بين سلفية الواقع وسلفية النص قراءة في تحولات القاضي عبدالجواد ياسين

Share
Share
بين سلفية الواقع وسلفية النص قراءة في تحولات القاضي عبدالجواد ياسين
بين سلفية الواقع وسلفية النص



هو لا يحب أن يتذكر تلك المرحلة التي انقلب عليها فيما بعد واعتبرها «المرحلة السلفية». كان فيها مفهوم الشريعة لديه هو المفهوم السائد لدى كثيرين من أبناء جيله الذين يبحثون عن الأخلاق والحرية.

في كلتا المرحلتين السلفية وتحولاتها كانت «الأخلاق» و«الحرية» هما المفردتان الأساسيتان اللتان تحكمان عمله.. يوضح: «كنت دائماً أشعر أن الإنسان هو الحرية والعقل والأخلاق، هذا هو الخط الأصلي الذي كان ثابتاً عندي وهو الذي أدى بي إلى رحلة تفكير أخرى قادتني إلى هذا التحول أو التطور»[1].

في عام 1976م بدأت رحلته داخل السلفية المعاصرة، لم تكن سلفية بالمطلق، كما يقول، كان يدرس وقتها في كلية الحقوق، هذه المرحلة بلغت ذروتها عام 1981م عندما تم اعتقاله في سبتمبر من نفس العام إثر الاعتقالات التي قام بها الرئيس الراحل السادات، وفي السجن بدأت مرحلة جديدة من التفكير، (كان السجن مناسبة للتأمل وإعادة النظر ومزيد من القراءة والتمحيص، ولكنها لم تكن قطيعة كاملة مع الماضي، في منتصف ثمانينيات القرن الماضي بدأت رحلة «الهبوط التدريجي» و«الاستقرار على أرضية التأمل[2]»).

ولعبد الجواد ياسين تاريخ كبير داخل الحالة الإسلامية ربما لا يعرفه الكثيرون، حيث ظهر كتابه الأول في بداية الثمانينيات بعنوان “مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة” عن دار نشر كانت مقربة من الإخوان المسلمين في ذلك الوقت[3]، تناول فيه مفهوم الواقع الإسلامي باعتباره واقعاً جاهلياً غابت عنه الشريعة الإسلامية، ليحدث حينها جدل كبير، حيث تلقته الفصائل الإسلامية بالقبول والليبرالية بتساؤل: هل ظهر سيد قطب من جديد؟! ليغيب بعدها المؤلف حقبة من الزمن ليخرج علينا بمجموعة من المؤلفات والكتب كان آخرها كتابه «الدين والتدين.. التشريع والنص والاجتماع».

كتاب “الدين والتدين.. التشريع والنص والاجتماع“ جاء عن دار التنوير اللبنانية، والمعروفة بنشر الكتب التي تتناول الفكر السياسي الإسلامي بالنقد.

لذلك كانت رحلتنا للبحث عن عبد الجواد ياسين وحقيقة تحولاته الفكرية وتاريخ هذه الأفكار مهمة، فلكل إنسان فكره، ولكن عندما يصل الأمر لتطور مثل الذي وصل إليه القاضي والمفكر عبد الجواد ياسين، يجب أن نبحث عن سبب هذه التحولات.

إذن من هو عبد الجواد ياسين؟ وما قصة تحوّلاته الفكرية الكبرى عبر السنوات الماضية؟ ذلك السؤال الذي يدخل في قلب علم اجتماع المعرفة وجدل العلاقة بين الكاتب والواقع.

عبد الجواد ياسين.. النشأة

نشأ عبد الجواد ياسين في أسرة عريقة في مركز الزرقا بمحافظة “دمياط”، فقد كانت أسرته من عائلة أرستقراطية؛ فأخواله ينتسبون إلى عائلة رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم عبد الهادي باشا الذي قُتل في الأربعينيات من القرن الماضي على يد عناصر من جماعة الإخوان المسلمين، ومن المعروف أن الكثيرين من مركز الزرقا مشهورون بانتمائهم إلى سلك القضاء والشرطة، فوالد عبد الجواد ياسين كان من كبار المحامين.

ومن أشهر الشخصيات التي خرجت من هذا المركز الدكتور رفعت المحجوب وعبد الهادي قنديل.. ولأن أسرته كان يعمل أغلبهم في سلك القضاء فقد أشار عليه والده عند تخرجه في الثانوية العامة إلى أن يلتحق بكلية الحقوق ليكون وكيلاً للنيابة ثم قاضياً ثم مستشاراً، وبالفعل التحق الشاب بكلية الحقوق وتفوّق وعُيّن وكيلاً للنيابة في شربين بمحافظة الدقهلية.

نقطة التحول

ترجع نقطة التحول الرئيسية في شخصيته إلى عندما كان وكيلاً للنيابة في مركز المنزلة بدقهلية، حيث جاءه بلاغ من شخص يقول له: إن ابنه تم القبض عليه في بلاغ كيدي وتم اصطحابه لقسم الشرطة والاعتداء عليه وتعذيبه.

وعلى الفور توجه إلى (قسم المطرية) وقام بالتفتيش داخل الحجز حتى يجد الشخص المطلوب، غير أنه لم يجده فقد أخفاه الضابط المعاون بالقسم خارج الحجز.

وسرعان ما لمح وكيل النيابة عبد الجواد ياسين شخصاً ينام بجوار سلم مهمل في القسم، وحين طلب منه أن يذكر اسمه اكتشف أنه الشخص المطلوب.

فاصطحبه على الفور إلى مبنى النيابة، وانتدب مفتش الصحة المختص وطلب منه إجراء الكشف الطبي عليه لإثبات الإصابات الظاهرة نتيجة التعذيب، وبعد التحقيق أمر بضبط وإحضار ضابط المباحث المسؤول عن التعذيب وكذلك مأمور القسم.

ورفع أمر الضبط والإحضار إلى مديرية أمن الدقهلية لتنفيذه، والمفاجأة أنه كان يرأسها مدير الأمن بالمحافظة اللواء زكي بدر - وزير الداخلية فيما بعد، فانزعج بدر من بلاغ النائب ورفع الأمر إلى وزير الداخلية الذي بدوره رفع الأمر إلى وزير العدل، وحاولوا إثناء عبد الجواد ياسين عن طلب التحقيق مع السادة الضباط في جريمة التعذيب وإهانة المواطن المصري، إلا أنه رفض تماماً وأخذوا يعطلون الموضوع، وتم تسليم ملف التحقيق إلى وكيل نيابة آخر، وبعدها بأيام قليلة صدر الأمر بنقله إلى مركز أبو قرقاص بمحافظة المنيا[4].

من المنيا إلى دمياط:

ذهب وكيل النائب العام الشاب إلى مركز أبو قرقاص بالمنيا ولم تختلف مواقفه عما سبق، وظهر عليه السمت الديني، وبدأت أجهزة الأمن ترصده، فقد كان يحافظ على الصلاة، وكان يقوم بتدخل للصلح بين المسلمين والأقباط، وكان يتعامل مع قضايا الخمور والفتنة الطائفية بنوع من الحوار والحزم معاً، فلم يسترح قادة سلك النيابة العامة لتوجهات عبد الجواد ياسين، فنُقل بعد ذلك مرة أخرى لمحافظة دمياط وكيلاً للنيابة العامة هناك، وكان ذلك قبل عام 1981م.

الحكم بالشريعة وقبول استقالته

انتشر في ذلك الوقت في محافظة دمياط بعض الأفكار الإسلامية المتشددة، وهنا تعرّف المستشار عبد الجواد على بعضها، وبدأ البعض يناقشه في حكم العمل بالنيابة وما فيها من تحاكم إلى القوانين الوضعية التي تخالف الشريعة الإسلامية.

وكان النائب الشاب يردد دائماً أنه يدافع عن المظلوم ويستغل تواجده لتطبيق شرع الله، ففي بعض القوانين الوضعية ما هو نصرة للمظلوم، إلا أن الفكرة بدأ يتأثر بها، وبالفعل ابتعد عن النيابة وكتب استقالة مسبّبة شرح فيها أنه يقدم هذه الاستقالة لأن هذا العمل يخالف الشريعة، وكتب على رأس الاستقالة قول المولى عز وجل: {إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159].

ورفع هذه الاستقالة إلى النائب العام، وقد تعطلت الاستقالة بعضاً من الوقت، حيث إنه في هذه الفترة كان قبول الاستقالات من هذه المناصب يكاد يكون مستحيلاً.

وفي غضون ذلك حدثت حادثة عجيبة حيث كان وكيل النيابة في هذه الفترة يعمل في نيابة دمياط، وكان قد صدر قرار من أنور السادات بحظر نقل “المواشي” من محافظة لأخرى ومصادرة ما يتم ضبطه منها لصالح الدولة.

وفي أثناء ذلك تم ضبط سيارة قادمة من إحدى المحافظات ليلاً فيها «مواشي»، وتم ضبط التاجر مالك المواشي للتحقيق معه، وبسؤاله: قال إنه يعمل بالتجارة وإن هذا عمل حلال.

فأمر وكيل النيابة بإخلاء سبيله وحفظ المحضر وكتب عليه قول المولى عز وجل: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275].. وأحدثت هذه الواقعة مشكلة كبيرة مع المستشار الذي خالف تطبيق القانون.

ونُقلت المسألة في حينها إلى الجهات السيادية، وتم تصويره على أنه متشدد دينياً، وبالفعل قُبلت استقالته وخرج من النيابة العامة.

جفوة ودموع وبيان

بدَّد عبد الجواد ياسين حلم والده بأن يصبح وكيلاً للنيابة ثم قاضياً، وحدثت جفوة بينه وبين والده كان يخفي معالمها الشاب النائب ولا يريد الصدام، فقد كان يحبه حباً شديداً، وكان يريد أن يطيعه، لكن ليس على حساب دينه كما كان يتصور، لكنه وجد المخرج في أن يكتب له قصيدة شعرية رقيقة تركها له على المكتب الخاص به في المنزل، شرح له فيها ما يجيش في نفسه وما تعتليه من خواطر، وكان مطلعها:

أبتاه ما لي أراك تراني

                        كالناقمين يرون وجه الجاني

كالمرهفين يرون نصلاً صارماً

                        أو يشهدون الدم أحمر قاني

أراك تحكي للرفاق تلومني

                        تشكو إليهم شدة الأحزان

 أراك تحسب أن ابنك قد هوى

                        وأراك تزرف حسرة وتعاني

فلم يملك الأب بعد أن قرأ القصيدة إلا أن ذرف الدمع وقال: «إن من البيان لسحراً».

لقد حكى عبد الجواد في القصيدة قصة التزامه الديني وكيف أنه تخلى عن قرار عمله في النيابة العامة لأنه كان يخالف ما يعتقده وما يتصوره صحيحاً، فيقول:

والأرض ضجت بالفواحش مثلما

                        ضج السجين بقبضة السجان

يا حسرة ماذا أرى إلا الهوى

                        والفحش والغدر الذي أعياني

وانتهى بقوله:

بل إن منهم من يقول مجاهراً

                        أمر السياسة ليس في الأديان

أنا لم أر في الغابرين ذنوبهم

                        تلك التي ألقى بكل مكان

بل إن عاداً قد تضاءل جرمها

                        كالفرق بين اللمم والكفران

أنا ما ظلمت القوم حين وصفتهم

                        بل قد عجزت وخانني تبياني

التعرف على أشرف السعد

خرج وكيل النائب العام المستقيل عبد الجواد ياسين من عمله القديم ليبحث عن عمل جديد، حيث عمل في بنك التنمية بمحافظة الدقهلية في المنصورة كمستشار قانوني، وهناك بعد فترة تعرَّف على رجل الأعمال الشهير أشرف السعد الذي أعجب به وانتقل للعمل معه كمستشار ومدير في شركات السعد للاستثمار، ثم بعد ذلك قرَّر الانتقال للعمل في التجارة وتعرف خلالها على إبراهيم فشور، صاحب محلات الحلويات الشهيرة بمحافظة دمياط، الذي كان يشرف على مسجد صغير يسمى زاوية الخليل، حيث ألقى عبد الجواد ياسين بعض المحاضرات التي تضمنت الكثير من النقد السياسي.

أحداث سبتمبر 1981م

عرفت السلطة السياسية ميول عبد الجواد ياسين الدينية في ذلك الوقت، وحين حدث الصدام بين الإسلاميين والسادات شمله قرار التحفظ ضمن الآلاف الذين اعتقلهم السادات في سبتمبر عام 1981، ليتم القبض عليه في 2/9 ويتم ترحيله من مديرية أمن دمياط لسجن الاستقبال في طرة.

ولم تمر أيام قليلة حتى تم اغتيال الرئيس السادات في أحداث المنصة الشهيرة، وصدر قرار بإخلاء سجن استقبال طرة من المتحفظ عليهم، ليحضر مكانهم قيادات وعناصر تنظيم الجهاد المقبوض عليهم في الأحداث.

وتم ترحيله هو وآخرون كان عددهم ما يقرب من 1200 شخص من المتحفظ عليهم إلى منطقة سجون أبو زعبل، وقد أصيب بدهشة لما رأى سيارات الترحيلات تصطحب هذا العدد الكبير من المعتقلين وتسير في قلب شوارع القاهرة متجهة إلى منطقة سجون أبو زعبل بينما الناس يسيرون بشكل اعتيادي لا يبالون بهم وهم ينادون بحرية الوطن ودفع الظلم والمطالبة بتحكيم شرع الله.. وكتب قصيدة كبيرة تعبّر عن أحزانه كان مطلعها:

الأرض كفر والسماء بلا قمر

                        والعشب يبكي والسنابل والشجر

سألت قلبي مال حبات الندى

                        مثل الدموع أسيفة مثل الزهر

 واليوم فاحت والعناكب حاصرت

                        كل البيوت فلم تغادر أو تذر

  ولقد أضحت فما سمعت بلابلاً

                        ولقد نظرت فما رأيت سوى الحفر

إلى أن وصل لـ:

فرعون يذبح كل طفل ناشئ

                        ويسوق سوق الشاة قطعان البشر

يا هذه الأشلاء ها أنا ذا لها

                        ولكل طاغية تكبر أو فجر

أقسمت لا تبقى بقلبي نبضة

                        إلا علوت المتن واجتحت الجدر

ونطقت حقاً واستبقت لعزة

                        وعدوت لا خوفاً أهاب ولا حذر

  نفسي فداء المسلمين ومهجتي

                        والساعدان وما ملكت من النظر

وكانت قصيدة تعبّر عن حالة نفسية وشعورية شعر بها الرجل في محنة، ربما ظن أن الجميع تنكّر له في محنة غاب عنها طعم العدل وفاحت منها رائحة الظلم، وربما شعر أن المسؤول عنها هو المجتمع الذي لم يقل للظلم لا.

ومكث الرجل بسجن أبو زعبل في غرفة 12 عنبر 1 السياسي بالدور الثالث، وكان بها الشيخ حافظ سلامة - زعيم المقاومة الشعبية بالسويس - وعبد المنعم أبو الفتوح.. وعُرف عن المستشار عبد الجواد في ذلك الوقت تعامله الحازم والشديد مع رجال الأمن.

وأفرج عنه بعدها بنحو عام، أي في 1 سبتمبر 1982م، وكتب دراسة حاول نشرها في ذلك الوقت لكنه لم يستطع حتى وجد الفرصة.

مقدمة في فقه الجاهلية المصرية

عرض عبد الجواد الأمر على أحد أصدقائه، وهو الشيخ نجيب عبد الفتاح إسماعيل[5]، فقد كان من محافظة دمياط وأحد أنشط الشباب في الدعوة الإسلامية في ذلك الوقت.

وشكا له أنه لا يستطيع نشر كتاب “مقدمة في فقه الجاهلية” بعد أن عرضه على دار الوفاء بالمنصورة التابعة للإخوان المسلمين، فقد كان الكتاب بالطبع يخالف فكر ومنهج الإخوان المسلمين، فعرض الشيخ نجيب بدوره الأمر على الصحفية صافيناز كاظم، والتي كانت أيامها تعمل مستشاراً ثقافياً لدار الزهراء للإعلام العربي التي يملكها القيادي الإسلامي المستقل أحمد رائف، والذي كانت له ميول إخوانية سابقة.

وافق أحمد رائف على نشر كتابه وقال نريد أن نخفف من حدة الكتاب، فطلب منه أن يغيّر اسم الكتاب الذي كان في بداية الأمر “مقدمة في فقه الجاهلية المصرية” إلى “مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة”.. ونُشر الكتاب بهذا الاسم، وأحدث دوياً كبيراً، وتلقته التيارات الإسلامية بالترحاب؛ فقد كان قريب الشبه بكتاب “معالم في الطريق” لسيد قطب، وكتاب “جاهلية القرن العشرين” لمحمد قطب، فقد كان يحمل نفس المنهج والأفكار تقريباً.

فهمي هويدي ومفهوم الجاهلية

تلقى المفكر الإسلامي فهمي هويدي الكتاب وكتب عنه ثلاثة مقالات في جريدة الأهرام نُشرت بعد ذلك في كتاب “التدين المنقوص”، انتقده فيها بشدة، حيث اعتبر هذا الكتاب اتهاماً للمجتمعات المسلمة بأنها ما زالت جاهلية كما كانت قبل العصر الإسلامي الأول، وكتب ساخراً: لقد ضبطنا قاض شاب متلبسين بممارسة الجاهلية في طول البلاد وعرضها، دون أن ندري، فعقد محاكمة على وجه الاستعجال وأثبت أمامها حالة التلبس، ثم أصدر ضدنا حكماً بالإعدام العقدي والمعنوي، وفي إعلان حكمه نعى إلى الأمة إيمان شعب مصر وعودتها لجاهلية ما قبل الإسلام، بل قرر أنها أكبر؛ لأن الجاهلية الأولى كانت صريحة واضحة، لكن جاهليتنا أشد من جهل أبي جهل[6].

وناقش هويدي الكتاب بالتفصيل وأخذ يعدد ما قاله عبد الجواد في كتابه المقدمة، «منها أن الإسلام واجه مجتمعاً جاهلياً يوم جاء للناس في القرن السابع للميلاد، وها هو اليوم يواجه مغرب القرن العشرين مجتمعاً جاهلياً أيضاً.. السمات هي السمات، والصفات هي الصفات.

خلل العقيدة هناك هو خلل العقيدة هنا، وصور الشرك المتعددة هناك يقابلها صور للشرك جديدة هنا، وغياب الشريعة الربانية هناك يماثله غياب الشريعة الربانية هنا.

وأيضاً: إنه مجتمع يزعم الناس فيه أنهم مسلمون. وقد يقول قائل: أولست ترى المساجد تملأ رحابنا؟.. أولست تستمع إلى الأذان؟.. أتراك ما أبصرت أفواج الحجيج..؟ ولسنا ننكر على الجاهلية الحاضرة شيئاً من ذلك.. وإنما ننكر عليها قولها إن ذلك وما شابهه يثبت لها الإسلام.. ذلك الإسلام لا يقبل من مجتمع من المجتمعات أن ينسب إليه حتى تقبل فيه أركانه وشرائطه».

ويعلق الأستاذ فهمي هويدي أيضاً على كتاب ياسين بقوله: (ورغم أن قاضينا الشاب فيما رمانا به مقلد وليس مجتهداً، متبع وليس مبتدعاً، إلا أن الأمر يظل مستحقاً للمناقشة، لا يهم بعد ذلك أن توجَّه المناقشة إلى صاحب المقولة أو إلى من نقلها ورددها. ويعنينا في هذا المقام أمران بالدرجة الأولى: أولهما ذلك التأويل الجديد لعبارة “لا إله إلا الله“ الذي يرفض اعتمادها كشهادة لإسلام الفرد أو المجتمع، وثانيهما: وصف الجاهلية الذي أطلق على مجتمعنا بناء على ذلك التأويل المدخول على الفكر الإسلامي.

لقد كان عبد الجواد ياسين يرى في كتابه أن المسلم المعاصر يجب أن يكون انتماؤه لدينه فقط، ويقول إن الذين يتحدثون عن الوطنية يقصدون أن العمل لمصر مقدم على العمل للدين، وهذا نوع من الجاهلية الأولى، ثم يؤكد ياسين أن انتماء المسلمين في زماننا لا يكون بحق إلا باعتقاد خالٍ من الشوائب؛ لأن المسلم إذا أضاف أي انتماء آخر فسيكون متأثراً بظلمة الجاهلية الدامسة)[7].

السعد وضغوط الأمن

بسبب هذا الكتاب تم القبض على أشرف السعد وهو قادم من خارج مصر في إحدى سفرياته، واتهمه الأمن بأنه المموّل الحقيقي لكتاب “مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة”؛ لأن عبد الجواد كان يعمل في إحدى شركاته.

فقال السعد إنه لا يعرف أي تفاصيل عن هذا الكتاب، فطلب منه الأمن بشكل مباشر أن يفصله من عمله ويتركه، وهنا استسلم السعد لهذا الطلب وقام بتوجيه نصيحة إليه بأن يجلس في البيت ولا يعمل وسيصله راتبه، فاعترض عبد الجواد ياسين على ذلك وترك العمل.

ونشط الرجل بعد ذلك في التجارة، وأسس شركة تسمى «المصرية للاستيراد والتصدير»، وبعد فترة تعرضت الشركة لبعض المشاكل المالية فقرر السفر إلى الخارج.

وفي هذه الأثناء كان قد أصدر كتابه «تطور الفكر السياسي في مصر خلال القرن التاسع عشر»، بحث في بدايات التوجه الغربي وبداية تنحية الشريعة الإسلامية عن الحكم، وحمّل الغزو الفرنسي لمصر وحقبة محمد علي باشا وزر هذا الأمر، ولفت إلى أن مرحلة التحديث في مصر مرت بمراحل عديدة أثمرت عن تحويل مصر إلى دولة علمانية تعلوها راية الوطنية وتقهقر الإحساس بالدين والتدين بطريقة بالغة.. الكتاب صبَّ في نفس اتجاه «مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة» لكن بطريقة مختلفة ترجع إلى الجانب التاريخي وتأصله بشذرات فكرية وعقائدية واضحة تنصب في نفس التصور السابق بتنامي الجاهلية المعاصرة في ربوع مصر بشكل كبير[8].

إيران الفكر والمذهب

وبعد صدور كتاب «مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة» دُعي الرجل لزيارة المركز الإسلامي في لندن عن طريق أحمد رائف، وتعرّف على مديره آنذاك الدكتور كريم صدقي، وهو بريطاني الجنسية من أصل هندي، وحدثت مناقشات ومداخلات مع الجانب الإيراني، وعقب عودته نزل إلى مالطا وقابله أعضاء من الحرس الثوري الإيراني قاموا بدعوته إلى إيران، وقابل هناك رفسنجاني الذي ذهب به إلى بعض دور الأيتام والسجون، لكنه لم ينفعل مع ما تقدمه أفكار الثورة الإيرانية لاعتبارات كثيرة، منها: علو نبرة المذهبية عندهم، فضلاً عن أنه بدأ بالفعل خطواته الأولى لتحوّلاته الفكرية، فضلاً عن أن الجانب الإيراني لم يستطع إقناع ياسين بفكره وتصوراته، ولم يكن في حاجة إلى دعمهم؛ لأنه في انتمائه الإسلامي العام كان مستقلاً[9].

تحوّلات الفكر والسياسة من جديد

استقر عبد الجواد ياسين في إحدى الدول العربية ليظهر بعدها علينا وعلى الساحة الفكرية والثقافية ببعض الكتابات تنسف ما كان قبلها من أفكار وتظهر جملة من التحولات الفكرية صنفها في كتب على الترتيب: ”السلطة في الإسلام”، والذي تناول في الجزء الأول منه العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ.

أما جزؤه الثاني فقد تناول نقد النظرية السياسية وانطلق في هذا المشروع يجوب ويصول في التاريخ الإسلامي ليتناول مشكلة الحريات وما تبعها من قضايا فكرية رآها البعض قضايا شائكة ترصد علاقة الدين بالسياسة، ويقدم أطروحة الفصل بينهما في واقعنا المعاصر. ثم أصدر كتابه الأخير «الدين والتدين.. التشريع والنص والاجتماع» يفصّل فيه ما هو دين وبين ما هو تديّن موروث.

تحدث عن سلطة العقل الديني وعلاقتها بالحرية عبر استقراء التاريخ الإسلامي مستخدماً مناهج علمية حديثة تربط بين علم الاجتماع الإنساني وتطور العقل البشري، وهو مشروع قريب من مشروع مفكرين أمثال محمد أركون، ومحمد عابد الجابري، وبرهان غليون، وعبد الإله بلقزيز... وغيرهم، الذين يرون أن الإسلام دين روحي مثله مثل الديانة المسيحية، وأن الرسول لم يقم دولة في العصر الأول الإسلامي، وإن كان لا يتطابق معهم[10].

وظهر ذلك جلياً في الملمح الفكري الذي قدمه في الجزء الأول من السلطة والذي اقترب فيه من المنهج الغربي ونظرياته القيمية حتى طرح في كتابه الجديد مؤخراً “الدين والتدين.. السلطة والنص والاجتماع” مفهوم الفصل بين الدين وفعل التدين، وفصّل فيه بين الدين باعتباره قيمة خلقية كلية عليا وبين أفعال المتدينين على اعتبارها منهجاً بشرياً يخطئ ويصيب.

لقد ساق القاضي والمفكر عبد الجواد ياسين أمثلة متعددة على معالجة النص القرآني للواقع في حالات الزواج والجهاد وغيرها من الأمور.. لقد تحرر ياسين وهو يناقش في كتابه الأخير «الدين والتدين» من علاقة التشريع بالنص بكل ما تعنيه الكلمة من عبء أو قيود مذهبية أو فكرية أو أيديولوجية، وخالف المنهج السلفي التقليدي المنتشر الآن ونسف قواعده القديمة في استقراء الواقع المعاصر.

علم اجتماع الأفكار

ربما رجع ياسين إلى ما قبل مقدمة الجاهلية، وربما كان هو في جوهره كما كان، وكانت المقدمة لحظة طارئة تأثر بها عبد الجواد فدفعه ظلم المجتمع وقهره السياسي فعبّر عنه في المقدمة، لكنه سرعان ما خرج من هذه الحالة مسرعاً وتخلص منها في المرحلة الأخيرة.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: ماذا لو عاقب النظام عبد الجواد ياسين على كتابه “مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة” وصدر حكم بالإعدام عليه بسبب فكره، كما أعدم النظام الناصري سيد قطب على كتابه “معالم في الطريق”! هل كان سيخرج لنا بعد ذلك وتظهر اجتهاداته الجديدة؟

والإجابة بالطبع لا، فقد كان التيار الإسلامي بجاهزيته الفكرية وبنيته الثقافية على استعداد لأن يتلقى كتابه “مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة” على أنه كتاب المعالم الجديد، وحينها سيصبح عبد الجواد ياسين الشهيد المستشار عبد الجواد ياسين صاحب كتاب “مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة”.

إن الحراك الفكري والعصف الذهني والمعاناة والغربة تؤثر في الشخص أيما تأثير، لذلك كانت قراءتنا للتطور الفكري والسياسي للمفكر والقاضي عبد الجواد ياسين ليست حكماً على الفكر السابق، سواء في المقدمة أو في غيرها، أو نقداً لفكره الجديد، بل نطرح فكر الرجل وتحولاته للنقاش العام.

لقد قَدَّمتُ ما دفع المستشار القاضي عبد الجواد ياسين لكتابةمقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة، ولم أقف حتى هذه اللحظة على لماذا كتبالسلطة في الإسلاموالدين والتدين، وما الذي دفعه للتحول من عقلية سلفية تعلي من قيمة النص لعقلية قريبة تعمل على الإعلاء من قيمة العقل وتقترب من العلمانية المعاصرة؟

 

:: مجلة البيان العدد 314 شوال 1434هـ، أغسطس - سبتمبر 2013م.


 [1] المفكر د. عبد الجواد يس لـشرفات: المشكلة الكبرى التي ورثناها من السلفية هي في غياب الحرية والعقل.

http://main.omandaily.om/node/100750.

[2] نفس المصدر.

[3] دار الزهراء للإعلام العربي لصاحبها أحمد رائف.

[4] بحث للمؤلف غير منشور «رواية نجيب عبد الفتاح إسماعيل عن تنظيم عام 1965م لسيد قطب».

[5] هو نجل الشيخ عبد الفتاح إسماعيل الذي حكم عليه بالإعدام في قضية سيد قطب عام 1965م.

[6] جُمعت في كتاب “التدين المنقوص” لفهمي هويدي، فصل فكر مرفوض ص 225 إلى فصل هذا التطرف الدنيوي ص250، دار الشروق، ط 1، عام 1994م.

[7] المرجع السابق.

[8] انظر كتاب تطور الفكر السياسي في مصر خلال القرن التاسع عشر.. بحث في بدايات التوجه الغربي، دار المختار الإسلامي، القاهرة، بدون تاريخ.

[9] مقابلة مع الشيخ نجيب نجل الشيخ عبد الفتاح إسماعيل الذي حكم عليه بالإعدام في قضية الشيخ سيد قطب عام 1965م.

[10] المستشار عبد الجواد ياسين.. التناقضات والتقلبات الفكرية، 1ـ 2:

http://main.omandaily.om/node/112368.

http://main.omandaily.om/node/114446.

 


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة