موجهات شرعية للتحليل السياسي

Share
Share
موجهات شرعية للتحليل السياسي
موجهات شرعية للتحليل السياسي


 

إن ما تعيشه أمتنا اليوم في ظل الصراعات الدولية، وسط عالم الأقوياء المتصارعين؛ يفرض الاهتمام بتحليل المواقف والاتجاهات، واختيار المسار الأنسب منها، وترتيب البدائل الممكنة، والتحالفات المطلوبة، حسب تقييم الوضع المتغير سريعاً. وهذا الاهتمام السياسي المفترض يحتاج إلى نضج ووعي عال، وإلى تحليل سياسي عميق وقوي.

ومقتضى الحكمة وإعمال المصلحة: تقدير العواقب، والاستعداد لما هو آت، وتدبير الأمور قبل فوات الأوان، (إذ الحكيم هو الذي يبيّن أسباب الأمور ويمهّد لعواقبها، وإنما يُحمد العلماء بحسن التثبت في أوائل الأمور، واستشفافهم ما تجيء به العواقب، وبقدر تفاوتهم في ذلك تستبين فضائلهم، وأما معرفة الأمور عند تكشّفها، فذلك أمر يعتدل فيه الفاضل والمفضول، والعالمون والجاهلون)[1].

والمؤسف أن أمتنا يفوتها كثير من الخير ويلحقها كثير من الضرر بعدم عنايتها بدراسة حالتها والموقف الأمثل الذي عليها اتخاذه، ودراسة المتغيرات وما يلزم لمواجهتها من تحالفات أو مواقف، من خلال التحليلات السياسية الناضجة، المبنية على أسس علمية، وبيانات دقيقة.

وهذا التحليل السياسي إذا أردنا أن تتسق معطياته مع الشريعة الإسلامية، التي جاءت حاكمة وموجهة للإنسان في جميع شؤونه؛ فإننا لا بد أن نضبطه بموجهات ومعالم شرعية، لنضمن أنه يحقق النظرة الإسلامية بالتوازن في التحليل، فالذهنية المتقيدة بالتشريع الإسلامي والمتشوقة لتطبيقه على حياتها، تكون عادة متوجهة نحو الشمول والاستيعاب، فالإسلام يتضمن ترابطاً شديداً بين مجالات الحياة، ومناطق تدبير الإنسان وسيره في الكون، واحتياجاته الروحية والبدنية والفكرية، وبذلك يكون ما تطرحه هذه الذهنية منسجماً مع كل الجوانب انسجاماً عالياً، بحيث تُكَوِّن في النهاية لحمة واحدة تمثل التصور الإسلامي للكون والحياة، (فالعقيدة لها أثرها في إحسان العبادة، والعقيدة والعبادة لهما أثرهما في تكوين الأخلاق، والأخلاق لها أثرها في حراسة التشريع، والتشريع له أثره في حماية الدولة ورفعتها، والدولة لها دورها في الحفاظ على العقائد والعبادات والأخلاق والتشريعات؛ فكل هذه الأمور يؤثر بعضها في بعض، ولا يستغني بعضها عن بعض، فلا بد من العناية بها جميعاً إذا أردنا أن نقيم حياة متكاملة متوازنة كما أمر الله)[2].

وفي هذه الأسطر محاولة لاستخراج بعض الضوابط وعرضها.

أولاً: مدخل للتحليل السياسي:

1- التعريف بالسياسة:

السياسة في اللغة: مصدر ساس، ومعناه: القيام على الشيء، وتدبيره بما يصلحه، يقال: ساس الدابّة إذا راضها وتعهدها بما يصلحها، وساس الأمر: إذا بذل جهده في إصلاحه، وساس الرعيّة: إذا ولي حكمها وقام في شؤونها بما يصلحها[3].

وتستعمل في الاصطلاح بما يقارب المعنى اللغوي، فقد عرّفها المقريزي بأنها: القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأحوال[4]، وعرّفها اللكنوي: باستصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في العاجل والآجل[5].

والسياسة قد تكون للنفس، أو للمجتمع كله، أو لفئة من فئاته؛ لأنها تدبير يقصد به الاستصلاح والإرشاد إلى طريق الحق والعدل والاستقامة.

وأما العرف المعاصر فقد صارت السياسة علماً مستقلاً يتناول العلاقة بين الحاكم والمحكوم، والعلاقات بين الدول، والقوى ذات التأثير، على تفاوت بين الباحثين في تعريفها، لصعوبة تحديد الظواهر التي تشملها، ونظراً لتغيّر المؤثرات عليها، والزاوية المنظور للسياسة من خلالها.. لكن الموضوع الأبرز الذي تدور عليه علوم السياسة في العرف العصري، هو السلطة من حيث إلزامها للمجتمع، والتزامهم بها، ومدى صلاحيتها وشرعيتها، وتوزيعها والمنازعات حولها[6].

ولذا قيل في تعريفها: دراسة عملية التوزيع السلطوي للقيم المختلفة من أجل المجتمع[7].

وقيل فيه: دراسة النفوذ وأصحاب النفوذ، ودراسة من يحصل على ماذا، ومتى، وكيف[8].

ورأى بعض المختصين أن تعريف العلوم السياسيّة يدور مع التطوّر الذي مرت به، فقد كانت الدولة هي محور دراسة العلوم السياسية، سواء في نظامها الداخلي، أو في علاقتها الخارجية، ثم أصبحت ظاهرة السلطة هي الظاهرة المتميزة، ثم أصبحت القدرة على صنع القرارات في المجتمع هي محور الاهتمام لصدورها الآن عمن لا يملك سلطة ظاهرة، فمعرفة أصحاب النفاذ، وأنواع نفوذهم، وأثرهم في داخل الدول وخارجها؛ هو المحور العصري للسياسة، والتي يمكن أن لا يقف عندها هذا العلم، وأن لا تكون نهاية المطاف، إذ قد يستجد ما يثبت أن له تأثيراً أجدر بالدراسة[9].

فجماعات الضغط، والكتل والأحزاب السياسية، والإعلام؛ كلها مؤثرات في صنع القرار، ولذا أصبحت من محاور العلوم السياسية.

2- التحليل السياسي:

 التحليل هو أسلوب بحثي يدرس المعلومات للوصول لنتائج من خلالها. والتحليل السياسي هو: استعمال إجراءات ذهنية منظمة بخصوص المعلومات المتوافرة حول موضوع معيّن للوصول إلى وصف الحالة، وربما للتوجيه أو التنبؤ بما ستصل إليه أو ما يجب فعله، فهو إذاً طريق لفهم مسار الأحداث ودوافعها.

والحقيقة أن المقصود من دراسة العلوم السياسية هو استخدامها في فهم الواقع وتحليله، ولذا يمكننا أن نقول إن التحليل السياسي هو الاستخدام الحقيقي لعلم السياسة[10]، أو هو الهدف العملي له.

ويشهد لأهمية التحليل السياسي في وقتنا الحاضر أن العالم بات قرية صغيرة، لا مجال للحديث فيه عن بُعد جغرافي، ومن ثم نجد أن الحدث السياسي الذي قد يقع في إحدى الدول الغربية تتعدى آثاره نطاقه الجغرافي حتى يترك بصمته على أنحاء متفرقة من العالم.

وأحسب أننا لا نختلف أن التحليل السياسي بات من ضروريات الحياة المعاصرة، سواء لرجل الدولة الذي مجال عمله السياسة، أو المهتمين عامة بالشأن السياسي، أو أولئك الراغبين في أن يكونوا على دراية وسعة أفق تؤهلهم لفهم ما يدور في الواقع بدلاً من أن تطرقهم الحوادث وكان بمقدورهم أن يكونوا من صنّاع الحدث أو العالمين بدوافعه ومآلاته.

3- أسس التحليل السياسي ومناهجه:

يقوم التحليل السياسي على أمرين:

الأول: هو الفهم الدقيق لمسار الأحداث، بسبر أغوار الحدث السياسي وعدم الوقوف عند حد المعرفة السطحية، فقد يحتمل الحدث السياسي أكثر من معنى، وقد يكون ظاهره شيئاً غير باطنه.

وهذا يتضمن المعرفة والإلمام بسوابق الحدث التاريخية، والوقائع ذات الارتباط، إضافة إلى إدراك طبيعة الشخصيات والدول الفاعلة ذات الصلة بالحدث.

الثاني: إدراك الأسباب الدافعة لهذا الحدث، فيبحث المحلل عن الأسباب الظاهرة والخفية التي ربما لا يدركها غير المتخصصين والعارفين بأصول التحليل السياسي.

وللتحليل السياسي مناهج، منها:

1- منهج النخبة:

هو منهج يركز بالأساس على دراسة النخبة السياسية الحاكمة؛ أي تلك المجموعة من الأفراد التي تمارس الحكم بصورة مباشرة، أو تؤثر فيمن يمارسه، وذلك من خلال دراسة خلفياتهم وأصولهم وانتماءاتهم وعلاقاتهم ببعضهم، والقوى التي تؤثر فيهم، سواء أكانت تلك القوى داخلية أم خارجية؛ لأن العملية السياسية نتاج لهذه النخبة، ومن ثمّ فإنّ فهم النخبة السياسية الحاكمة يساعد على فهم وتفسير العملية السياسية.

ورغم أهمية هذا المنهج، إلا أنه ليس كافياً؛ لأنه قد تكون النخبة السياسية ليست سوى واجهة لقوى تقف خلف الكواليس هي التي تصنع القرار، وتحدّد السياسة، وتقود الدولة[11].

2- منهج تحليل الجماعات:

ينطلق هذا المنهج من اعتبار أن النظام السياسي يتكوّن من مجموعة من الجماعات المتنافسة المتصارعة بحيث تكون العملية السياسية نتيجة لهذا الصراع والتنافس، ومن ثمّ، فإنّ فهم هذه الجماعات يعتبر المقدمة الضرورية لفهم العملية السياسية، وقد تكون هذه الجماعات عبارة عن أحزاب، أو نقابات، أو تجمّعات.

وهذا المنهج يعتبر منهجاً مناسباً لفهم بعض النظم السياسية المعاصرة، ولا يصلح لكثير منها.

3- منهج صنع القرار:

ويهتم بالطريقة التي يتم بها صنع القرارات السياسية، ابتداءً من بروز مشكلة تستوجب أن تتم معالجتها والتعامل معها، مروراً بعملية جمع المعلومات عن المشكلة التي سيتم اتخاذ القرار بخصوصها، ثم استعراض البدائل المختلفة لمواجهة هذه المشكلة، والحلول المناسبة لها، ثم وزن كلّ حلّ من الحلول أو بديل من البدائل وتحديد إيجابياته وسلبياته أو الفوائد والمضار المتعلقة بكل بديل، وأخيراً اختيار البديل الذي يحقق أكثر المصالح، وأقل المضار أو المفاسد.

وهذا المنهج منهج جزئي يتعلق بالقرارات والمشكلات، ولا يساعد على فهم كيف تعمل المؤسسات، أو كيف يمكن فهم التوجّهات العامة للدولة[12].

4- مدارس التحليل السياسي:

تتعدد مدارس التحليل السياسي، ولكل مدرسة مبرراتها ومسوغاتها وآلياتها بشكل عام، وكل منها تتبنى نظرية معينة، مثل: نظرية المؤامرة، أو صراع الحضارات، أو الصراع الديني، أو العرقي، أو الطائفي، أو الاقتصاد السياسي، أو الهيمنة، وهكذا.. ومن أبرز هذه المدارس:

1- المدرسة الأيديولوجية:

وهي التي تتناول الحدث السياسي تحليلاً في ضوء العقائد التي يعتقدها كل فريق، ولذا يشخص كل نزاع سياسي على أنه صراع ديني، ويفسره بناء على ذلك.

2- المدرسة القومية:

والمدرسة القومية تحلل أي ظاهرة أو حدث سياسي من خلال أن القومية هي جوهر الصراع، فهناك قوميات في العالم، والواقع هو حصيلة النزاع بين هذه القوميات.

3- المدرسة الواقعية:

وهي لا تركن إلى سبب واحد في التحليل، بل هناك جملة عوامل واقعية تفسر وتعلل وتكشف، فلا تستبعد دور التاريخ والقوميات والصراعات الدينية في اتخاذ القرار السياسي، وفي فهم الحدث السياسي، والظاهرة السياسية، وغيرها من موضوعات التحليل السياسي المطروحة، ولا نستبعد دور الذكريات بين الدول والشعوب والقوميات والأديان والمذاهب المسؤولة عن الحدث السياسي وتعميقه.

ثانياً: موجهات شرعية للتحليل السياسي:

من يتأمل شواهد الشرع سيجد ما يدل على أن الاهتمام بالتفاعلات السياسية واختيار الموقف الواجب اتخاذه إزاء تشابك العلاقات والمواقف، أمر مطلوب ومرغب فيه.

وقد كان المسلمون يهتمون بالتفاعلات السياسية، ويخافون عاقبتها، ويستعدون نحوها بما يمكنهم بذله، وهذا أمر ظاهر لا حاجة لتقرير أدلته.

فقلق المسلمين من انتصار الفرس المجوس على الروم الكتابيين هو مثال لذلك، فالروم أهل كتاب بخلاف المجوس، كما أن للمجوس سابقة حرب قريبة مع العرب حاولوا فيها السيطرة عليهم في معركة ذي قار، قال عطاء الخراساني: حدثني يحيى بن يَعْمَر: أن قيصر بعث بجيش من الروم، وبعث كسرى جيشاً، فالتقيا بأدنى الشام، فلقيت فارس الروم، فغلبتهم فارس، ففرحت بذلك كفار قريش وكرهه المسلمون.

قال عكرمة: ولقي المشركون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرَنّ عليكم، فأنزل الله: {الچـم» 1 غُلِبَتِ الرُّومُ 2 فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ 3فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْـمُؤْمِنُونَ 4 بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ 5} [الروم: ١ - ٥][13].

وما روته كتب السيرة عن المعاهدة مع اليهود، وصلح الحديبية، ومفاوضة النبي صلى الله عليه وسلم لعيينة بن حصن على بعض ثمار المدينة ليترك حصارها؛ كلها شواهد لهذا الأمر، وهو جلي بحمد الله.

والتحليل السياسي جهد بشري يحاول دراسة الوقائع والبيانات، وربطها بالمعلومات المتراكمة لدى المحلل، للخروج بفهم صحيح للواقع ودوافعه، وتقييم الحال، وبيان ما يترتب عليه، ومن هنا كان هذا الجهد البشري محكوماً بضوابط الشرع لاجتهاداته، ومن هذه الضوابط:

1- صحة الوقائع التي يُبنى عليها التحليل:

فقد كلف الله تعالى المسلمين بالتثبّت والتحقق من صدق الوقائع محل البحث، وحرّم الاستعجال والتسرع في ذلك، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: ٦].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث»[14].

فلا بد أن يتحقق الباحث أثناء إعماله للتحليل من أن الوقائع التي يقوم بتناولها وقائع حقيقية، ليست مفتراة، وهذا يتأكد في هذا العصر الذي شاع فيه الكذب الإعلامي المضلل قصداً، سواء لتشويه الصورة، أو ليكون بالون اختبار لردة الفعل، أو لغير ذلك، وهذا يجعل العبء أكبر، فهو يحتاج مع تحليل المعلومات إلى التحقق منها، ومقارنتها ببعضها؛ للتحقق من صدقها وسلامتها.

2- أن لا يتضمّن التحليل إدانة أحد بلا بيّنة:

الإنسان مؤاخذ على أقواله، مسؤول عنها، محاسب عليها، وهو أكثر ما يدخل الناس النار، فقد سأل معاذ رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ على وُجُوهِهِمْ، أَوْ على مَنَاخِرِهِمْ، إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ»[15].. وللكلمة أمانة يراعيها المسلم.

ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمراً وقبل أن يدخل مكة، بركت ناقته، فقال الناس: خلأت القصواء، أي: حرنت فلم تسر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «ما خلأت وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل».

قال ابن القيم: فيه رد الكلام الباطل ولو نُسِب إلى غير مكلف، فقد رد عليهم لما نسبوها لشيء ليس من خلقها وطبعها[16].

فإذا كان هذا الشأن مع البهائم، فكيف بالإنسان الذي كرّمه الله تعالى، بل كيف مع إخوان المحلل ومن يشترك معه في دين أو وطن أو توجه. وكم نرى من تحليل لمواقف بعض الفصائل تتضمّن إدانة لها أو تحذيراً منها أو تبريراً لمصادمتها بلا بيّنة، وقد حكى الله تعالى خبر الشاهد في قصة يوسف وكيف تحقق في القضيّة وتوثق، (وقد حكاه الله تعالى حكاية مقرر له غير منكر، لنتأسى به، فإن حكايته له مقراً عليه ومبنياً على فاعله ومادحاً تدل على رضاه به وأنه موافق لحكمه ورضاته)[17].

قال تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ 26 وَإن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [يوسف: 26-27].

بل إن الإنسان قد يؤمر بكتمان بعض الحق لمصلحة حقن دم أخيه، ولئلا يتمكّن فاسق من العدوان عليه، أو يجد لذلك مبرراً.

قال العيني[18](يدل على الاحتيال في التخليص من الظَّلمة، بل إذا علم أنه لا يتخلص إلا بالكذب جاز له الكذب الصريح، وقد يجب في بعض الصور بالاتفاق لنجاة المسلمين من عدوهم).

وقال الفقهاء: لو طلب ظالم وديعة لإنسان ليأخذها غصباً وجب عليه الإنكار والكذب في أنه لا يعلم موضعها[19].

3- ملاحظة السنن والقواعد الشرعيّة:

فقد جاءت النصوص الشرعيّة مبيّنة قوانين ونواميس وقواعد في حياة البشر يجب اعتمادها في كل دراسة للحياة، كما يجب أن تجعل ثوابت الشرع بعداً أساسياً في كل نتيجة يوصل إليها، فالمفاضلة بين الاختيارات – مثلاً – مبناها قواعد المفاضلة والموازنة الشرعيّة، وبملاحظتنا الشرعية نعرف أنَّ الأمة المسلمة تملك رصيداً إيمانياً، واستعلاءً دينياً، وأخوّة عميقة، لا بد من اعتبار ورصد وزنه السياسي.

وإن من أمثلة السنن الشرعية المتعلّقة بما نحن فيه، ما يلي:

- أنّه لا يمكن حدوث تغيير في أوضاع الأمة العامّة إلا إذا حدث تغيّر في أفرادها، قال تعالى: {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} [الرعد: ١١].

- أنه لا يتم الاستخلاف في الأرض والتمكين للإسلام وحصول الأمن إلا بتحقيق العبودية لله على الوجه المطلوب، قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: ٥٥].

- أن عاقبة الظلم ونهايته الهلاك، قال تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَـمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِـمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا} [الكهف: 59].

- استشراء الانحراف والبُعد عن منهج الله تعالى نتيجته عقوبة وفساد في الأرض، قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41].

- أن غزو الأجانب للبلاد ودخولهم إليها يدمر أخلاقها ويقلب أوضاعها الاجتماعية، قال تعالى على لسان ملكة سبأ: {إنَّ الْـمُلُوكَ إذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [النمل: 34].

قال ابن عباس: (وكذلك يفعلون) قاله الرب عز وجل[20].

- أن عداء اليهود والنصارى للمسلمين لا يتغيّر ما داموا على دينهم، قال تعالى: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120].

- الأصل أنّ النصر لا يأتي إلا بعد الابتلاء، قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْـجَنَّةَ وَلَـمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].

- لا بد من بقاء جماعةٍ من المسلمين على الحق، مستمرين على جهاد أعدائهم، ينتصرون عليهم في كل زمن.. عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك»[21].

- أن العاقبة في كل الأحوال والظروف النصر للمتمسّكين بشرع الله تعالى، ولو تأخّر ذلك، قال تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْـمُرْسَلِينَ 171 إنَّهُمْ لَهُمُ الْـمَنصُورُونَ 172 وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ 173} [الصافات: ١٧١ - 173]. وقال: {إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ 51} [غافر: 51].

4- اعتقاد صحة الرأي:

فالواجب أن لا يتكلم الإنسان إلا بما يعتقد صحته – إلا ما سبق من استثناء تقتضيه طبيعة التحليل السياسي، فإنه قد يكون موجهاً يقصد به غير ظاهرة كما في أحوال الحروب مثلاً، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: الحرب خدعة[22].

وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها[23]، دون أن يتجاوز بذلك ضرورات القتال والنزاع وأحواله الخاصة لغيرها.

وفي غير هذا، فالواجب أن يلتزم المحلل السياسي بالمنهج العلمي الذي اختاره لدراسة البيانات والمعلومات والخروج منها بمعطيات صادقة، وأن يكون معتقداً صحة نتائجه، وإلا كان كاذباً، والكذب هنا ليس خللاً متعلقاً بالأخلاقيات البحثية فحسب، بل هو كبيرة من كبائر الذنوب، يترفع عنها المسلم.

5- قواعد الشرع وأحكامه لا تُتْرك للمصالح السياسية:

فالغاية من السياسة هي صلاح المجتمعات، وصلاحها الأعظم بتطبيق شرع الله تعالى وإنفاذه، فهو المتضمن مصالح البشر، فلا يجوز لأحد أن يقترح أو يتبنّى مخالفة الشريعة لتحقيق أي مصلحة.

بل كل مصلحة تخالف الشرع فهي مصلحة ملغاة لا اعتبار لها، ومعنى الإسلام هو الاستسلام لله تعالى.. وإذا ظن الباحث أن ترك بعض الشرع يحقق هدفاً أو يوصل لغرض، فليتهم نفسه ورأيه. لما تصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل مكة على ترك القتال عشر سنين وردّ من جاء مسلماً، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! ألست نبي الله حقاً؟ قال: بلى. قال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. فقلت: علام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال: إني رسول الله ولستُ أعصيه[24].

وفي صحيح البخاري قَالَ أَبُو وَائِلٍ لَمَّا قَدِمَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ مِنْ صِفِّينَ أَتَيْنَاهُ نَسْتَخْبِرُهُ فَقَالَ اتَّهِمُوا الرَّأْيَ فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَهُ لَرَدَدْتُ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. وقد صارت عاقبة هذا الصلح خيراً عظيماً للمسلمين، قال ابن القيم عنه: كَانَتْ مِنْ أَعْظَمِ الْفُتُوحِ، فَإِنّ النّاسَ أَمِنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَاخْتَلَطَ الْمُسْلِمُونَ بِالْكُفّارِ وَبَادَءُوهُمْ بِالدّعْوَةِ وَأَسْمَعُوهُمْ الْقُرْآنَ وَنَاظَرُوهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ جَهْرَةً آمِنِينَ وَظَهَرَ مَنْ كَانَ مُخْتَفِيًا بِالْإِسْلَامِ وَدَخَلَ فِيهِ فِي مُدّةَ الْهُدْنَةِ مَنْ شَاءَ اللّهُ أَنْ يَدْخُلَ، وَلِهَذَا سَمّاهُ اللّهُ فَتْحًا مُبِينًا.. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قَضَيْنَا لَك قَضَاءً عَظِيمًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ مَا قَضَى اللّهُ لَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ. وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنّ الْفَتْحَ - فِي اللّغَةِ - فَتْحُ الْمُغْلَقِ وَالصّلْحُ الّذِي حَصَلَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ بِالْحُدَيْبِيَةِ كَانَ مَسْدُودًا مُغْلَقًا حَتّى فَتَحَهُ اللّهُ وَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ فَتْحِهِ صَدّ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ عَنْ الْبَيْتِ وَكَانَ فِي الصّورَةِ الظّاهِرَةِ ضَيْمًا وَهَضْمًا لِلْمُسْلِمِينَ وَفِي الْبَاطِنِ عِزّا وَفَتْحًا وَنَصْرًا وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْظُرُ إلَى مَا وَرَاءَهُ مِنْ الْفَتْحِ الْعَظِيمِ وَالْعِزّ وَالنّصْرِ.

فَكَانَ يَدْخُلُ عَلَى تِلْكَ الشّرُوطِ دُخُولَ وَاثِقٍ بِنَصْرِ اللّهِ لَهُ وَتَأْيِيدِهِ وَأَنّ الْعَاقِبَةَ لَهُ وَأَنّ تِلْكَ الشّرُوطَ وَاحْتِمَالَهَا هُوَ عَيْنُ النّصْرَةِ وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْجُنْدِ الّذِي أَقَامَهُ الْمُشْتَرِطُونَ وَنَصَبُوهُ لِحَرْبِهِمْ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَذَلّوا مِنْ حَيْثُ طَلَبُوا الْعِزّ وَقُهِرُوا مِنْ حَيْثُ أَظْهَرُوا الْقُدْرَةَ وَالْفَخْرَ وَالْغَلَبَةَ وَعَزّ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَسَاكِرُ الْإِسْلَامِ مِنْ حَيْثُ انْكَسَرُوا لِلّهِ وَاحْتَمَلُوا الضّيْمَ لَهُ وَفِيهِ فَدَارَ الدّوْرُ وَانْعَكَسَ الْأَمْرُ وَانْقَلَبَ الْعِزّ بِالْبَاطِلِ ذُلّا بِحَقّ وَانْقَلَبَتْ الْكَسْرَةُ لِلّهِ عِزّا بِاَللّهِ وَظَهَرَتْ حِكْمَةُ اللّهِ وَآيَاتُهُ وَتَصْدِيقُ وَعْدِهِ وَنُصْرَةُ رَسُولِهِ عَلَى أَتَمّ الْوُجُوهِ وَأَكْمَلِهَا الّتِي لَا اقْتِرَاحَ لِلْعُقُولِ وَرَاءَهَا[25].

وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ارتد من ارتد من العرب، ودخل الناس في المدينة خوف، وكان النبي قد عقد لواء لأسامة بن زيد ليمضي مقاتلاً، ولم ينطلق تربصاً لحال المصطفى صلى الله عليه وسلم، حتى توفي، وتولى أبو بكر رضي الله عنه، فراجع الصحابة أبا بكر كثيراً أن لا ينفذ البعث ويتركه ليحرس المسلمين بالمدينة، وهو يأبى عليهم ويقول: والله لا أحل راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووالله لو لعبت الكلاب بخلاخل نساء المدينة ما رددت جيشاً أنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكلمه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنهم أن يترك للعرب زكاة العام تألفاً لهم حتى يتمكن له الأمر، فامتنع من ذلك وقال: والله لو منعوني عقالاً لجاهدتهم عليه، أوفي شك أنتم أن وعد الله حق[26]؟

وهذا الضابط في غير الأحوال التي يسقط فيها التكليف كالاضطرار والإكراه.

6- العدل أساس التحليل السياسي:

العدل في الإسلام قيمة مطلقة يلتزم به المسلم كواجب أساسي في المنشط والمكره، وحال الصداقة والعداوة، وفي القول والعمل، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: ٨].

أي: لا يحملكم بغض قوم يقاتلونكم في الدين على أن لا تعدلوا في معاملتهم، والعدل مطلوب في القول والعمل: {وَإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 152].

ويتحقق العدل في التحليل السياسي عندما تتناسب النتائج والمخرجات مع وعائها كماً وكيفاً.

فمتى أعطي الموقف زخماً يتجاوز محله وبولغ في وصفه، وقع الإخلال بميزان العدل. ومتى كانت التوصية تتجاوز حد العدل والمعاملة بالمثل، وقع الخلل. على أن هذا لا يمنع الاحتياط وهو ما في الضابط القادم.

وهذا الضابط يتأكد مع ما يشاهد من رواد المدرسة الواقعية السياسية، الذين يعتبرون الحروب والقتال والدمار بمنزلة الدافع الأساسي لتطهير وصقل الجنس البشري وإنتاج الإنسان الأعلى! وتحليلاتهم القاضية بحتمية استمرار الصراع الدولي بين الدول الراضية عن الواقع الدولي الراهن، والعاملة على تمديد أجله، وبين الدول الثائرة عليه، دون طرح لفرص التعاون أو العمل المشترك والسلم.

7- التحليل السياسي جهد بشري معرَّض للخطأ:

وكأي جهد بشري يجب فيه وجود حُسن النية، وقصد الإصلاح، وبذل الجهد الممكن، مع الإقرار بأنه جهد بشري معرَّض للخطأ، فهو وإن كان راجح الاحتمال عنده، إلا أنه غير قطعي، فيمكن الخطأ فيه، ولذا لا يلزم غيره به، ولا يثرب على من خالفه في الرأي، بل يحتمل اجتهاده ورأيه.

وقد تحدث ابن تيمية في كتابه السياسة الشرعية عمن سعى في رد المظالم إلى أهلها، من السلطان الممتنع عن ردها، فقال: (لَوْ امْتنَعَ السُّلْطَانُ مِنْ رَدِّهَا، كانت الإعانَةُ عَلَى إنْفَاقِهَا في مَصَالِحِ أَصْحَابِهَا أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا بِيد مَنْ يضيعها عَلَى أَصْحَابِهَا، وَعَلَى الْمُسْلِمينَ. فَإِنَّ مَدَارَ الشريعة عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللهَّ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وَعَلَى قَوْلِ النَّبيِ صلى الله عليه وسلم: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» أخْرَجَاهُ في الصَّحِيحَينْ. وَعَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ تَحْصِيلُ المصالح وتكميلها؛ وتعطيل الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا، فَإِذَا تَعَارَضَتْ كَانَ تَحْصِيلُ أَعْظَمِ الْمَصْلَحَتَينْ بِتَفْويتِ أَدْنَاهُمَا؛ وَدَفْعُ أَعْظَمِ الْمَفْسَدَتَين مَعَ احتمال أدناهما: هُوَ الْمَشْرُوعَ. وَالْمُعينُ عَلَى الإِثم وَالْعُدْوَانِ مَنْ أَعَانَ الظَّالِمَ عَلَى ظُلْمِهِ، أَمَّا مَنْ أَعَانَ الْمَظْلُومَ عَلَى تَخْفِيف الظُّلْمِ عَنْهُ، أَوْ عَلَى أداء الْمَظْلِمَةِ: فَهُوَ وَكِيل الْمَظْلُومِ؛ لَا وَكِيل الظَّالِمِ؛ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يقُرِضُهُ، أَوْ الَّذِي يتَوَكَّلُ في حَمْلِ الْمَالِ لَهُ إلَى الظَّالِمِ. مِثَالُ ذَلِكَ وَلِي اليتَيِمِ وَالْوَقْفِ، إذَا طَلَبَ ظَالِمٌ مِنْهُ مَالاً فَاجْتَهَدَ في دَفْعِ ذَلِكَ بِمَالٍ أَقَلَّ مِنْهُ إليهِ، أَوْ إلَى غَيرهِ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ التامِّ في الدَّفْعِ؛ فَهُوَ مُحْسِنٌ، وَمَا عَلَى الْمُحْسِنينَ مِنْ سَبيلٍ. وَكَذَلِكَ وَكيلُ الْمَالِكِ مِنْ المنادينٌ والكتاب وغيرهم، الذي يتوكل لَهُمْ في الْعَقْدِ وَالْقَبْضِ، وَدَفَعَ مَا يطَلُبُ منهم؛ لا توكل للظالمين في الأخذ. وكذلك لَوْ وُضِعَتْ مَظْلِمَةٌ عَلَى أَهْلِ قَرْيةَ أَوْ دَرْبٍ أَوْ سُوقٍ أَوْ مَدينةٍ فَتَوَسَّطَ رَجُلٌ منهم مُحْسِنٌ في الدَّفْعِ عَنْهُمْ بِغَايةَ الإِمكان وَقَسَّطَهَا بَينْهُمْ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِمْ، مِنْ غَيرْ مُحَابَاةٍ لنفسه ولا لغيره، ولا ارتشاء، بل توكل لهم في الدفع عنهم والإعِطَاءِ: كَانَ مُحْسِناً؛ لَكِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَنْ يَدْخُل فِي ذَلِكَ يَكُونُ وَكِيلَ الظَّالِمِينَ مُحَابِيًا مُرْتَشِيًا مُخْفِرًا لِمَنْ يُرِيدُ، وَآخِذًا مِمَّنْ يُرِيدُ. وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ الظَّلَمَةِ، الَّذِينَ يُحْشَرُونَ فِي تَوَابِيتَ مِنْ نار، هم وأعوانهم وأشباههم، ثم يقذفون في النار)[27]. فلا تثريب على من حسنت نيّته أن يجتهد في تقليل الشر بحسب استطاعته، فهو اجتهاده الذي يحاسب عليه، وهذا باب من العدل المأمور به في الشرع.

ومع ذلك فالمحلل السياسي لا يمنع من الاحتياط والحذر وإن لم يكن لديه دليل قاطع، إذ هذا مباح ولو بلا بيّنة ما دام لم ينسب لغيره شيئاً ولا اتهمه بلا دليل، ولما بحث الشاطبي متى يسوغ أن تُرَاعى الرؤى والمكاشفات ونحوها – بعد أن قرّر أنها لا يسوغ أن تعارض أحكام الشرع –، بيّن أن ذلك في الأمور المباحة، كمن وقع له أن يأتيه أحدٌ فتهيأ له أو تحفظ منه. وأن يكون ذلك لفائدة يرجوها، وأن يكون منه الاستعداد فحسب، أمّا الحكم عليه ومعاملته فلا تكون إلا بما هو مشروع؛ إذا الشريعة حاكمةٌ غير محكومة[28].

8- التفاؤل:

فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الفأل[29]. والفأل مطلوب من المؤمن، قال القرطبي[30]: (وإنما كان يعجبه الفال؛ لأنه تنشرح له النفس وتستبشر بقضاء الحاجة وبلوغ الأمل فيحسن الظن بالله تعالى، وقد ورد في الحديث القدسي: أنا عند ظن عبدي بي).

وإذا تضمن التحليل السياسي تضخيماً مبالغاً فيه في قدرة الأعداء على صنع الأحداث، فهذا من شأنه أن يخلق حالة من الانهزامية لدى الشعوب والجماعات أمام القوى الكبرى؛ ولهذا جاء النهي عن أن يقول يستكثر المسلم عدد جيش عدوه، لما له من تأثير نفسي على المستمع. كما أن التفسير المتشائم للأحداث تبرير مقنع لدى الكثيرين للتقاعس عن العمل لإحداث التغيير في مجتمعاتهم، حيث إنه بزعمهم لا يمكن إحداث تغيير أو تطور ما دام الواقع بهذا الحال، وشأن المسلم عكس هذا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها، فليغرسها»[31].

والتفاؤل بلا شك باعث على العمل دافع للهمة والعزيمة، ومعين على الظفر بالمراد، لكن يُضبط ببذل السبب، فالنتائج إنما تحصل لإنسان على قدر جهده.

وبعد، فهذه جملة من الموجهات والقيم الشرعية للتحليل السياسي أسأل الله أن ينفع بها، وهو الموفق.

 

:: مجلة البيان العدد  318 صفر 1435هـ، ديسمبر  2013م.


[1] رسالة المعاد والمعاش للجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون ص 91.

[2] علم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف، ص 37.

[3] لسان العرب (7/ 413).

 [4] بواسطة تاريخ القضاء في الإسلام، محود عرنوس، ص 193.

[5] الكليات ص 510.

[6] مبادئ علم السياسة، صدفة يحيى فاضل، ص 20.

[7] المرجع السابق.

[8] المرجع السابق.           

[9] العلوم السياسية، علي محمد شبش، ص 32.

[10] انظر: علم السياسة، نصر محمد عارف، ص 33.

[11] علم السياسة، نصر عارف، ص 34.

[12] علم السياسة، نصر عارف، ص 37.

[13] تفسير الطبري (13/21).

[14] صحيح البخاري (6046)، صحيح مسلم (6629).

[15] أخرجه أحمد 5/231 (22366)، وابن ماجه 3973، والترمذي 2616.

[16] زاد المعاد (3/234).

[17] تضمن من زاد المعاد (3/130).

[18] عمدة القارئ شرح صحيح البخاري، والحديث قصة إبراهيم عليه السلام مع الجبار الذي أراد زوجته. صحيح البخاري (2065).

[19] نزهة الأعين النواظر شرح الأشباه والنظائر ص 232.

[20] تفسير القرآن العظيم لابن كثير (10/405).

[21] صحيح مسلم (1924).

[22] صحيح البخاري (3030)، صحيح مسلم (4560).

[23] زاد المعاد (3/462).

[24] انظر: زاد المعاد (3/263).

[25] زاد المعاد (3/276).

[26] الروض الأنف (4/443)، السيرة النبوية لابن كثير (4/441).

[27] السياسة الشرعية ص 29.

[28] الموافقات (2/273).

[29] صحيح مسلم (2223).

[30] تفسير القرطبي (6/60).

[31] مسند أحمد (3/183)؛ الطيالسي (2068)؛ الأدب المفرد للبخاري (479). بسند صحيح. السلسلة الصحيحة (9).

 

 


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة