الخوف من الله

Share
Share
الخوف من الله
الخوف من الله


 

إن الخوف انفعال جبلّي وضعه الله في الإنسان طبعاً وغريزة بحيث لا تخلو من بوادره نفس بشرية، وذلك في حالتين منفصلتين:

توقع مكروه وضرر مشكوك في وقوعه.

أو انتظار ما يحذر ويتوقى منه، سواء كان مظنوناً أو متيقناً من حدوثه.

وكل من التوقع والانتظار مما يكون في مستقبل الزمان لا حاضره.

ويُحدث الخوف كانفعال نفساني خفة في القلب ونفوراً مما أحست به النفس بما لا يوافقها؛ لأن النفس إذا استشعرت ما لا يلائمها ذعرت وفزعت، فيقع القلب في ضيق المستقر، أي يخف وينزعج عن مكانه. أما إذا وجدت النفس الوفاق والملاءمة مما لا يكره أو يحذر منه، استقر القلب في مكانه، أي أمن، والأمن يحل في القلب محل الخوف، وهو عدم توقع مكروه أو محذور منه في الزمن الآتي.

ولا يراد بالخوف من الله تعالى ما يتعلق بالأمور المزعجة التي يتوقع حدوثها، أو الوقاية من الأشياء الواجب الاحتراس منها؛ بل يراد به مستلزمات الخوف وموجباته؛ كالامتناع عن المعاصي، واختيار الطاعات والثبات عليها في كل وقت وحين، يقول تعالى: {إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175].

والمعنى: لا تفعلوا ما يقتضيه الخوف من خلقي فتتابعونهم في ارتكاب المعاصي، وافعلوا ما يقتضيه خوفي؛ كفاً عن المعاصي والموبقات، وبعداً عنها، وإقبالاً صادقاً على فعل الطاعات وحرصاً عليها، ولذلك صح قول من قال: لا يعد خائفاً من الله من لم يكن للذنوب تاركاً.

وتخويف الله الوارد في قوله تعالى: {لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ} [الزمر: 16]، وقوله: {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59]؛ المقصود به الحض على الطاعة والإغراء عليها، والمبالغة في حفظها، حتى يتحول الخوف إلى حالة دائمة في نفس المؤمن تحثه على ما يزيده قرباً من الله تعالى.

والخيفة اسم المصدر من الخوف جاءت لغة وواقعاً على صيغة الحال والكيفية، وليس المراد بها الحال والكيفية، فيقول تعالى: {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْـجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205].

والخيفة هي بدورها انفعال نفسي يجده المؤمن في خاصة نفسه، فكانت مستلزمة كما في الآية السابقة للتخافت بالكلام خشية أن يشعر بالمرء من يخافه، فلذلك كنى بها في هذا الموضع عن الإسرار بالقول مع الخوف من الله، فكأنه قال تضرعاً وإعلاناً وخفية وإسراراً.

أما الخيفة التي خُصّ بها الملائكة في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ 12 وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْـمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} [الرعد: 12-13]؛ فهي تنبيه إلى أن تنزيه الملائكة لله وتقديسهم له هو لأجل الخوف منه، أو بمعنى آخر خوفاً مما لا يرضى الله به منهم، وهو التفصيل في تنزيهه. والخوف للملائكة هو حالة لازمة لهم لا تفارقهم أبداً.

وأياً ما كان الأمر فقد جمع الله تعالى بين الخوف منه كمجاهدة يحمل فيها المؤمن نفسه على اجتناب المحارم، وبين التحرز والتيقّظ من الوقوع فيها وقاية للنفس وحماية لها من التردي في مهاوي الشرور، فيقول تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].

ومعنى الحذر والتحذير اجتناب المخالفة خوفاً من الله، مما يدل على أن التحذير هو تحفظ إزاء أمر لم يحدث إذا تيقن المرء حدوثه أو غلب على الظن حدوثه، فهو إذن خوف وتخويف قصد به مدافعة الوقوع في المعاصي، أو على أقل تقدير وضع النفس في حالة استعداد وتيقظ وتأهب مما حذرت منه، أو خوفت به.

ويقول أيضاً في التحذير من مخالفة أوامره: {لا يَتَّخِذِ الْـمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْـمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإلَى اللَّهِ الْـمَصِيرُ} [آل عمران: 28].. فالله تعالى جعل التحذير هنا من نفس الله، أي ذاته العالية؛ ليكون ذلك أعمّ في كل الأحوال؛ لأنه لو لم يقل يحذركم الله من غضبه لتوهم متوهم أن لله رضاً لا يضر معه تعمد مخالفة لأوامره.

أما قوله تعالى في خطابه للمؤمنين {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 30]، فهو تحذير لعباده، لكن فيه تبعيد من الوقوع في المخالفة وليس إخراجاً لهم بعد الوقوع فيها؛ ولذلك ذيله تعالى بقوله: {وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} للتذكير فقط بأن هذا التحذير لمصلحة المحذرين.

وكما حذر الله تعالى عباده وقاية لهم من مغبّة مخالفته، فقد أنذرهم أيضاً، والإنذار مثل التحذير إخبار وإعلام فيه تخويف من عواقب المعصية، أو الإقدام على عمل من الأعمال المنهي عنها قبل وقوعها، أي يتسع زمانه للاحتراز، فإن لم يتسع زمانه للاحتراز كان إشعاراً فقط. ويختلف الإنذار عن التحذير في تحديد موضع المخافة والتخويف، يقول تعالى: {وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ} [الأنعام: 19]، ويقول: {فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى} [الليل: 14]، ويقول: {إنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا} [النبأ: 40].

ولا شك في أن إنذار الله لعباده فيه إحسان لهم؛ لأن الله تعالى إذا لم يخوفهم فعلى الأقل أنذرهم، وكلما كانت المخافة أشد كانت النعمة بالإنذار أتمم وأكمل؛ ولذلك كان النبي أعظم الناس منة بإنذاره قومه من عقاب الله يوم القيامة.

ويرادف الخوف في المعنى ويخالفه في المتعلق الخشية؛ فإذا كان الخوف حالة من القلق والألم النفسيين تصيب العبد من جراء ارتكابه الذنوب وتقصيره في طاعة الله؛ فإن الخشية هي أيضاً حالة من القلق القلبي والألم النفسي، لكنها تحدث في حالتين:

إما كثرة جنايات العبد وتفريطه في أوامر الله ونواهيه.

وإما عند الشعور بمعرفة جلال الله وعظمته وهيبته.

لأجل ذلك عُرّفت الخشية بأنها خوف يشوبه تعظيم، أو خوف من تعظيم المخشى منه من جهة ونتيجة لمعرفته من جهة أخرى، فهي تتعلق في الأصل بمنزلة المخشى منه، وتتضمن العلم بما يخشى منه، فارتفعت فوق منزلة الخوف وبلغت كحالة قلبية ونفسية من الشدة والقوة ما ميزها عن غيرها من الحالات.

ونتيجة طبيعية لبروز جانب العلم في الخشية بشقيه اعتقاداً في المخشى منه، وإدراكاً عميقاً بمآل المخشى منه وعاقبته؛ فقد خصّ الله تعالى بها العلماء دون غيرهم فقال: {إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].

فنبه الحق عز وجل هنا إلى أن الذين يخشون الله من البشر هم العلماء الذين لا صلة لعلومهم بمعرفة الله تعالى ومعرفة منهجه، فليست علومهم مقربة لهم من خشية الله؛ لأن العارف بالله لا تلتبس عليه حقائق الشريعة، ويعلم عواقبها من خير أو شر، ويأتي منها ويدع ما فيه مراد الله ومقصد شرعه؛ فإن هو خالف ما دعت إليه الشريعة في بعض الأحوال لداعي الهوى والشهوة، أو تعجل في نفع دنيوي؛ كان موقناً في حالة مخالفته أنه وقع فيما لا تحمد عقباه، ولا يلبث ذلك اليقين حتى يدفعه للإقلاع عن المخالفة.

ومعظم المواضع التي ذكرها الله تعالى في القرآن عن الخشية دون تخصيص، يحمل على المعنى السابق، منها:

- قوله تعالى: {طه 1 مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى 2 إلَّا تَذْكِرَةً لِّـمَن يَخْشَى} [طه: ١ - ٣]. والمخاطب من الآية بالخشية هو كل من يفكر في النجاة من الآخرة وعذابها، وبالتالي فالمراد بها خوف الله، أي أن المراد المآل.

- وقوله: {فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ} [التوبة: ٣١]، أي الله أحق أن تخشوه إذا خطر في نفوسكم خاطر عدم الامتثال لأمره؛ لأن الإيمان يقتضي الخشية من الله وعدم التردد في الامتثال لأمره.

- وكذلك قوله: {مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} [ق: ٣٣]. غير أن الخشية هنا أطلقت على أثرها وهو الطاعة، فدلت في هذه الحالة على صدق الطاعة لله بحيث لا يرجو ثناء أحد ولا ذمه.

ولا تقف الخشية كخوف باعث على امتثال الأمر التكليفي على الإنسان وحده، بل إن من الجمادات ما ينفعل بها كانفعال المؤمن سواء بسواء، يقول تعالى في وصفه للحجارة: {وَإنَّ مِنْهَا لَـمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْـمَاءُ وَإنَّ مِنْهَا لَـمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: 74]. والحجارة ليس لها قلب حتى تكون لها خشية. فجرت الخشية في حقها مجرى المجاز العقلي عن قبولها للأمر التكويني، أي انقيادها لأمر الله تعالى، فهي لا تمتنع مما يريده الله منها، وقد تكون الخشية تمثيلاً لحالتها عند الأمر التكويني بحالة المكلف عند الأمر التكليفي.

والوجل مثل الخشية من مرادفات الخوف، فهو من الناحية الانفعالية كالخوف، حيث يستشعر فيه القلب قلقاً واضطراباً. ويفرق المؤمن بينه وبين الخوف فيقول بوضوح أنا من هذا على وجل، ولا يقول أنا من هذا على خوف؛ لأن الوجل حالة يحس فيها المرء بخوف ليست له علامة مميزة، فيشيع في القلب انفعالات متعددة هي دوماً على خلاف الطمأنينة وسكون النفس.

وقد نبّه الله تعالى إلى هذا الفارق الدقيق بين حالتي الخوف والوجل فقال: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون: 60]، أي يفعلون ما يفعلون من الأعمال الصالحة وهم يضمرون خوفاً على ما قدموه من طاعات، وينتابهم القلق حين يرجعون إلى الله فلا يجدونه راضياً عنهم، أو لا يجدون عنده ما يجده غيرهم ممن لم يفتهم عمل من الأعمال الصالحة؛ ولذلك فهم يسارعون في الخيرات ويكثرون منها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

ويقول أيضاً: {إنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال: ٢]، فذكر الله يكون اسمه وذكر عقابه وثوابه ورحمته، وكل ذلك يحدث الاضطراب والقلق في نفوس المؤمنين، فينتج عنه استحضار جلال الله وشدة بأسه وتوقع انقطاع ثوابه أو رحمته، مما يبعث في قلب المؤمن الاستكثار من أعمال الخير، وتوقي ما لا يرضى الله عنه، والوقوف عند حدود أوامره ونواهيه.

وتقترب الرهبة إلى حد كبير من الوجل في كونها حالة يشعر فيها المؤمن بالاضطراب والقلق، غير أن الاضطراب والقلق في حالة الوجل قد يزول بزوال مسبباته، أما الرهبة فهي حالة دائمة ومستمرة من الخوف؛ لأن صاحبها يهرب دوماً لتوقع ارتكابه للمعاصي، وتقصيره في الطاعات، ومن علامتها البارزة: انقباض القلب وانزعاجه، مع ظهور الحزن الشديد على صفحة الوجه.

ولاشتمال الرهبة على عنصر الاضطراب وحده، وما يضاده من عدم الاطمئنان، قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البقرة: 40]، وقال أيضاً: {وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الأعراف: 154].

ومما يندرج أيضاً تحت دائرة اضطراب القلب وانزعاجه لتوقع مكروه ما: الفزع؛ لأن الفزع هو الآخر انقباض يعتري المؤمن، ويتوقع أن يكون سبباً في حدوث الآلام، إلا أن الفزع يساوقه دوماً إحساس شديد بما يخيف وإعراض عنه ومحاولة مستميتة للتخلص منه.

ونتيجة طبيعية للعلاقة بين الفزع والنفور لا يقال فزع من الله؛ لأن المؤمن لا ينفر ولا يتباعد عن الله، وإنما ينفر من عقابه، ومعظم الآيات التي ورد فيها الفزع جاءت وصفاً للناس يوم البعث والنشور، منها:

- قوله تعالى عقب النفخ في الصور: {فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} [النمل: 87]، فيحصل الفزع في ذلك اليوم من عاقبة الحساب ومشاهدة أهوال يوم الحساب، ولذلك يخاف كل أحد خوفاً شديداً من أن يكون معذباً، وجيء بصيغة الماضي في قوله {فَفَزِعَ} مع أن النفخ أمر مستقبلي للإشعار بتحقق الفزع لا محالة.

- وقوله تعالى: {وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إلَّا لِـمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْـحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ: 23]، ففي ذلك اليوم يأذن الله للأخيار بالشفاعة، وهؤلاء الذين لا يرجون نوال الشفاعة ينتظرون وهم في فزع ألا يؤذن لهم بالشفاعة فيهم، فإذا جاء الإذن بالشفاعة زال عن قلوبهم الفزع واستبشروا خيراً، في حين أيس المحرمون منها، وينتظرون حلول العذاب بهم في أي لحظة.

:: مجلة البيان العدد  324 شعبان 1435هـ، يونيو  2014م.


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة