المشهد السياسي الليبي.. لمحة عامة

Share
Share
المشهد السياسي الليبي.. لمحة عامة
المشهد السياسي الليبي.. لمحة عامة



تعيش ليبيا هذه الفترة فوضى عارمة في كل شأن من شؤون الحياة؛ فالاضطراب السياسي يُلقي بظلاله على المواطن الليبي، بدءاً بلقمة العيش المتمثلة في الوقود ونحوه، وانتهاء بحياته نفسها التي قد تخطفها رصاصة من السلاح المنتشر في كل ربوع الوطن. إلا أن المتأمل في الواقع الليبي سيدرك أن ثمّ عوامل وأسباباً لهذه الفوضى لا يمكن بحال من الأحوال إهمالها لمن أراد أن يتناول الواقع الليبي اليوم. وفي هذه القراءة سنحاول أن نستعرض أهم هذه الأسباب.

الواقع السياسي والثقافي زمن حكم القذافي

الموروث الثقافي والسياسي الذي عاشه الليبيون طيلة 42 سنة، كان له بالغ الأثر على السياسة اليوم، حيث إن العمل الجماعي والحزبي يُعد جريمة يُعاقب عليها نظام القذافي عقوبات مختلفة، تصل في الغالب إلى الإعدام. وبناء على ذلك حُرم الليبيون الانخراط في الأحزاب والروابط والجمعيات والهيئات ونحو ذلك، وهذا الحرمان شمل جميع طبقات المجتمع، كالسياسيين والطلاب والعمال والمحامين والمهندسين ونحوهم. ويُضاف إلى ما تقدم أن نظام القذافي كان عنيفاً للغاية وشرساً في غاية الشراسة في محاربته التيار الإسلامي؛ فقد شنّ حرباً لا هوادة فيها، قتلاً وسجناً وطرداً وتهجيراً، على التيار الإسلامي بجميع أطيافه. وعلاوة على ما تقدم التشويه الإعلامي المستمر على مدار 42 سنة لأبناء التيار الإسلامي، ما أدى إلى وجود ثقافة عدوانية لدى أبناء الشعب الليبي لكل من ينادي بالتمسك بالسّنة والعودة إلى أصالة الإسلام. فهذان العاملان: تجريم العمل المُنظم ومحاربة التيار الإسلامي وتشويهه؛ كانا من أكبر العوامل التي ألقت بظلالها على المشهد السياسي الليبي اليوم.

الانتخابات الأولى بعد سقوط نظام القذافي

بعد اندلاع ثورة السابع عشر من فبراير 2011م، تم تشكيل المجلس الانتقالي، وهذا الجسم يُعد الجسم السياسي الأول الذي شكّله الليبيون بعد نيفٍ وأربعين سنة من الإقصاء السياسي الذي مارسه القذافي للشعب الليبي. والمجلس الانتقالي تشكّل في ظروف الحرب وعنفوان الثورة. ولسنا في هذه العجالة بصدد تقييم هذا المجلس وعدِّ عيوبه ومزاياه، إنما الذي يعنينا هنا هو قانون الانتخابات الذي صدر منه. فقد وقع خلاف كبير وأخذ وردّ حول قانون الانتخابات؛ فبينما حرص أعضاء المجلس الانتقالي المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين غاية الحرص على أن يكون النصيب الأوفر لنظام القوائم = الأحزاب، خالفهم بعض أفراد المجلس الانتقالي من ذوي الميول العلمانية، وكانت مطالبهم بأن يكون النصيب الأوفر للأفراد = المستقلين. وبعد مداولاتٍ استقر الأمر على أن يكون عدد أعضاء المؤتمر الوطني = البرلمان الذي سيحل محل المجلس الانتقالي، 200 عضو، منهم 80 عضواً عبر القوائم، و120 عضواً عبر الأفراد المستقلين. وقد حرص الإخوان المسلمون على أن تكون نسبة القوائم أعلى من نسبة الأفراد؛ كونهم الجماعة أو الحزب الأكثر انتشاراً وتنظيماً في ليبيا، حيث إن نشاطهم التنظيمي كان سريّاً منذ زمن القذافي، إلا أنّ إصرار بعض أعضاء المجلس الانتقالي ذوي التوجه العلماني جعل نسبة القوائم أقلّ من نسبة المستقلين. وعلى كل حال، فمع حرص جماعة الإخوان المسلمين على أن تكون نسبة القوائم أعلى من نسبة الأفراد، إلا أنّ صدور القانون على خلاف ذلك كان لصالح التيار الإسلامي في نهاية المطاف }والله غالب على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون{.

وفي تلك الأثناء استقال د. محمود جبريل من رئاسة المكتب التنفيذي، ثم انطلق يطوف مدن وقرى وقبائل ليبيا في حملة دعائية ضخمة للغاية، في الوقت الذي لم تحرَّر فيه بعض المدن من نظام القذافي، ولم يتم إعلان التحرير بعد. فبينما كان عامّة الثوار في الجبهات أعلن د. محمود جبريل إنشاء أكبر حزب تحت مسمّى «حزب تحالف القوى الوطنية» بقيادته. الإشكال الكبير ليس فيما تقدم، إنما الإشكال أن الدعاية الانتخابية لهذا الحزب كانت مرتكزة فقط على صورة د. محمود جبريل، وهذه الصورة بالنسبة للمواطن البسيط الذي عاش أربعة عقود من الحرمان، تعني الحرية، وتعني التنمية المستدامة، وتعني العيش الكريم، وتعني كل المعاني التي ثار من أجلها الشعب الليبي؛ وهذه المعاني ذاتها كان د. محمود جبريل يكررها ويرددها حينما كان يطوف المدن والقرى والقبائل؛ ولذلك كان الإقبال على التصويت لهذه الصورة كبيراً جداً، ولم يكن يخطر ببال أحد من الليبيين أن وراء تلك الصورة أعضاء المؤتمر الوطني الحاليين، والذين منهم أتباع النظام السابق، ومنهم من هو متورط في فساد مالي وإداري، ونحو ذلك. وهذه النقطة تحديداً كانت من أكبر الأسباب التي تسبّبت في الأزمة السياسية الحالية، حيث إن كتلة تحالف القوى الوطنية في المؤتمر الوطني كانت هي المهيمنة على المشهد السياسي في البلد.

المؤتمر الوطني العام

يُعد المؤتمر الوطني العام أول جسم سياسي يتم انتخابه من قِبل الليبيين بعد سقوط نظام القذافي، وكان لكتلة تحالف القوى الوطنية بقيادة محمود جبريل، نصيب الأسد تحت قبّة المؤتمر، حيث إن نسبة أعضاء المؤتمر الذين فازوا عبر القوائم عامتهم من حزب تحالف القوى الوطنية، أما الأفراد المستقلون فكان عامتهم من غير تحالف القوى الوطنية، وهذا خلاف ما كان يتوقعه الإخوان المسلمون. وهذه النتيجة جعلت القوى الإسلامية والوطنية تعقد التحالفات حتى تُحدث نوعاً من التوازن في قرارات المؤتمر الوطني. وقد وقعت عدة صراعات ومساجلات حول عديد من القضايا داخل أروقة المؤتمر الوطني، كان من أسوئها أثراً على المشهد السياسي توافق حزب تحالف القوى الوطنية مع حزب العدالة والبناء على سحب الثقة من رئيس الوزراء السابق د. مصطفى أبو شاقور واستبداله برئيس الوزراء السابق علي زيدان. واختيار علي زيدان لرئاسة الوزراء كان من أسوأ القرارات التي اتخذها المؤتمر الوطني، فلم يكن همّ علي زيدان إلا السعي الحثيث لإرضاء الغرب، وقد طلب في غير مناسبة من الغرب أن يتدخل من أجل الأمن في ليبيا. أما في الشأن الداخلي فقد بدد الأموال الطائلة لدعم بعض القبليين والانفصاليين وبعض الكتائب الموالية له، وقد ثبت أنه متورط في دعم الانفصاليين الذين يسيطرون على حقول النفط شرق البلاد، بل بلغ به الحال أن اشترى ولاء كثير من أعضاء المؤتمر الوطني، وغير ذلك من الأمور التي أربكت المشهد السياسي وزادته تعقيداً، وقد سعى المصلحون مراراً لسحب الثقة منه، إلا أنّ تلك المحاولات باءت بالفشل، إلى أن يسر الله أخيراً الحصول على النصاب الكافي لسحب الثقة منه، وفي نفس اليوم الذي اتخذ فيه قرار عزله، فرّ هارباً إلى مالطا، ثم إلى ألمانيا، تاركاً خلفه الكثير من التساؤلات والعديد من الملفات المعقّدة.

قانون العزل السياسي

من العلامات الفارقة التي كان لها بالغ الأثر على المشهد السياسي الليبي، قانون العزل السياسي، فقد أخذ هذا القانون حيّزاً كبيراً من الجدل، سواء كان على مستوى النّخب أو على المستوى الشعبي، ففي الوقت الذي كانت فيه القوى الثورية تدفع بكل قوة نحو إقرار قانون العزل السياسي، كان حزب التحالف بقيادة د. محمود جبريل يدفع بكل قوّة نحو النقيض من ذلك، وقد ذكرتُ في مطلع حديثي أن بعض أعضاء حزب التحالف كانوا من بقايا النظام السابق، بمن في ذلك د. محمود جبريل رئيس الحزب، ولأجل هذا السبب كان إصرار حزب التحالف على عدم إقرار قانون العزل السياسي. على كل حال، أُقر قانون العزل بعد جهد كبير، إلا أن حزب التحالف بقيادة د. جبريل وسّع القانون، فجعله يشمل رؤساء الدوائر والأقسام ونحوهم ممن كان لهم منصب قيادي في نظام القذافي، وكذلك جعلوه من تاريخ 1/ 9/ 1969م - تاريخ انقلاب معمر القذافي على النظام الملكي السنوسي - بحيث يشمل أكبر قدر ممكن من شرائح المجتمع الليبي، وبهذه الطريقة تأزّم المشهد السياسي الليبي، وانطلق بعد ذلك رؤساء وقياديو حزب التحالف السياسيون والإعلاميون والعسكريون يثيرون البلابل والفتن، وكان غاية همّهم إسقاط المؤتمر الوطني حتى يسقط معه قانون العزل السياسي.

التيار الإسلامي والفرص الضائعة

هناك خصائص في بلادنا تختلف اختلافاً كبيراً عن سائر الدول العربية، بل الإسلامية عموماً، ومع وجود هذه الخصائص إلا أن التيار الإسلامي في ليبيا لم يستغلها لصالحه، وسأوجز أهم هذه الخصائص كالتالي:

- من مكر نظام القذافي بالشعب الليبي أنه دمّر الجيش الليبي في حروب لا ناقة لنا فيها ولا جمل؛ كحرب تشاد ومصر ونحو ذلك. وعوضاً عن الجيش الليبي أنشأ القذافي كتائب أمنية تقوم بحمايته وأسرته، وبناء على ذلك حينما انهار نظام القذافي انهارت الكتائب الأمنية، فلا توجد مؤسسة عسكرية في ليبيا اليوم يمكن من خلالها حسم الصراع كما حدث في مصر أو تونس أو اليمن أو سورية.

- ومع وضوح هذه القضية في ليبيا، أي عدم وجود مؤسسة عسكرية، إلا أن الكتائب العسكرية التي يغلب عليها الطابع الإسلامي، ما زالت إلى يومنا هذا مترددة في الدخول أو بالأحرى تأسيس المؤسسة العسكرية، باعتبار أن النظام القائم «المؤتمر الوطني» نظام طاغوتي لا يحكم بغير ما أنزل الله! بل ذهبت بعض الجماعات الإسلامية في ليبيا إلى تكفير كل من ينضم إلى المؤسسة العسكرية أو يستلم منها مرتباً!

- من الخصائص التي تميز بها الشعب الليبي، أنه شعب مسلم بالكامل، وأنه شعب سُنّي مالكي بنسبة 98% تقريباً. ومع وجود هذه المزايا إلا أن الخطاب الإسلامي لا يزال قاصراً عن إقناع الشارع بمشاريعه!

- من الخصائص أيضاً أن الواقع الليبي انقسم إلى قسمين: قسم أنصار ثورة 17 فبراير، وقسم ضد 17 فبراير. وعامة التيار الإسلامي تقريباً من أنصار الثورة، يضاف إلى ذلك العديد من المدن والقبائل والمناطق القوية التي تملك السلاح والمال والعتاد، والتي كان لها بالغ الأثر في انتصار الثورة، إلا أن التيار الإسلامي لم يُحسن التعامل مع هذه القوى في العموم الغالب.

- من الخصائص أيضاً أن عالماً من علماء الإسلام كان له بالغ الأثر في انتصار الثورة، وهذا العالم هو مفتي ليبيا فضيلة الشيخ د. الصادق بن عبد الرحمن الغرياني - حفظه الله -، وهو رصيد كبير للتيار الإسلامي في ليبيا، حتى إن السفيرة الأمريكية في ليبيا ديبورا جونز قامت بزيارته في دار الإفتاء، وحينما سُئلت عن سبب زيارتها للمفتي قالت إنها قامت باستبيان حول الشخصيات المؤثرة في ليبيا فوجدت من بينهم المفتي، ومع ذلك لا يزال كثير من أبناء التيار الإسلامي لم يحسن التعامل مع هذا الرصيد الكبير.

الواقع الحاضر

رغم أن العملية السياسية في ظاهرها تسير في الاتجاه الذي يرسمه المؤتمر الوطني؛ فقد تمّ انتخاب لجنة السّتين لإعداد مسودة الدستور، وجارٍ الإعداد لانتخابات البرلمان القادم الذي سيكون البديل للمؤتمر الوطني العام؛ إلا أنني أعتقد أنه لن يُحسم هذا الصراع السياسي المحموم لصالح جهة دون جهة، فموازين القوى متفرقة بين المدن والقبائل والقرى، وهذه المدن والقبائل والقرى كما أسلفتُ لا تجمعها رؤية سياسية واحدة، فبعضها يعقد الولاء لثورة 17 فبراير، وبعضها على العكس من ذلك. فقضيتنا تحتاج إلى حوار وطني جاد يبادر به رجال صادقون يجعلون مصلحة الوطن فوق الاعتبارات القبلية والحزبية، ويقوم هذا الحوار على مشتركات تشترك فيها جميع القوى السياسية والقبلية، وتُضيّق أو تُؤجل الخلافات إلى حين إشعار آخر، فما لم نسلك هذا المسلك فإن جميع القبائل والمدن والقرى على اختلاف مشاربها ستدفع الثمن باهظاً على مدار سنين لا يعلم عددها إلا الله جلّ في علاه.

:: مجلة البيان العدد  324 شعبان 1435هـ، يونيو  2014م.

 


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة