الاقوال في الدار المركبة وحكم نحول الدار

Share
Share
 الاقوال في الدار المركبة وحكم نحول الدار
الاقوال في الدار المركبة وحكم نحول الدار


  الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الدُّور عند الفقهاء المتقدمين داران: دار كفر، ودار إسلام:
وهم يذكرون أقساماً أخرى لكنها ترجع عندهم إلى إحدى الدارين. وهل استجدت دور ترجع في بعض أوصافها لدارٍ، وفي بعضها الآخر لدارٍ أخرى؟ أم لا بد من إلحاقها بأحد القسمين؟ سيأتي بيان ذلك بين طيات هذا البحث.
من المقرر عند الفقهاء دخول ديار أهل الذمة، والمستأمَنين في حكم دار الإسلام، ودخولهم هذا محلُّ اتفاق عند عامة الفقهاء[1].
وأما دار العهد فهي نوع من الأراضي التي استولى عليها المسلمون بالصلح مع أهلها، على أن تبقى مُلكيَّة الأرض لأهلها، ويكون خَراجُها للمسلمين، وهذا الخَراج في حكم الجزية؛ فمتى أسلم أهلها سقط عنهم، ويسميها بعضهم (دارَ الصلح)؛ وهذا التعبير أبعد عن حصول الاشتباه بين دار العهد هذه ودار الكفر المعاهَدَةِ على ترك القتال[2]، أو دار الكفر غير الحربية؛ فإن دُورَ الكفر منها حربية ومنها غير حربية؛ وذلك في أمد الهدنة، وأما دار العهد فهي على ما ذُكِر أولاً، وقد تَرِد بمعنى الدار التي صُولِح أهلها على أن تكون للمسلمين ويُقِرُّ أهلها فيها بالجزية ويكونون أهل ذمة، وهذه لا خلاف بين الفقهاء في اعتبارها جزءاً من دار الإسلام[3]، وإن كان جُلُّ أهلها كفاراً يتبايعون بينهم بالميتة والخمر وغيرِهما مما يستحلونه ديانةً.
دار العهد التي صُولِح أهلها على أن الأرض لهم، هل هي دار إسلام، أم دار كفر، أم دار مستقلة؟
في هذه المسألة أربعة اتجاهات تُنقَل عن الفقهاء وبعض المعاصرين: فمنهم من يجعلها دارَ إسلام، ومنهم من يجعلها دارَ كفر، ومن المعاصرين من يجعلها داراً مستقلة[4]، ومن المعاصرين أيضاً من يجعلها وَفْقَ المعاهدات المعاصرة في حكم دار الإسلام - وهذان الأخيران قولان مُحْدَثان - ومنهم من يحمل كلام بعض الأئمة في الدُّور المركَّبة عليه، وبينهما فروق؛ والذي يظهر أن الدار التي صولح أهلها على أن الأرض لهم إما أن تكون:
1 - دار كفر معاهَدة إذا لم تكن تخضع لسيادة دولة الإسلام، ويجوز أن يكون العهد على مالٍ وبدونه، واختُلِف في العِوَض يؤخذ من المسلمين، واختُلِف كذلك في هذا العهد: هل يكون مُطْلَقاً أم لا بد من ضرب أجل فيه؟ واختُلِف في أطول الأجل كذلك.
2 - أو هي من جملة دار الإسلام إن كانت خاضعة لسيادة الدولة الإسلامية في الجملة؛ وإن حصل تقصير في الواجب من الحكم بالشريعة أو عجزٌ عن بعضه؛ ويمكن أن تمثَّل هذه في الحاضر أو المستقبل ببعض الأقاليم في بعض البلدان الإسلامية التي تحكم بالشريعة في الجملة.
أما الدار المركَّبة التي يذكرها بعض الأئمة المتأخرين فشأنها آخر؛ إذ هي دور كانت للمسلمين ثم تغير شأنها تغيُّراً لا يوجب إلحاقها بدور الكفر الحربية أو المعاهَدة من كل وجه؛ كحال بعض البلدان العربية اليوم، والحديث فيها فرع عن مسألة تحوُّل الدار وبم يكون؟ لا في أصل التقسيم الـمُجمَع عليه، كما مرَّ.
بماذا تتحول دار الإسلام إلى دار كفر؟
«لا خلاف بين علماء الإسلام كافة أن دار الكفر تصير دار إسلام بمجرد إظهار أحكام الإسلام فيها، وتسلط المسلمين عليها»[5].
أما تحوُّل دار الإسلام إلى دار كفر، فحكمٌ ينبغي التريث فيه كالشأن في الحكم بتحول المسلم إلى كافر، «إن مسألة تحوُّل دار الإسلام إلى الكفر من المسائل الخطيرة، التي هي مظنـة زلَّـة الأقـلام، واختـلاف الأفهام؛ لِـمَا يترتب عليهـا من أمور خطيرة؛ من تحوُّل الدار من وصف الحظر إلى وصف الإباحة في الدماء والأموال؛ ولهذا سلك الفقهاء في هذا الجانب الفقهي الحساس والخطير منهجاً يقوم على أُسُس متينة، وقواعد مرعية، تنتظم بها حياة الناس في دمائهم وأموالهم...»[6].
اختلاف الفقهاء في إمكانية تحوُّل دار الإسلام إلى دار كفر على أقوال:
الأول: أنها لا تتحول دار كفر مطلقاً[7]،
والثاني: لا تتحول دار كفر بمجرد ظهور أحكام الكفر فيها، أو بمجرد استيلاء الكفار عليها ما دام المسلمون يقيمون فيها شعائر الإسلام أو غالبها[8]،
والثالث: لا تتحول إلاَّ بثلاثة شروط:
1 - ظهور أحكام الكفـر فيها علـى سبيل الاشتهار، وأن لا يُحكَم فيها بحكم أهل الإسلام.
2 - أن تكون متصلة بدار الكفر؛ بحيث لا يتخلل بينهما بلدة من بلاد الإسلام.
3 - أن لا يبقى فيها مسلم ولا ذمي آمناً بالأمان الأول على نفسه؛ وهو أمان المسلمين، وهو ما كان ثابتاً قبل استيلاء الكفار؛ للمسلم بإسلامه، وللذمي بعقد الذمة[9].
والرابع: إذا استولى عليها الكفار، فإنها تتحول دارَ كفرٍ صورة لا حكماً، وفي اعتبار هذا قولاً للفقهاء المتقدمين نظرٌ[10].
والخامس: إذا استولى الكفار على الدار وبقي فيها المسلمون فتتحول الدار إلى دار مركَّبة. أفتى به شيخ الإسلام ابن تيمية في ماردين[11]، وقد ذكر قولاً في المسألة[12]، وقد يبدو أَوَّلَ وَهْلَة أن في إدراجه نظراً من جهة أنه ليس فيما تتحول به دار الإسلام إلى دار كفر، لكن من تأمَّل وجد لإدراجه وجهاً ظاهراً؛ فحاصله أنها تتحول دار كفر من جهة، ولا تتحول من جهة أخرى، وموضوعه إنما هو دار تغيرت حالها بعد أن كانت إسلامية.
والسادس: تتحول دار الإسلام دارَ كفر بمجرد ظهور أحكام الكفر عليها، أو بمجرد استيلاء الكفار عليها، ونَسَب هذا القولَ إلى جمهور الفقهاء غيرُ واحد من الباحثين[13]. ومن الباحثين[14] من جعلهما قولان، فالموافق لتقسيمه أن يكون التقسيم هكذا:
السادس: تصير دارَ كفرٍ بظهور أحكام الكفر فيها.
والسابع: تصير دار حرب باستيلاء الكفار عليها.
والذي يتوجه أن التعويل على ظهور أحكام الإسلام عند من قال بهذا وهذا، فرعٌ عن تعريف الدار، ولا يُتصَوَّر أن يستولي الكفار فيُظهروا حكم الإسلام في الدار، ولو فُرِضَ أن كافراً تغلب فحكم بالشريعة، أو وُلِّي فحكم بها، أو ارتدَّ والٍ وبقي الحكم شرعيّاً، فالظاهر بقاء حكم الدار على هذا، وإن وجب خَلْعُ الكافر مع القدرة وأَمْنِ المفسدة.
والثامن: أن دار الإسلام لا يزول عنها وصف الإسلام إلاَّ بيقين[15]، والحق أن هذا ليس قولاً مستقلاً عند الفقهاء، وإنما يرجع مَنْ عُدُّوا قائلين به لأحد الأقوال المتقدمة قبل السادس.
اختلاف آراء الباحثين في الموازنة بين هذه الأقوال وطريقة التوفيق بينها:
فذهب بعضهم إلى التوفيق بأن دار الإسلام تصير دار كفر حقيقة وحكماً؛ إذا استولى عليها الكفار، ومنعوا المسلمين من إجراء أحكام الإسلام كلها، وتصير دار كفر حقيقة (أو صورة لا حكماً)؛ إذا غلب الكفار عليها، والمسلمون فيها يقيمون بعض أحكام الإسلام وشعائره[16].
وفي هذا الجمع إشكال بيِّن؛ إذ لا يستقيم أن نقول: هي دار كفر في الظاهر، وهذا الظاهر ليس محكوماً به؛ فهي دار إسلام في الحكم. بل الفقهاء الذين قالوا: هي دار كفر في الظاهر قضوا بهذا الظاهر ولم يتناقضوا؛ وهؤلاء يرجع قولهم للقول السادس. ولا يستقيم القول بأنها دار كفر حقيقةً وصورةً، لكن حكمها حكم دار الإسلام. والفقهاء الذين قالوا: هي دار كفر صورة، لم يقولوا: إنها تصير دار كفر حقيقة؛ لهذا كانت عندهم دار كفر صورة. أما الحقيقة والحكم فهي دار إسلام؛ فهؤلاء يرجع قولهم للقول الأول.
وذهب غيرهم إلى ترجيح القول المعزو للجمهور وتضعيف ما عداه[17]، وهو مسلك فيه اطراد وله وجه.
وذهب فريق ثالث إلى ترجيح القول المعزو للجمهور بضميمة رآها تجمع بين الأقوال، وهذه الضميمة تعطيل أحكام الإسلام وشعائره الظاهرة من قِبَل الحاكم والمحكوم. قال هذا الفريق: «أما إذا كان ظهور أحكام الكفر والتعطيل من قِبَل الحاكم مع ظهور أحكام الإسلام وشعائره الظاهرة، ووجود المعالم البارزة التي تميز دار الإسلام عن دار الكفر، فإن دار الإسلام لا تتحول بهذا الشكل. أما لماذا لم تتحول وَفْقَاً لهذا الشكل؟ فأخذاً بعلوِّ أحكام الإسلام، والأصل بقاء الإسلام واستصحاب الحال، وبقاء ما كان على ما كان، والاحتياط في تحوُّل الدار؛ والأصل في الدماء والأموال في دار الإسلام الحظر»[18]، وحاصله أنها دار إسلام ما أظهر المسلمون شعائرهم[19]، والذي يتأمَّل يجد الضميمة التي اقترحها هولاء تعود بالنقض على القول المعزو للجمهور، وتجعل ترجيحه في الحقيقة ترجيحاً للقول الثاني، بخلاف طريقة الجمع السابقة؛ فتلك إنما ينازع صاحبها في صحة نسبة الاختيار إلى الجمهور، ثم في ظهور دليله.
وذهب غيرهم كذلك لترجيح القول الثامن. قالوا: «مع قرائن مؤثرة أخرى، كبقاء نسبة أهلها إلى الإسلام غالباً، وبقاء الشعائر ظاهرة: كالجمعة والجماعة والأذان، وأحوال الناس في العيدين والصيام، وغيرهما»[20]، ولا يخفاك أن هذا قريب من السابق، وإن كان ذِكْرُه لـ (بقاء نسبة أهلها إلى الإسلام غالباً) حشواً لا كبير معنى وراءه مع عطفه على بقاء الشعائر؛ إذ لا يُتَصوَّر ظهور الشعائر إلا بهذا؛ فكأنه جعل اليقين الذي به تتحول الدار هو طمس الشعائر، فعاد للقول الثاني فيما سردتُ.
القول المختار في تحوُّل الدار:
إن المسألة محل اجتهاد، وقد كان من غرضي في عرض الاختيارات السابقة تقرير هذا؛ غير أن الذي يظهر – والله أعلم - أن الأدلة تُشعِر بقرب اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، القاضي بأن مثل تلك الدار دارٌ مُركَّبةٌ يعامَل فيها الكافر بما يستحق، ويعامَل فيها المسلم بما يستحق، وتلك هي ثمرة وَصْفِ الدار؛ فالأحكام فيها ليست سواءً؛ فلا تجري عليها أحكام دار الكفر بإطلاق، ولا أحكام دار الإسلام بإطلاق، ومن الأدلة التي تشهد لذلك:
أولاً: مكة - حرسها الله -: استولى عليها القرامطة مدةً، وخُطِبَ فيها للمعزِّ العبيدي زماناً، وظهر أمره عليها حيناً من الدهر، وكل ذلك لم يصيرها دار كفر مطلقة، وقد يُستَدَل لهذا بتحريمها، ومَنْعِ إباحتها على التأبيد، مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا هجرة بعد الفتح»[21]؛ فهذا دليل على أنها لم تعد دار كفر، وإيجاب جهاد القرامطة الخارجين عن الشريعة بالإجماع؛ لانتزاع البلاد منهم يدلك على أنها لم تكن دار إسلام محضة.
ثانياً: كانت الإغارة على أحياء العرب في عهد النبوة معلَّقة بظهور الشعائر الظاهرة كالأذان، دون استفصال عن حال الكبراء أهلِ الفصل والكلمة: فلو كان حكم تحوُّل الدار التي حلَّها المسلمون مُناطاً بذا لم يُكتفَ بمثل الأذان، ولم يُعَلَّق الحكمُ عليه، وفي الصحيح قال أنس بن مالك - رضي الله عنه -: (إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا غزا بنا قوماً لم يكن يغزُ بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذاناً كفَّ عنهم، وإن لم يسمع أذانا أغار عليهم. قال: فخرجنا إلى خيبر فانتهينا إليهم ليلاً فلما أصبح ولم يسمع أذاناً ركب وركبت...) الحديث[22]، فجعل المناطَ لتصبيح أهل الدار ظهورَ شعار الإسلام فيها، فإذا ظهرت فلا تُستَحل استحلالَ ديار الكفر المحضة؛ وإن كانت غير معاهَدة، مع أن دار الكفر غيرُ المعاهدة يجوز تبييت أهلها وإن تضمن قتلَ الذرية؛ إن سبقت لهم دعوة على الصحيـح، بنـص حديث الصعب بن جثـامة: «هـم منهم»[23].  أما الدار التي تظهر فيها الشعيرة فلا تبيَّت ولا يُستباح أهلها، خلافاً لدار الحرب أو الكفر غير المعاهدة، لكن يجب قتال الكفار إن كانوا مستولين عليها، وإعادة حكم الإسلام إليها، أو إنشاؤه فيها، فلا تشبه دار الإسلام من هذه الجهة، وأمَّا إن لم تظهر فيها شعائر الإسلام فالأصل خلوُّها منهم؛ إذ الهجرة متعيِّنة عليهم حينها.
ولا يخفى أن ما استُدل به يتناول دار الكفر الأصلية غير المعاهدة كخيبر في ذلك الوقت، وفيه مستمسَك لمـن خالـف الجمهور في حدِّ دار الكفر، إلا أن يقال: هي دار كفر خُصَّت بحكم معيَّن؛ وهو تَرْكُ الإغارة لاعتبار المسلمين الذين يُظهِرون شعائرهم فيها؛ لئلا يطؤوهم قبل تمييزهم فتأخذهم بهم معرَّة، أو يقال ما قاله بعض أهل العلم بأن الأذان كان إذ ذاك بمثابة الشعار الذي به يُعرَف حكم الدار[24]، والنصوص الأخرى تبيِّن أن للقتال موجبات أخرى وإن ظهر الأذان، كحروب مانعي الزكاة وطوائف الممتنعين، وقد قال رب العالمين: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ} [الأنفال: ٩٣].
وقد يجاب على ذلك بأن هذه توجب القتال ولا تقتضي كفر الدار، وهذا قد يجاب عليه بأن الأصل لم ينقل عنه ناقل ظاهر، وإذا حصل الاتفاق على الأحكام المتقرِّرة تجاهها فلا مشاحَّة في التسمية، وإذا كان هذا في دار الكفر الأصلية فهو في شأن تحوُّل المسلمة عن الإسلام أَوْلَى؛ وهو وجه الاستدلال، «وحاصل الأمر: أن الدار إذا سُمِع فيها أذان لم يَجُز الإقدام على قتلهم ابتداءً، بل يصيرون في عصمة دمائهم وأموالهم كالمسلمين؛ فإن الأذان وإن كان لم يُسمَع من بعضهم، إلاَّ أن ظهوره في دار قوم دليل على إقراراهم بذلك ورضاهم»[25].
ثالثاً: إذا ثبت للدار حكم الإسلام، فلا يرتفع عنها وتصير دار كفر: فتجري عليها أحكامه إلاَّ بدليل يقضي بتغيُّر الأحكام، ولا دليل ظاهر على أن ديار المسلمين تعود ديار كفر بما ذكروا، ومن القواعد المقررة والأصول الثابتة الاحتياط للأموال والدماء، وإبقاؤها على الحظر[26].
رابعاً: اختلاف أحكام مثل هذه الدار عن دار الكفر ودار الإسلام: وقد ثبت التفريق بين الدارين في بعض الأحكام، ومن الفقهاء من توسَّع في هذا ومنهم من ضيَّق. والأدلة قائمة على الفرق بينها وبين الدارين في أحكامٍ، والقول بأنها تحوَّلت إلى دار كفر بغلبة أحكام الكفر عليها، إن كان مجردَ اصطلاحٍ المراد به وجوب إخضاعها لسلطان المسلمين وحكمهم بالشريعة، فلا مشاحَّة فيه، وهذا يجب فيما دون دار الكفر، كدار الإسلام التي تَحَكَّم في بعضها أهل البغي، أو المتظاهرون ببدعة، أو الممتنعون عن شريعة، وإن كان المراد به معاملة أهل تلك الديار معاملة أهل ديار الكفر الأصلية فعامة الفقهاء لا يسوُّون بينهما ويقررون أن بين مثل هذه الدار التي سماها شيخ الإسلام مركَّبة؛ وبين دار الكفر فروق في أحكامٍ؛ فهم يوجبون نصرة أهلها المستضعفين من المسلمين ويرون الجهاد فيها أوجب، ولا يشترطون للجهاد فيها كلَّ ما يشترطونه لجهاد طَلَبِ العدو في ديار الكفر الأصلية، ويُمنَعُون - على الصحيح - من التبييت والإغارة التي لا تميز بين أرضٍ الأصل في قاطنيها الإسلام، وبين أرضٍ الأصل في قاطنيها الكفر، وكذلك يفرقون في قسم الأموال فيئاً أو غنيمة: هل ترجع لأصحابها من أهل الإسلام مجاناً أو بالقيمة أو الأجرة؟ على خلاف وتفصيل لا يقولون به في دار الكفر الأصلية.
وكذلك أحكام السرقة والجناية على من فيها تختلف بحسبهم؛ فمن قصد قتل مسلم بريء فيها لا يسوَّى بمن قصد قتل كافر محتلٍّ لها، ولا يمكن إطلاق حكم دار الكفر فيها أو حكم دار الإسلام إلاَّ مجردة عن معانيها المتعلقة بالدماء والأموال.
وكذلك أحكام تملُّك الهبة، والإجارة، والبيع قد تختلف باختلاف الجهة الواهبة أو البائعة، ولا سيما في الإقطاعيات والأراضي. وهذه من أبرز الأحكام التي يختلف الحكم فيها باختلاف الدارين. وكثير من الأحكام التي يفرق بها بعض الفقهاء بين الدارين لا أثر لحكم الدار فيها على الصحيح[27] كوجوب الهجرة؛ فالصحيح من أقوال أهل العلم أن من كانت له طاقة بإظهار دينه فلا تجب عليه الهجرة، يدل على ذلك الإذن للأعراب في ترك الهجرة[28]، وحديث بريدة؛ وفيه: «ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أَبَوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين»[29]، وقد أورده البيهقي في باب الرخصة في الإقامة بدار الشرك لمن لا يخاف الفتنة، وأورد فيه آثاراً تشهد لهذا المعنى[30]، وهو في ذلك تَبَع للشافعي؛ حيث قال: «رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذن لقوم بمكة أن يقيموا بعد إسلامهم، منهم العباس بن عبدالمطلب وغيره، إذا لم يخافوا الفتنة»[31]، كما أن الهجرة قد تجب من دار الإسلام التي تظاهر أهلها على البدعة وقمع السُّنة.
وكذلك نزاعهم في التفريق بين الدارين في إقامة الحدود، وزواج الكتابية، وفي الوصية للحربي، وميراث المرتد إذا لحق بدار الحرب، وفي التعامل بالربا... وغيرها؛ فغير ظاهر التفريق في هذه المسائل ونحوها باعتبار الدار، لكن التفريق على الأرجح بأمور قد يكون وصف الدار مظنةً لتحقُّقها؛ كمسألة إقامة الحدود، وزواج الكتابية، وقد لا يكون كما في بقية المسائل المذكورة على الصحيح.
والمقصود أن لدار الإسلام التي احتُلَّت من قِبَلِ الكافر الأصلي أو ظهرت عليها أحكام الكفر بأن ارتد الحاكم، أو أقيم فيها حكم ذاتي غير إسلامي، لهذه الدار من أحكام دار الإسلام نصيبٌ، ومن أحكام دار الكفر نصيب؛ فيعامَل أهل الإسلام فيها بما يستحقون، ويعامَل أهل الكفر فيها بما يستحقون؛ فصحَّ أنها دار مركَّبة كما قال شيخ الإسلام، ولا مشاحَّة بَعْدُ في الاصطلاح بأن قيل: دار إسلام حكماً لا صورة أو حقيقة، أو دارُ كفر لكن الأحكام فيها تختلف وتتباين. غير أن إطلاق وصفها بالإسلام، أو الكفر قد تترتب عليه أحكام لا يريد من رأوا إطلاقها ترتيبها عليها.
ومن تأمَّل أحوال المسلمين اليوم في كثير من دول العالم الإسلامي – إلا من رحم ربك - وكذلك في بلدانهم المحتلة كفلسطين، وجد أن هذا القول أليق بأحوالهم من غيره، وإلاَّ جعل الدنيا دار حرب واسعة كما قالت الأزارقة[32]، أو جعلها في حكم دار الإسلام كما صنع بعض المعاصرين، والمختار بحمد الله أقرب دليلاً، والله أعلم.
الدار المركَّبة، وكذا دار الإسلام، يمكن أن تتحول دار كفر على الصحيح:
وذلك إذا ظهرت عليها أحكام الكفر، ولم يتمكن المسلمون من إقامة شعائر دينهم، فحينها تجب الهجرة عليهم، ومن بقي مع القدرة على الهجرة فقد عصى؛ فلا أثر لبقاءٍ هو معصية، وعلى هذا يمكن حمل ما نُقل من إجماع في ديار العبيديين الباطنية الذين أظهروا الشرك والرفض وقمعوا السُّنة.
وهل تتحول دار الإسلام إلى دار كفر إن بقي المسلمون متمكنين من إظهار شعائر دينهم؛ لكنهم قلة تذوب في الأكثرية الكافرة التي يطغى ظهور شعائرها؟ إن ذلك محل تردد، والأصل أن الانتقال يحتاج إلى ناقلٍ يتحمَّل.
ومما ينبغي أن يُذَكَّر به قبل مغادرة هذا البحث - حتى نتجنب اللبس الذي وقع فيه بعض المعاصرين - أن البحث هنا في تحوُّل الدار لا حدِّ دار الكفر الأصلية، والأصل أن هذه باقية على أصلها حتى ينقلها ناقل ظاهر، يتعدى شأن اختصاصها ببعض الأحكام؛ فهي مع اختصاصها دار كفر عند الجمهور إلى أن تُحكَم بالشرع، ويتحقق أمر الله: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ} [الأنفال: ٩٣]، و{قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْـحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْـجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: ٩٢].
والأدلة على أن غاية القتال علوُّ دين الله - تعالى - وصَغَارُ من خالف أمره، كثيرة ليس هذا موضعها؛ فمن جعل دار الكفر داراً مركَّبة أو دار إسلام لمجرد مظاهرَ أملاها العهد أو العقد الاجتماعي لتلك الدول، فقد أبعد النجعة، وكلام شيخ الإسلام وغيره من الأئمة عن ماردين ونحوها من البلاد التي وصفوها بالمركَّبة إنما هو في الدُّور التي ثبت لها حكم الإسلام ثم طرأ عليها ما قد يحوِّلها، فهذه هي التي فيها جدال الفقهاء قديماً، على أن القول بعودة مثل هذه دارَ كفرٍ منسوب للجمهور، ونعلم أنه قول كثير من فقهاء المذاهب، ولهم حججهم فيه؛ فلا يُستَنْكَر في مثلها؛ فكيف به إذا استُنكِر في دار الكفر الأصلية؟ والله المستعان.

[1] انظر: للشيخ خالد بن عبد الله البشر: تقسيم الدار في الفقه الإسلامي، ص288، 297، بحث تكميلي للماجستير، بإشراف د. حسن أبو غدة، جامعة الملك سعود، كلية التربية، قسم الدراسات الإسلامية، عام 1419هـ/1420هـ. ولعبد الله الجديع: تقسيم المعمورة في الفقه الإسلامي، ص135، الطبعة الأولى، لمؤسسة الريان، نشر الجديع للبحوث، عام 1429هـ/ 2008م.
 
[2] وهذه دار كفر عند عامة الفقهاء، انظر: للبشر المرجع السابق، ص303.
 
[3] المصدر السابق، ص308، والجديع، ص135.
 
[4] انظر: تضعيف قولِ بعض المعاصرين الذين جعلوها داراً مستقلة، ومناقشةَ استدلالاتهم في بحث خالد البشر السابق، ص316 وما بعدها. وعند د. إسماعيل لطفي فطاني: اختلاف الدارين وأثره في أحكام المناكحات والمعاملات، ص41، طبعة دار السلام، ط الثانية، 1418هـ/1998م، وأصله رسالة دكتوراة في الفقه المقارن من المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام نوقشت عام 1406هـ/1986م. وليس مقصودهم بالمستقلة المركَّبةَ، لكنْ الكفرية غير الحربية التي تشملها المعاهدات الدولية ونحوها فتصيِّرها أشبه بالإسلامية أو في حكمها، وممن نحا هذا النحو صاحب تقسيم المعمورة.
 
[5] انظر: أ.د عبد العزيز بن مبروك الأحمدي، اختلاف الدارين وآثاره: 1/277، طبعة عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية، ط الأولى 1424هـ، وكذلك بحث الدكتور خالد البشر، ص356، وأحكام الذميين والمستأمَنيين، لعبد الكريم زيدان، ص20، 21.
 
[6] خالد البشر، ص370، مصدر سابق.
 
[7] قاله بعض فقهاء الشافعية كابن حجر الهيتمي، انظر: تحفة المحتاج بشرح المنهاج مع حاشيتي الشرواني وابن قاسم 12/108، نقلاً عن المصدر السابق.
 
[8] انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 2/168، والبجيرمي على شرح منهج الطلاب: 4/220، والأنوار لعمل الأبرار للأردبيلي: 2/555، وفتاوى الرملي: 4/52 - 54.
 
[9] ذهب إلى هذا القول الإمام أبو حنيفة واختاره ابن عابدين والاسبيجاني والحلواني. انظر: بحث خالد البشر، ص379، والأحمدي: 1/283.
 
[10] نُسِب للهيتمي من قولٍ له في تحفة المحتاج: 12/109، مع أنه تقدَّم اختياروه، ونسبوه كذلك لابن نجيم الحنفي. انظر: البحر الرائق: 3/230، 231، وانظر: بحث البشر، ص388، 389، وفطاني، ص66، 67، ولم يظهر لي صواب النسبة إليهما، بل قول الهيتمي مخالف لقول ابن نجيم فيما يظهر؛ فهذا يرى أن الأرض تصير دار كفر في الظاهر – كمذهب صاحبَي أبي حنيفة المكتفي بظهور أحكام الكفر - فيعمل بمقتضى ذلك ويحكم به، والهيتمي يرى أنها لا تصير دار كفر إلاَّ في الصورة؛ وإلاَّ فهي دار إسلام حقيقة وحكماً.
 
[11] انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية: 28/240، 241.
 
[12] انظر: بحث خالد البشر، ص389.
 
[13] انظر: بحث البشر، ص389 - 391، والأحمدي: 1/278، وفطاني، ص66، وظاهر صنيع غيرهم عدم نسبته للجمهور، وليس ببعيد.
 
[14] وهذا ظاهر في تقسيم عبد الله بن يوسف الجديع، في كتابه: تقسيم المعمورة في الفقه الإسلامي، انظر: ص104.
 
[15] المصدر السابق، ص106.
 
[16] اختاره إسماعيل فطاني، ص67، 68، مصدر سابق.
 
[17] وهو مسلك أ.د عبدالعزيز الأحمدي: 1/277 - 295.
 
[18] خالد البشر، مصدر سابق، ص395.
 
[19] وهو مذهب المالكية. انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 2/188.
 
[20] وهو ما نحا إليه الجديع، انظر: تقسيم المعمورة، ص107، 108، مصدر سابق.
 
[21] متفق عليه من حديث ابن عباس، رواه البخاري: (2631)، ومسلم: (1353)، وفي الاستدلال بهذا الحديث بحث.
 
[22] البخاري: (585).
 
[23] انظر: حديث الصعب بن جثامة في التبييت المتفق عليه، البخاري: 3/1097 (2850)، ومسلم: 3/1364 (1745)، وغير موضع.
 
[24] وقد أشار إلى أن الأذان كان فرق ما بين بلد الكفر وبلد الإسلام غيرُ واحد، كالقاضي عياض، وانظر: إكمال المعلم شرح صحيح مسلم: 2/136، وفتح باري ابن رجب: 3/440، ونحوهما قال القاري.
 
[25] ابن رجب الحنبلي: فتح الباري في شرح صحيح البخاري، 3/442، 443.
 
[26] انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي، ص60، وأشباه ابن نجيم، ص66، والمنثور في القواعد للزركشي: 1/176.
 
[27] بعض المعاصرين مثل أ.د الأحمدي والجديع، بحثوا ذلك.
 
[28] كما في صحيح البخاري: (3708)، ومسلم: (1865).
 
[29] صحيح مسلم: (1731).
 
[30] السنن الكبرى: 9/15.
 
[31] أحكام القرآن للشافعي: 2/17، 18، وانظر: سنن البيهقي: 9/15 (17540).
 
[32] انظر: لعبد القاهر البغدادي: الفرق بين الفرق، ص63، ولابن قدامة: المغني: 10/168.
 


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة