أبجديات الحوار في المنظومة الإسلامية

Share
Share
أبجديات الحوار في المنظومة الإسلامية
أبجديات الحوار في المنظومة الإسلامية



الحوار من المبادئ الأساسية في الشريعة الإسلامية يهدي إلى تحقيق الحق والوصول إلى الصواب؛ لذلك أقره الإسلام فقال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ} [آل عمران: 64]، فهي آية تحث على الدعوة إلى ممارسة الحوار الهادف والبنّاء، وتؤكد تنويه الإسلام بمبدأ الحوار وجعله وسيلة لتحقيق الأهداف الإنسانية النبيلة.

الحوار من الدلالة اللغوية إلى المعنى الكلي

يدور المعنى المحوري للحوار والمحاورة في القاموس العربي حول الرجوع والمراجعة والعودة إلى الشيء المرة بعد الأخرى، يقول ابن منظور: "الحوْر الرجوع عن الشيء وإلى الشيء"، ويقول أيضاً: "والمحاورة المجاوبة"[1]، ولا يخفى ما في صيغة المجاوبة من العودة إلى الشيء المرة بعد الأخرى من أجل الإجابة عنه سلباً أو إيجاباً، وعامل العودة إلى الشيء التردد فيه، وهو ما يفيده كلام الراغب: "والحوْر التردد إما بالذات وإما بالفكر، ومنه التحاور، قال تعالى: والله يسمع تحاوركما"[2].

ومن خلال هذا العرض اللغوي يمكن أن نؤطر مدلول الحوار في مجال التواصل بقولنا: الحوار مراجعة للكلام والتجاوب بين طرفين حول موضوع معين، مع اختلاف وجهة النظر فيه، هدف كل طرف الوصول إلى الحقيقة، في أدب وموضوعية.

وليس من طبيعة الحوار إلزام الطرف الآخر بالأخذ بالفكر، ولذلك كانت الغاية من الحوار في المنظور الإسلامي هي الوصول إلى انزياح القناع عن وجه الحقيقة، مع عدم ضرورة إقناع الطرف الآخر بما تم التوصل إليه من الصواب والحقيقة عن طريق الحوار؛ لأن مهمة المحاور المسلم هي التبليغ وتبيين الحقيقة الخفية أو المنسية، {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلَّا الْبَلاغُ الْـمُبِينُ} [النور: 54]، وإن كان دافع المطالبة بالمشاركة في الاعتقاد والمعارف لا ينفك عن العملية الحوارية، يقول الدكتور طه عبد الرحمن: "وفي هذه المطالبة يكمن البعد الاجتماعي للحوارية، ومما يزيد هذا البعد الاجتماعي رسوخاً هو محاولة تجاوز الخلافات في الرأي بين المتحاورين تجاوزاً لا يأتي بالحل الوحيد والأوحد بقدر ما يأتي بحلول متوازنة ومعتدلة تستجيب لأوضاع تتغير عناصرها وتستجد مطالبها على مر الزمن"[3].

فللحوار في ثقافتنا الإسلامية أهمية عظيمة القدر، فهو مبدأ مفعم بمعان رفيعة الإفادة، عميقة التأثير، ويدل على ذلك ما ورد في القرآن الكريم في سورة الكهف بقوله تعالى: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} [الكهف: 34]، وعند قوله تعالى: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا} [الكهف: 37].

أصالة الحوار ومحوريته في الإسلام

عندما يتأمل الإنسان هذه الطبيعة وفقراتها، لا يستطيع أن يتجاهل أن الإسلام منذ بدايته دين يتوجه بالخطاب للعالم كله، ومن ثم فهو دين تفاعُلٍ واتصالٍ وخروجٍ للآخرين، وهو دين محجج بالحجج والبراهين والأدلة الغيبية والعقلية والكونية والإنسانية والتشريعية على صدقه وقوته وقدرته على التفاعل مع الآخرين، على أعلى مستويات الجدال والحجاج العلمي والأدبي الرصين؛ بحثاً عن الحق، وبناء عليه. وعندما نتحدث عن الحوار في الإسلام فإننا نتحدث عن طبيعة من طبائع الإسلام، وخاصة من أعظم خصائصه الأصيلة، فمسألة الحوار والتواصل مع الآخرين ليست مسألة تبعية نسبية في طبيعة الإسلام، وإنما هي مسألة محورية في المنظومة الدعوية الإسلامية؛ لكون الإسلام ديناً للناس أجمعين.

ولا يمكن أن نتصور ديناً عالمياً بخطابه وتوجيهاته وأهدافه كالإسلام، فهو دين يبحث عن المتحاورين والمتواصلين بشتى الطرق ليبيّن لهم عقيدته وشرعته وقيمه ورؤيته الكونية؛ ولذلك وجدنا نبي هذه الأمة يخرج إلى الناس في كل مكان ليبين لهم الإسلام وحقائقه.

ولو دققنا النظر في النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وعمقنا البحث في السيرة النبوية، وسيرة الخلفاء الراشدين، وسيرة علماء الأمة في مختلف العصور؛ لوجدنا آثاراً ضخمة للحوار والتواصل بين الإسلام والمسلمين وبين الأديان والملل والنحل والثقافات الأخرى على مختلف اعتقاداتها ورؤاها الكونية، وخير دليل على نزعة الإسلام الحوارية والتواصلية والتفاعلية مع الآخرين، ذلك التنوع الهائل في المسلمين أنفسهم، شعوباً وقبائل وأجناساً، حتى أصبحت أعظم خاصية من خاصيات الحضارة الإسلامية هي قدرتها الفاعلة على صهر مختلف الأجناس، واستيعاب تنوعها واختلافها، في إطار الإسلام وقيمه العليا. وما تنوع الثقافة الإسلامية وتنوع مشاربها وتجسداتها الكثيرة، إلا دليل آخر على تواصل الإسلام وحواره مع الآخرين.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن حوار الإسلام وتواصله لم يكن لأغراض سياسية وقتية عابرة، أو لأغراض شخصية ذاتية، أو لحل نزاعات طارئة؛ لكنه خصيصة فطرية في الإسلام ذاته.

ضوابط الحوار في الإسلام

الحوار أسلوب حضاري ووسيلة من وسائل التعامل في الحياة، فهو المعبّر عن سمات الشخصية الإسلامية السوية، مستندة إلى مبادئ الدين الحنيف، وتعاليمه السمحة، وهو بهذا المفهوم يقوم على قواعد أربع:

القاعدة الأولى: الإيمان بالله تعالى وبكتابه

هذه القاعدة هي المنطلق الأول الذي يجب أن يتأسس عليه دافع المؤمن ورغبته في محاورة الآخرين، لأنه يسعى فيه إلى تحقيق منفعة ومصلحة للدين الذي ينتمي إليه ولأمته. والإيمان قوة وعزة يعبر عن ثقة المرء بربه: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: ٨]، فهو عزيز النفس قوي الجانب صلب الإرادة ثابت المواقف، ولا يركن إلى الباطل ولا إلى الهوان والانهزام، وبهذا المفهوم ينظر إلى الحوار بأنه: سلاح معنوي من أسلحة السجال الديني الثقافي، ينافح به عن المصالح العليا للإسلام، ويحقق من خلاله ما لا يستطيع أن يصل إليه بالعُدد المادية. وإذا رجعنا إلى فقرات السيرة النبوية فإننا سنجد أن المنطلق الأساس الذي انبنى عليه حوار رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه، هو الإيمان وقوة العقيدة.

القاعدة الثانية: التأدب بأخلاق الإسلام قولاً وعملاً

وذلك من خلال التأسي بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وسيرة صحابته رضي الله عنهم، في الحوار ومخاطبة الناس: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّـمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: ١٢]. وإذا نظرنا إلى الحوار بأنه وسيلة من وسائل الإعلام عن الإسلام، ومن أساليبه الناجعة؛ فحري بأن يقترن بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل بالتي هي أحسن، قال تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن". وفي روح المعاني يقول الألوسي: الحكمة بالمقالة المحكمة، وهي الحجة القطعية المزيحة للشبه، والموعظة الحسنة هي الخطابات النافعة[4].

القاعدة الثالثة: الحرية والاختلاف

فقد أكد القرآن الكريم هذه الحقيقة، ووجه نبيه صلى الله عليه وسلم إلى أنه لا سبيل لحمل الناس بالقوة على وجهة واحدة في الهداية والإقناع واعتناق الدين، وإنما يجب أن يترك المخاطبين في حرية من أمرهم في تلقي الخطاب الإلهي، فقد قال الله تعالى: {إنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْـحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} [الزمر: 41]، وهذا في مجال العقيدة، حيث التعلق بأصول الدين وأركانه التي لا يقوم إلا بها، أما الاختلاف في الفروع فإن الإسلام لا يبيحه فقط، وإنما يحبذه أحياناً لما فيه من السعة على الناس واختيار الأنسب لهم.

القاعدة الرابعة: طلب الحق والبحث عنه

من القواعد التواصلية في منظومة الحوار الإسلامي الهادف، طلب الحق والسعي للوصول إليه والتماس الصواب بمختلف الوسائل المتاحة والسبل المتيسّرة التي يمكن لها أن تحقق مصالح العباد وتؤمن مصالح الدين دون العدول والانحراف عن محجة الشرع الإسلامي الحنيف، ليبقى الحوار وسيلة وقناة يتم العبور بواسطتها نحو الحقيقة، وبشرف الغاية تشرف الوسيلة. وعليه؛ فلا ينبغي أن ننظر إلى الحوار كغاية ومقصد في ذاته؛ لما يؤدي إليه هذا النظر من المكابرة والجدال الخارج عن نطاق القيم والموضوعية، وإنما ينبغي أن ننظر إلى الحوار على أنه إحدى وسائل البلاغ عن الله تعالى وعن رسوله بعلم وأدب.

فهذه القواعد الأربع التي تم عرضها هي المحاور الرئيسة التي ينبني عليها الحوار الإسلامي الصحيح، وإن اختلفت طبيعة كل واحدة منها عن الأخرى في الأصل، لكنها مرتكزات أساسية تتكامل فيما بينها متضامنة لتبلور عملية الحوار حسب المنهج الإسلامي الصحيح والهادف.

فقاعدة الإيمان هي المنطلق الأساس لعملية الحوار ومرتكزه الأول، وقاعدتا التخلق بأخلاق الدين الإسلامي الحنيف والحرية في التفكير، هما منهجه ووسيلته، ثم تأتي قاعدة البحث عن الحقيقة والصواب لتكوّن مضمون الحوار والمقصد الذي يهدف ويرمي إليه، ويبقى الحوار نفسه وسيلة وقناة من قنوات الإعلام برسالة الإسلام وبيانها للعالم.

وما ذكرناه من قواعد الحوار الإسلامي كان على وجه الكلية والإجمال، وإلا لو أردنا الوقوف على جزئيات قواعد الحوار الإسلامي لطال بنا المقام، وما ذكر يدخل تحته ما لم يذكر، وما يلاحظ اليوم من حوارات عقيمة الإنتاج باسم الدين تارة، وباسم المجتمع تارة أخرى؛ ما هي إلا صور من صور الحوار المهلهل الذي فقد أصوله العلمية والتربوية، وما لا أصل له لا قيام له ولا يرجى إنتاجه.

وعلى العموم: يبقى المنهج الحواري السليم الذي رسم ضوابطه الدين الإسلامي منهجاً مؤطراً لعملية الجدل والمناظرة والمناقشة من أجل الوصول إلى الحقيقة، فالحوار يعمّ كل هذه المجالات، وهو الوسيلة الوحيدة للتبليغ والمدافعة على الصواب، ولذلك كان الحديث عن المنهج الإسلامي في ضبط عملية المحاورة حديثاً يفيد المجال العلمي والتربوي والدعوي، وما أحوج المنظومة الدعوية إلى محاولة تجديد طرق البلاغ عن الله تعالى بعد ما شابها من ضعف في التأثير على المتلقي، وقصور في استيعاب قضايا الناس في الواقع، لفقدان حوار فاعل قائم على الموضوعية العلمية ومؤطر بالمبادئ والقيم التربوية.

 

:: مجلة البيان العدد  323 رجب 1435هـ، مايو  2014م.


[1] لسان العرب لابن منظور، 4/ 217 - 218، دار صادر.

[2] المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني، ص 142، المكتبة التوفيقية.

[3] في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، د. طه عبد الرحمن، ص 37 ، المركز الثقافي العربي.

[4] روح المعاني للألوسي، 14/660، دار الحديث.


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة