغانستان (وهو رأي الديمقراطيين)، وانطلاقًا من هذا المفهوم عُقِد مؤتمر لاهاي لمناقشة الأوضاع الأفغانية ودعيت إليه إيران في مارس 2009م، بعد أشهر قليلة من تولِّي باراك أوباما رئاسة الولايات المتحدة.

 أثر التاريخ في صياغة الاستراتيجية الإيرانية في أفغانستان:

لا يمكن تجاهل الخلفية التاريخية للعلاقة بين أفغانستان وإيران؛ فلم تكن الأولى دومًا بمثل حالتها الراهنة، بل مرت بفترات قوة وبأس أذاقت فيها الدول الرافضية التي تأسست في إيران وبال أمرها، ويمكن تلخيص أهم المحطات التاريخية التي لها انعكاس على الحاضر في ما يلي:

1 - احتل الفرس الصفويون مناطق في أفغانستان منها ولاية قندهار مطلع القرن الثامن عشر الميلادي؛ حيث عاثوا فيها فسادًا، ولما اشتكى أهلها السُّنة للسلطان حسين الصفوي نقلت بعض المصادر أنه قال لوفدهم: « إننا نؤجر ونثاب بإذلالكم »، فكان أن ثار الأهالي على الصفويين عام 1709م، ثم عام 1716م وقتلوهم عن بكرة أبيهم، وأعلن الأفغان الجهاد على الصفويين وزحفوا إليهم بجيش كبير؛ حيث أجبروا السلطان حسين على الاستسلام وسقطت بذلك الدولة الصفوية الرافضية.

2 - وفي عام 1729م بدأ زعيم القاجار الشيعي نادر شاه حربًا ضد الأفغان السُّنة لإخراجهم من إيران، ثم لاحقهم إلى أفغانستان؛ حيث احتل أغلب أراضيها ودخل قندهار عام 1736م وخربها بعد حصار دام عامًا كاملاً.

3 - وفي عام 1747م تمكَّن الأفغان السُّنة بقيادة أحمد خان من استعادة قندهار بعد طرد الإيرانيين، ثم حرر أفغانستان كلها بعد قتال استمر 25 عامًا.

4 - وفي عام 1837م تمكن شاه إيران بدعم الروس من احتلال هراة في أفغانستان؛ إلا أن دوست محمد الأفغاني استرجعها بعد عدة سنوات.

تُبرِز هذه المحطات التاريخية استمرارية الصراع بين السُّنة في أفغانستان، والشيعة في إيران، وأن سكان قندهار على وجه الخصوص كان لهم دور كبير في مواجهة الأطماع الإيرانية في بلادهم، كما كان لهم دور في تحرير أفغانستان كلها من نفوذهم، وقد أورثهم ذلك عداوة الشيعة في إيران.

ولا يختلف الحاضر كثيرًا عن التاريخ؛ فلا تزال المواجهة قائمة بين الولايات الجنوبية في أفغانستان وسكانها من البشتون السُّنة وبين الإيرانيين، الذين يتوارون حاليًا خلف الاحتلال الأمريكي.

ما يلفت الانتباه أن التدخل الأمريكي في أفغانستان جاء مناصرًا للجانب الإيراني بصورة سافرة؛ فعلى الرغم من تكرار مطالبة المسئولين الإيرانيين بالانسحاب الأمريكي من أفغانستان، إلا أن العداء الأمريكي يبدو واضحا للأعداء التقليديين لشيعة إيران؛ أي: البشتون السُّنة، سواء على الجانب الباكستاني أو الأفغاني، ويصدر مسئولون أمريكيون تهديدات دورية ضد مؤيدي طالبان على الجانب الباكستاني، داعين إلى « تطهير » الجيش وأجهزة المخابرات من العناصر ذات الميول الدينية، ويزعم المبعوث الأمريكي ريتشارد هولبروك أن السي آي إيه تمتلك أدلة مادية على ضلوع الاستخبارات الباكستانية في تقديم الدعم لطالبان البشتونية، و قائد القوات الأمريكية الأميرال مايكل مولن يؤكد هذه العلاقة ويقول:

« هناك بالطبع مؤشرات، وهذا واحد من الأمور التي يجب أن تتغير » [4].

هذا الضغط الأمريكي الهائل على الجيش الباكستاني لدفعه إلى التخلي عن خلفيته الدينية التي تأسست عليها دولة باكستان من الأساس، يقابله تفهُّم أمريكي كامل للعداء الإيراني للأفغان السُّنة؛ فقد صرح الجنرال ديفيد بتريوس قائد القيادة العسكرية الوسطى بأن الولايات المتحدة لها مصالح مشتركة مع إيران في أفغانستان، وذكر أن إيران التي يهيمن عليها الشيعة لا تريد عودة حكم طالبان السُّني، وقال: « إنهم لا يريدون أن يروا أفغانستان في قبضة قوات سُنية متطرفة » [5].

الاستراتيجية الإيرانية في أفغانستان:

الأهداف:

لا تقدم الطائفية تفسيرًا كليًا لمفردات الأداء السياسي الإيراني، رغم كونها منطلقًا أساسيًا له، وهذا أمر طبيعي؛ إذ توجد منطلقات أخرى تشكِّل في مجموعها الإطار العام للسياسة الإيرانية، هذه المنطلقات ترتبط بالأمن القومي والمصالح الاقتصادية والسياسية المختلفة، وعلى ضوء ذلك يمكن استعراض أبرز الأهداف الإيرانية في أفغانستان في الآتي:

1 - تأمين المصالح الإيرانية في أفغانستان بوصفها دولة، وبكونها ساحة للصراع على النفوذ في منطقة آسيا الوسطى.

إن المصلحة الأبرز لطهران، هي الحيلولة دون قيام نظام مركزي سُني قوي في أفغانستان يمكن أن يشكل تهديدًا مستقبليًا لإيران، وتمثل طالبان الهاجس الأكبر للمخطط الإيراني؛ كونها تحمل منطلقات عقدية ذات صبغة سلفية، كما أن لها قبولاً واسعًا في أوساط البشتون، فضلاً عن نجاحها من قبل في تأسيس حكومة قوية استمرت خمس سنوات.

كانت هذه الفترة كافية لمعرفة ما يمكن أن يحدث في حال استرجعت طالبان الحكم في أفغانستان، ويكفي أن الصراع بين الحركة والأقلية الشيعية أسفر عن مقتل أكثر من خمسة عشر ألفًا أغلبهم من طالبان، وذلك في المؤامرة التي نفذها الشيعة عام 1996م بمشاركة الأوزبك في مزار الشريف ونتج عنها مقتل عدد كبير من قيادات طالبان ووزرائهم وعلمائهم، وهو ما دفع الحركة إلى العودة لاحقًا إلى المدينة وإقامة الحدود الشرعية على المتورطين، ثم تتبعوا المتآمرين إلى باميان موطن الشيعة الهزارة ووادي كيان موطن الإسماعيلية عام 1998م.

وقد سارعت قيادة الحرس الثوري الإيراني إلى حشد ما يقرب من مائتي ألف جندي على الحدود مع أفغانستان بعد سقوط مزار الشريف وتوتُّر الأجواء إثر إعدام طالبان لعدد من الدبلوماسيين الإيرانيين المدانين بالتجسس.

ويعبِّر مستوى الدعم الإيراني للغزو الأمريكي لأفغانستان عن أن إسقاط طالبان كان يمثل أولوية قصوى للنظام الإيراني، وقد افتخر الرجل القوي في النظام الإيراني هاشمي رفسنجاني بقتالهم سوية مع الأمريكان ضد طالبان، فقال في خطبة ألقاها بطهران: « إن القوات الإيرانية قاتلت طالبان، وساهمت في دحرها، وأنه لو لم تُساعد قواتنا في قتال طالبان لَغَرق الأمريكيون في المستنقع الأفغاني.

يجب على أمريكا أن تعلم أنه لولا الجيش الإيراني الشعبي ما استطاعت أمريكا أنْ تُسْقط طالبان »[6].

يضاف إلى قائمة المصالح أن أفغانستان تمثل حجر الزاوية في حال قررت إيران « الاستدارة شرقًا » مبتعدة عن النظام الإقليمي للمنطقة العربية، متجهة نحو منطقة « شمال غرب آسيا » بتعبير د. عبد الله النفيسي؛ حيث ينادي عدد من المفكرين الاستراتيجيين الإيرانيين بالبدء في هذا التحول؛ لأن إيران أكثر قبولاً في هذه المنطقة، كما أن لها مصالح متنامية في دول هذا الإقليم الواعد التي تتشارك إيران الحدود مع بعضها [7].

وتحظى المصالح الاقتصادية مع أفغانستان برعاية خاصة بسبب الاعتماد الأفغاني بدرجة كبيرة على المنتجات الإيرانية لأسباب عديدة، منها: التقارب الثقافي والجغرافي، وقد نمت التجارة الإيرانية الأفغانية من 10 ملايين دولار عام 2001 إلى نصف مليار دولار في عام 2006م، ثم تضاعفت إلى مليار دولار في عام 2008م [8].

وتحتل مكافحة تهريب المخدرات أولوية في قائمة المصالح الإيرانية في أفغانستان؛ حيث يُهرب ثلث الإنتاج الأفغاني المقدر بـ « 2500 طن » عبر الأراضي الإيرانية، وبحسب المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة لمراقبة المخدرات ومنع الجريمة المنظمة أنطونيو كوستا؛ فإن إيران تتصدر قائمة الدول التي تعاني من الارتفاع الحاد في تعاطي المخدرات بشكل عام، في الوقت الذي ما زالت فيه أفغانستان تتصدر قائمة أكبر الدول المنتجة لمخدرات الأفيون في العالم؛ حيث ما زال إنتاجها يتجاوز رقم 8200 طن في العام. [9]

2 - الحيلولة دون تفكُّك أفغانستان إلى دول صغيرة، أو: منع إعادة رسم خريطة المنطقة؛ لتظهر دول جديدة، مثل: دولة البشتون، أو دولة البلوش، وهو ما يهدد التركيبة المعقدة للدولة الإيرانية.

هل تريد إيران تفكيك أفغانستان وإنهاءها كدولة موحدة؟

 تتشابه أفغانستان مع العراق في المنظور الإيراني في أمور: (الجوار، التمزق الطائفي والعرقي، الخضوع للاحتلال الأمريكي، إمكانية التفكيك والتقسيم بحسب تلقي الدعم من الخارج).

إن الوضع النموذجي لإيران، هو حالة التفكك الداخلي مع بقاء الإطار الخارجي الهش للدولة، وهي وضعية بين التفكيك والتقسيم تتيح لإيران النفوذ إلى مراكز القوى والأطراف المتصارعة في أفغانستان، مع صلاحية مطلقة للدخول والخروج.

مخططات إعادة رسم خريطة المنطقة ليست سرًّا؛ حيث يجري تسريب خرائط وتصورات جديدة كل فترة، وآخرها ما نشر في مجلة القوة العسكرية الأمريكية في يوليو 2006م ولقي انتشارًا واسعًا في الإعلام العربي، وهي خريطة جديدة للشرق الأوسط تظهر فيها دول جديدة، مثل: بلوشستان الحرة، والتي تقتطع أراضي من باكستان وجنوب أفغانستان وجنوب إيران، ودولة: كوردستان الحرة، التي تضم مناطق الأكراد في إيران و تركيا و سوريا والعراق.

وتقوم فكرة إعادة رسم الخرائط على أساس أن الحدود بين الدول غير مكتملة وأن تجربة الكيان السياسي الذي يضم « تشكيلة » من الأعراق والطوائف المتوافقة دينيًا أو قوميًا في إطار « لمِّ الشمل » غير ناجحة، ويجب تصحيحها وَفْقَ مبدأ القومية الخالصة أو الطائفة النقية في الدولة الواحدة.

وَفْق هذه الرؤية؛ فإن إيران هي الخاسر الأكبر؛ لأنه سيُقتطع منها أجزاء تذهب للبلوش والأكراد والعرب الشيعة والأذريين، بينما سيُسمح لها بالحصول على قطعة من أفغانستان؛ حيث يعيش الهزارة، لذلك تُفضل إيران في المرحلة الحالية سياسة تمدُّد النفوذ عبر مختلف الوسائل بخلاف التقسيم أو الاحتلال حذرًا من تداعيات غير محسوبة.

وتحرص واشنطن على رعاية واستضافة جهود الحركات الانفصالية في هذه المنطقة، وبخاصة الذين يطالبون بتأسيس دول جديدة، وقبل أسابيع قليلة عقد انفصاليون من البلوش مؤتمرًا دوليًا في واشنطن للمطالبة بإنهاء ما أسموه: الاحتلال الباكستاني والإيراني للإقليم، وبإقامة دولة بلوشية تحت رعاية الأمم المتحدة لفترة انتقالية، وقد حضر المؤتمر خبراء سياسيون ومسئولون سابقون في الإدارة الأمريكية. [10]

3 - تحقيق مستوًى من التوازن بين جميع الأطراف في أفغانستان بحيث لا يتفوق طَرَف على آخر، وهذا يشمل بالأساس: قوات الاحتلال، الحكومة المركزية، طالبان والبشتون، التحالف الشمالي.

ما الذي يبقي أفغانستان على تلك الوضعية المثالية للسياسة الإيرانية: « وضعية البين بين »؟ لا بد أن تبقى كافة الأطراف والقوى الفاعلة داخل أفغانستان في حالة توازن؛ بحيث لا تمتلك إحداها سيطرة مطلقة على الساحة أو تكون لها القدرة النافذة على إزاحة القوى الأخرى؛ فعندما اشتعلت الحرب الأهلية في أفغانستان حرص الإيرانيون - ظاهريًا - على تبنِّي سياسة الحياد وعدم التدخل بين المتصارعين، لكن هذه السياسة تغيرت مائة وثمانين درجة بمجرد أن ظهرت حركة طالبان للوجود وتمكَّنت من إقامة دولة مستقرة - نسبيًا - على أغلب الأراضي الأفغانية.

ويمكن تتبع التناقض الإيراني من خلال هذه المواقف:

1 - كتب كمال خرازي وزير خارجية إيران الأسبق مقالة في الواشنطن بوست يوم كان الطالبان في بداية صعودهم الأفغاني، دعا خلالها الأمريكيين لاستغلال الفرصة والتعاون في الملف الأفغاني.

2 - رحبت إيران بالتعاون مع واشنطن في غزو أفغانستان على لسان وزير دفاعها وقتها علي شامخاني، وفتحت مجالها الجوي لفترة تزيد عن شهرين لطائرات B52 العملاقة التي انطلقت من قاعدة إنجرليك التركية وعبرت المجال الجوي الإيراني لقصف أفغانستان.

3 - صرح نائب وزير الخارجية الإيراني محمد مهدي أخوند زاده بـ « أن وجود القوات الأجنبية لا يمكن أن يحقق السلام والاستقرار في أفغانستان »، وذلك تزامنا مع عَقْد مؤتمر لاهاي مارس 2009م.

4 - قال المرشد الإيراني علي خامنئي خلال لقائه بالرئيسين الأفغاني والباكستاني: « إن التدخل العسكري الأجنبي هو أحد المشاكل الرئيسة للمنطقة »، وأضاف: « إن أعداء هذه الدول وشعوبها ليسوا هم الجماعات المتطرفة فقط، بل أيضًا القوى الأجنبية التي تحول تدخلها العسكري إلى مشكلة رئيسة تعيق الاستقرار والأمن في المنطقة ». [11]

5 - في جلسة عاجلة للبرلمان الإيراني طالب رئيسه بسرعة التحرك من أجل تدارك الانهيار الأمريكي في أفغانستان، ودعا لإنقاذ حكومة كرازاي، وطالب محمد خزاعي مندوب إيران الدائم في الأمم المتحدة في جلسة خاصة لمجلس الأمن بتحفيز الولايات المتحدة على التماسك في أفغانستان في مواجهة « الظلاميين والإرهابيين »  وانتقد دعوة الاتحاد الأوروبي إلى فتح مفاوضات مع طالبان، ودعا وزير الخارجية الإيراني صراحة في الأمم المتحدة في أكتوبر 2009م - وفي ما يشبه صرخة الاستغاثة - إلى وجوب دعم قوات الناتو في أفغانستان وعدم السماح بانتصار طالبان، وأعلنت حكومته لاحقًا (في أبريل 2009م) عن وَضْعها خطة أمنية جديدة لمساعدة الاحتلال على ضبط الوضع الأمني في أفغانستان.

وتأتي اللهفة الإيرانية على تقديم سُبُل الدعم للاحتلال الأمريكي على خلفية ما يتردد من تراجُع سقف التوقعات الأمريكية في أفغانستان، وتردُّد مخاوف تنفيذ عملية انسحاب تدريجية في المنظور القريب؛ فقد صرحت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون أن الهدفَ الأساسي من الوجودِ الأمريكي في أفغانستان، هو « القضاءُ » على القاعدةِ وليس البقاء في البلاد إلى ما لا نهاية أو بناءُ « ديمقراطيةٍ » حديثة فيها، متجنبة الإشارة إلى حركة طالبان.

ومما يعاظم من المخاوف الإيرانية من اختلال التوازن العسكري في أفغانستان هو تباين الخيارات المطروحة للحل من قِبَل القادة والمفكرين الغربيين؛ فهناك من ينادي باللجوء إلى إيران وفتح مجال التعاون غير المحدود معها في هذه الأزمة، وهناك من ينادي بالتفاوض مع طالبان كحل وحيد.

على سبيل المثال قالت هيلاري كلينتون: إن إدارة أوباما « متلهفة » للاستماع إلى مقترحات إيران حول الأزمة الأفغانية، وفي المقابل اعترف القائد العسكري البريطاني في أفغانستان، العميد مارك سميث كارلتون، لصحيفة صنداي تايمز، بأن الحرب ضد حركة طالبان لا يمكن كسبها، ونصح الجمهور البريطاني بأن لا يتوقع انتصارًا عسكريًا حاسمًا، ودعاه ليتهيأ لصفقة محتملة مع حركة طالبان. [12]

هذا الموقف الواضح من القوات الأمريكية لا يمنع المخطط الإيراني من تقديم أنوع مقننة ومبرمجة من الدعم للقوى التي تقاتل الاحتلال الأمريكي في أفغانستان، فقد ذكر فيكرام سينغ كبير مستشاري هولبروك العسكريين: « أن الإيرانيين زودوا بعض الجماعات في أفغانستان ببعض الأسلحة في الماضي »، وقال: « إن هناك أسبابًا تدعو للاعتقاد بأن إيران تقدِّم أسلحة ومواد أخرى للمتمردين في أفغانستان ومنهم طالبان ». [13]

وكان السفير البريطاني في أفغانستان شيرارد كوبر كولز قد وجَّه الاتهام نفسه لايران؛ حيث قال: « لقد رأينا الكثير من المجموعات الإيرانية تقوم بتوريد الأسلحة لطالبان، لكن ليس بالضرورة أن يكون بعلم السلطات الإيرانية، لكن امتلاك طالبان في جنوب أفغانستان مثل هذه الأسلحة أمر خطير ». [14]

ونكمل في العدد القادم بمشيئة الله الإجابة على الشق الثاني من السؤال المطروح في بداية المقال: كيف تحقِّق إيران أهدافها في أفغانستان؟

:: البيان تنشر - مـلـف خـاص- (الـخـطـر الإيـرانـي يـتـمـدد)


(1) من مقال في مجلة التايم بعنوان: إيران ترفع الحرارة في أفغانستان، بريان بينيت، 22/2/ 2008م.

(2) الدومينو: هي مجموعة من القطع على شكل مستطيل عددها 28 قطعة (موسوعة ويكيبديا).

(3) انظر مقال: حين يتقمص الضحية شخصية القاتل، ثائر دوري، مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية، 4/4/2009م.

(4) نيويورك تايمز 25/3/2009م، سي إن إن 28/3/2009م.

(5) مفكرة الإسلام 9/1/2009م.

(6) الشرق الأوسط 9/2/2009م.

(7) انظر مقال: الحسبة الاستراتيجية في العراق د عبد الله النفيسي، الموقع الشخصي 16/12 /2006م.

(8) إسلام أون لاين 12/2009م.

(9) مقال: المخدرات والإرهاب: ورقة إيران الجديدة، إبراهيم حمودة، موقع الإذاعة الهولندية،

26/5/2009م.

(10) العربية نت: 25/11/2009م.

(11) موقع الإذاعة الهولندية 26/5/2009م.

(12) مجلة العصر 7/10/2008م.

(13) الجزيرة نت: 13/8/2009م.

(14) موقع تليفزيون الآن 24/9/2008م.

 


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة