فتاتي..

Share
Share
فتاتي..
فتاتي..


 

لست أذكر تحديداً تلك الليلة التي وقفتُ فيها أتأمل هيئتي وهندامي.. أطالع بإعجاب ذلك الجسد الفتي، وتلك الثياب الراقية.. أستعرض نفسي أمام المرآة من جهات شتى.. بدا لي أن أتخيل ذلك الرجل الذي أراه في المرآة شخصاً آخر غيري، فأبدي بحيادية رأيي في وجاهته.. حقاً لقد نال إعجابي، ومنحته ابتسامة عريضة، لكن فجأة...

برزت شاخصة أمامي، نعم هي، كنت أعلم أنها ستأتي، لكني لم أتوقع أن تباغتني على هذا النحو.

وقفتُ أطالعها في هلع، أتساءل في نفسي قبل أن أحدثها: ما الذي جاء بها إلى هنا؟ لماذا تأتيني في هذا الوقت بالذات؟

خرجتُ من صمتي، سألتها: لماذا أتيتِ؟ لماذا؟

لم ينبعث منها صوت تسمعه أذناي، لكني سمعتها في ردهات عقلي، نعم، تسللت منها كلمات وجدت معانيها في قلبي، ولا تسألوني كيف، لكنه قد حدث.

"هل أزعجتك؟"، نطقت بها، أو هكذا استقبلتها في نفسي، فأجبتها في عصبية وتوتر: قطعاً أزعجتني.

هي: لماذا؟

صمت وطال صمتي وأنا أرمقها بنظرات تجمع بين الوجل والحنق، وتتراقص مقاطع الكلمات على شفتي دون أن تسيل واحدة منها، فأرخيت قسمات وجهي وأغمضت عيني.

هي: أعرف السبب.

فتحت عيني بغتة وكأنما لُدغت، واريت نظراتي، وأطرقت برأسي خجلاً، ثم انتفضت وقد خطر لي التخلص منها، وعلى الفور جذبتها بعنف إلى خارج منزلي وأغلقت الباب ثم أسندت ظهري إليه وقد سرني أنها خرجت من حياتي.

مرَّ علي قرابة شهر هنئت فيه بحياتي الهادئة، إلى أن جاءت تلك الليلة التي قطعت علي وصال سعادتي.

أنا: رباه، أنت مرة أخرى؟ لماذا أتيتِ ثانية؟

أجابتني بسخرية: أنا قدرك، أتراك تفر من قدرك المحتوم؟

أنا: ماذا تريدين مني؟

هي في عصبية بالغة: بل أنت ماذا تريد مني؟

استعرت منها تلك العصبية قائلاً: أنت من أتى إليّ.

هي: أعرف أنك تبغضني أكثر من أي شيء، وأعتقد أنك تعرف السبب أكثر مني، لأنني أفسد عليك أوهامك التي غرقت في أعماقها.

قاطعتها: كفى.. لكنها استطردت: تريد أن تظل سابحاً في أحلام الصبا، تريد أن تتنصل من مسؤولياتك تجاه نفسك في غدك.

قلت في خفوت ووهن: كفى، دعيني وشأني، اتركيني لا أريد أن أفيق من سكرة عشقتها.

قالت في حنان غير مألوف: صدقني أنا أنفع لك من أوهامك، أنا الحقيقة، وما تحاول إقناع نفسك به هو الخيال.

نظرت إليها بهدوء، فبدت لي في هيئة مختلفة عن تلك المرة الأولى، لقد راقت لي، لا أدري كيف، تخيلتها معي كرفيقة لي على دربي، تذكرني إذا نسيت، وتوقظني إن رقدت في سبات الغفلة، ووجدت هذه الخواطر تشق طريقها إلى قلبي، وتلقى الرضا في أعماقي...

حقاً أريدها الآن، أصطحبها معي في كل مكان، تكون لي معلماً وناصحاً، لن أتوارى بها خجلاً.

نظرت إليها في حنان وامتنان، ومددت يدي إليها، ومسحت بأناملي على ظهرها، وهمست لها قائلاً: شكراً لك عزيزتي، شكراً لك فتاتي...

شكراً أيتها الشعرة البيضاء.

:: مجلة البيان العدد 315 ذو القعدة 1434هـ، سبتمبر – أكتوبر  2013م.


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة