مذهب أبي مرة

مذهب أبي مرة

إنه مذهب تليد، أوسع المذاهب انتشاراً وأكثرها أتباعاً، وأقلها اندراساً؛ لم يتوقف ظهوره على دين من الأديان، أو على ملة من الملل، بل ظهر في كل دين، وانتشر في كل ملة.

لم تظهر عليه آثار الانقراض والهرم، وإن بدت فيه آثار التعب والإعياء أحياناً؛ وهذا لأن مؤسس هذا المذهب، وواضع أصوله، لا يزال على قيد الحياة، لا يزال يهذب أصوله، ويجدد قواعده، ويلبسه أبهى الحلل.

بدأ تأسيس قواعده عندما أمر رب العزة الملأ الأعلى بالسجود لآدم، بعد أن خلقه بيده وصوره في أحسن صورة، وأجمل هيئة، قال رب العزة: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلَّا إبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ 11 قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: ١١، 12].

إنه معارضة الوحي بالرأي، والشرع بالهوى، ومقابلة النص بالقياس، إنه تقديس العقل، وتأليه الهوى حتى يعبد من دون الله؛ فكان هذا الشيخ أول من عارض الوحي بالرأي وقابل النص بالقياس وقدمه عليه، وتأول لنفسه أن هذا القياس العقلي مقدم على نص الأمر بالسجود، فإنه قال {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ}، وهذا دليل قد حذفت إحدى مقدمتيه وهي: أن الفاضل لا يسجد للمفضول، وطوى ذكر هذه المقدمة كأنها صورة معلومة، وقرر المقدمة الأولى بقوله: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}.

فكان نتيجة المقدمتين، امتناعه من السجود، وظن أن هذه الشبهة العقلية تنفعه وتشفع له؛ فجرى عليه ما جرى، وصار إماماً لكل من عارض نصوص الوحي بتأويله إلى يوم القيامة[1].

فلا إله إلا الله والله أكبر، كم صار لهذا الإمام اللعين من أتباع في العالمين؟

وأنت إذا تأملت مادة هذا القياس، وصورته وجدته أقوى من كثير من قياساتهم التي عارضوا بها الوحي.. وكلها باطل.

وقد اعتذر أتباع الشيخ بأعذار منها:

1- أنه لما تعارض عنده العقل والنقل قدم العقل.

2- أن الخطاب بصيغة الضمير في قوله: {اسْجُدُوا} لا عموم له، فإن الضمائر ليست من صيغ العموم.

3- أنه لم يعتقد أن الأمر للوجوب، بل حمله على الاستحباب؛ لأنه المتيقن.

4- أنه حمله على التراخي، ولم يحمله على الفور.

5- أنه صان جناب الرب أن يسجد لغيره، وأنه لا يليق به السجود لسواه، فبالله! تأمل هذه التأويلات، وقارن بينها وبين كثير من التأويلات التي يذكرها كثير من الناس[2].

ولما علم الشيخ خطورة هذا المذهب، وعلم أنه لا شيء أبلغ من مناقضة الوحي والشرع، وإبطاله من معارضته بالمعقول، أوحى إلى إخوانه وتلاميذه من الشبهات الخيالية، ما يعارضون بها الوحي وأوهم حزبه أنها قواطع عقلية. قال تعالى: {وَإنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام: ١٢١]. إن معارضة الوحي بالعقل أس الضلال وأصل الغلط، وأعظم أسباب الشطط؛ قال محمد الشهرستاني: «أصل كل بلية في العالم من معارضة النص بالرأي، وتقديم الهوى على الشرع»[3]، وصدق رحمه الله، ولتكن قصة شيخ القوم منك على بال؛ فإنه أول من عارض النقل بالعقل ومن شؤم هذا المذهب وجنايته أنه أخرج آدم من الجنة. قال سبحانه: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْـخَالِدِينَ 20 وَقَاسَمَهُمَا إنِّي لَكُمَا لَـمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 20، 21]، إلى قوله عز وجل: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 26].

فلما عارض الأبوان الوحي برأي إبليس، ظناً منهما أنه لا يحلف بالله كاذباً، ونزع لباسهما الباطن (التقوى)؛ نزع لباسهما الظاهر، حتى بدت السوأتان.. وهذا يدل على صحة مذهب أهل الحق: أن الظاهر والباطن متلازمان، وأنهما كفرسي رهان، ورضيعي لبان فلا ينبغي أن يختلف في هذا اثنان.

{زُخْرُفَ الْقَوْلِ}

قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنسِ وَالْـجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: 112].

فأخبر الله سبحانه أن وحي الشياطين هو زخرف القول وأن هؤلاء المعارضين والمخالفين لوحي رب العالمين، يستعينون على مخالفة أمر الأنبياء بما يزخرفه بعضهم لبعض من القول، ويفتريه الأغمار وضعفاء العقول؛ فيأتون بأقوال مزينة ومزخرفة، وبشعارات مدلسة ومزيفة.

وزخرف القول على ثلاثة أنواع:

الأول: أن يأتي صاحب القول الباطل بقوله مموهاً، ومزخرفاً، مكسواً حلة الفصاحة، والعبارة الرشيقة؛ فتسرع العقول الضعيفة إلى قبوله واستحسانه؛ لأنها ليس لها بصيرة نافذة تصل إلى حقائقها وتغور في مكنوناتها.

وإذا تأملت مقالات أهل الباطل؛ وجدتهم يظهرون الأشياء بغير صورها، ويسمونها بغير أسمائها، ويكسونها من العبارات المستحسنة ما يسرع إلى قبولها كل من ليس له بصيرة نافذة؛ فيسمون جحود صفات الباري جل وعلا  وعلوه على خلقه، وتكلمه وتكليمه تنزيهاً، ويسمون الشرك به في دعائه وإلهيته تقرباً إليه وتعظيماً لشعائره، بل قد آل الأمر بهؤلاء الضُلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجاً، ووضعوا له مناسك، حتى صنف بعضهم في ذلك كتاباً وسماه «مناسك حج المشاهد» مضاهاة منه للقبور بالبيت الحرام، ولا جرم أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عباد الأصنام، ويسمون الخيالات والشطحات والهذيانات كشفاً وعلماً باطناً، وإلهامات وتعريفات، ويسمون أم الخبائث بغير اسمها كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، ويسمونها أم الأفراح، ويسمون الغناء والخنا ورقية الزنا فناً، ويسمون أهلها أهل الفن، ويسمون العوائد الربوية فوائد... وهلم جراً.

«فأهل السنة وأهل الحق من هذه الأمة هم الذين كشفوا زيف هذه الألفاظ، وبينوا زخرفها وزغلها، وأنها ألفاظ مموهة، بمنزلة طعام طيب الرائحة، في إناء حسن الشكل واللون، ولكن الطعام مسموم»[4].

الثاني: أن يخرج أهل الباطل المعنى الذي يريدون إبطاله في صورة مستهجنة، تنفر عنها القلوب، وتفر منها العقول، وتنبو عنها الأسماع، «فيسمون عدم الانبساط إلى الفساق، سوء خلق، ويسمون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتنةً وشراً وفضولاً، ويسمون إثبات صفات الكمال لله تعالى تجسيماً وتشبيهاً وتمثيلاً، ويسمون الصفات أعراضاً والأفعال حوادث، ويسمون الحكم والغايات التي يفعل لأجلها أغراضاً، وقالوا لضعفاء العقول: اعلموا أن ربكم منزه عن الأعراض والإبعاض والأغراض، والتركيب والتجسيم والتشبيه؛ فلما وضعوا لهذه المعاني الصحيحة تلك الألفاظ المستكرهة؛ تمكنوا من تعطيلها ونفيها، وتحقق لهم ما أرادوا»[5].

فتصدى لهم أهل السنة وكشفوا عوارهم، وبينوا تلبيسهم.

وقالوا ما قاله إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل رحمه الله: «لا نزيل عن الله تعالى صفة من صفاته لأجل شناعة المشنعين».

الثالث: أن يعزو صاحب القول الباطل قوله إلى جليل القدر، عظيم الشأن من العقلاء أو الحكماء أو من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، أو من حصل له ثناء جميل ولسان صدق؛ ليحلي قوله في قلوب الجهال؛ فإنه من شأن الناس تعظيم كلام من يعظم قدره في نفوسهم، حتى إنهم ليقدمون كلامه على كلام الله ورسوله، ويقولون: هو أعلم بالله منا، وبهذا الزخرف توصل الرافضة والباطنية وغيرهم من الطوائف إلى ترويج باطلهم وبدعهم، لكن الرافضة لهم النصيب الأوفر والحظ الأكبر من هذا الزخرف والتدليس، بل هم أكذب الطوائف على الإطلاق، وجل عقيدتهم مبنية على الكذب والتلبيس، فالكذب شعارهم، والتقية دثارهم.

العلم اللدني

ومن كيد الشيخ أبي مرة بأتباعه، الذين هم من حزبه وعلى مذهبه، أنه سهل لهم معارضة الوحي بآرائهم، بل بخواطرهم وهواجسهم، وقال لهم: القلب إذا كان محفوظاً مع الله؛ كانت هواجسه وخواطره معصومة من الخطأ، وهذا من أبلغ كيده فيهم.

وهكذا سوّل لهم الشيطان وأملى لهم؛ فشط أقوام، فقدموا الكشف والذوق على النص، وأولوا النص ليوافقه، ويسمون هذا «العلم اللدني»، جرياً على قاعدة الصوفية حدثني قلبي عن ربي. ومما ينبغي أن يُعلم: أن كل قولٍ أو فعلٍ ليس عليه بينة من الكتاب والسنة يُخشى أن يكون من خدع الشيطان؛ وهذا هو الذي منع أهل السلوك من وصولهم، وقطع عليهم طريقهم، وأفسد على أهل الثغور ثغورهم، وشردهم عن الحق كل مشرد، وطردهم عنه كل مطرد.

وأهل الاستقامة سلكوا على الجادة، ولم يلتفتوا إلى شيء من الخواطر والهواجس والإلهامات حتى يقوم عليها شاهدان.

قال أبو سليمان الداراني: «ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياماً؛ فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين من الكتاب والسنة»[6].

وقال الجنيد: «مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة؛ فمن لم يحفظ الكتاب، ويكتب الحديث ويتفقه؛ لا يقتدى به»[7].

وقال أبو حفص الكبير الشأن: «من لم يزن أحواله وأفعاله بالكتاب والسنة، ولم يتهم خواطره فلا تعدوه في ديوان الرجال»[8].

فالعلم اللدني، منه حق وهو ما وافق الكتاب والسنة، ومنه باطل وهو ما خالف الوحي؛ قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «لا ريب أن الله يفتح على قلوب أوليائه المتقين، وعباده الصالحين؛ بسبب طهارة قلوبهم مما يكرهه، واتباعهم ما يحبه؛ ما لا يفتح به على غيرهم؛ وهذا كما قال علي رضي الله عنه لما سئل «هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء دون الناس؛ فقال: لا إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه»، وقد دل القرآن على ذلك في غير موضع، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا 66 وَإذًا لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا 67 وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} [النساء: ٦٦ - 68]، وقال: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ} [المائدة: 16]، وقال: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17]؛ قال: والناس في العلم اللدني على ثلاثة أقسام: طرفان ووسط، فقوم يزعمون أنه يحصل بمجرد الزهد وتصفية القلب، ورياضة النفس، بلا سبب آخر، وقوم يقولون: لا أثر لذلك في تحصيل العلم اللدني؛ بل لا بد من العلم بالأدلة الشرعية أو العقلية، وأما الوسط، فقالوا إن الزهد وتصفية القلب ورياضة النفس من أعظم الأسباب المعاونة على العلم، بل هو شرط حصول كثير من العلم، وليس ذلك وحده كافياً؛ بل لا بد من العلم بالدليل، فيما لا يعلم إلا به أو التصور الصحيح لطرفي القضية في العلوم الضرورية»[9].

وقد كان سيد المحدثين الملهمين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - يقول الشيء فيرده عليه من هو دونه، فيتبين له الخطأ فيرجع إليه، وكان يعرض هواجسه وخواطره على الكتاب والسنة ولا يلتفت إليها، ولا يحكم بها ولا يعمل بها، وكتب كاتبه بين يديه يوماً: هذا ما أرى الله عمر، فقال: لا امحه، واكتب: هذا ما رأى عمر[10].

وقد سئل عبدالله بن مسعود عن مسألة المفوضة شهراً، فقال بعد الشهر: «أقول فيها برأيي فإن يكن صواباً، فمن الله، وإن يكن خطأ، فمني ومن الشيطان، والله بريء منه ورسوله»[11].

فمن قال: حدثني قلبي عن ربي، فنعم! حدثه قلبه، لكن عمن؟

إن قلبه يدلس تدليس الشيوخ، وقد عنعنه؛ فلعل الذي حدثه هو الشيخ أبو مرة؛ فلا يُقبل حديثه باتفاق العارفين والمحدثين.

«ومن ظن أنه يستغنى عما جاء به الرسول بما يلقي في قلبه من الخواطر والهواجس، فهو من أعظم الناس كفراً، وكذلك إن ظن أنه يكتفي بهذا تارة وبهذا تارة، وما يلقى في القلوب لا عبرة به، ولا التفات إليه، إن لم يعرض على ما جاء به الرسول ويشهد له بالموافقة وإلا فهو من إلقاء النفس والشيطان»[12].

عقول متناقضة:

إن المتأمل في معقولات هؤلاء الذين يعارضون الوحي بعقولهم، يجدها شديدة الاضطراب، كثيرة التناقض، بعيدة عن الصواب، وهذه طبيعة البشر؛ فمتى كانت هذه المعقولات من عند غير الله؛ تجد فيها اختلافاً كثيراً، فكيف إذا كانت من عند هؤلاء الذين يعارضون وحي ربهم، ولم يكفهم هدي نبيهم؟!

وسنة الله - جل وعلا - في من يعارض وحيه المنزل برأيه أن يفسد عليه عقله، ويجعله يقول ما يضحك العقلاء؛ جزاءً وفاقاً؛ لأنه ترك نور الوحي، وروح العقل، فأصبح يتخبط في ميادين الشك، قد استهوته الشياطين في الأرض حيران، وهذا غاية العدل منه - سبحانه - ومن عقوباته الخفية، التي أدركها العارفون أرباب البصائر؛ كما قال جل شأنه: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 110]، وقال تعالى جدُّه: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْـحَقِّ وَإن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 146].

ولعل بعضهم يقول: لقد اعتراك سوء فهم؛ فادعيت دعوى عظيمة؛ فهؤلاء الذين زعمت تناقضهم، واضطرابهم، هم سادة المفكرين، وعلماء أصول الدين!

أقول هاك برهان ما ادعيت، وهو يسير من كثير:

أولاً: أعطت المعتزلة العقل السلطان الكامل في الحكم بحسن الأشياء وقبحها بل ازدادوا شططاً؛ فقالوا: يحسن منه سبحانه - ما يحسن منا، ويقبح منه ما يقبح منا، فقاسوا الرب - سبحانه - على خلقه وشبهوه في أفعاله أولاً، ثم افتروا على الله كذباً؛ فقالوا: يجوز أن يعذب ويعاقب بهذا القبح العقلي، قبل إرسال الرسول، وإقامة الحجة!

وأنكروا صفات الباري - جلا وعلا - وقالوا: يلزم من إثبات الصفات تعدد القدماء والقديم واحد.

واعتقدوا أن المشيئة تستلزم المحبة والرضا، وخلطوا بين الإرادة الكونية، والإرادة الشرعية فعندهم، أن ما يشاؤه - سبحانه - يحبه ويرضاه، وما لا يحبه ولا يرضاه؛ لا يشاؤه ولا يريده، ولازمه أن الله - سبحانه وجل شأنه - يعصى قهراً، ويشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يريد.

فأنكروا مشيئته العامة وقدرته التامة؛ وكفى بهذا خزياً وعاراً على معقولات بني آدم.

ثانياً: أنكرت الأشعرية التحسين والتقبيح العقليين، وزعموا أنه ليس ثم حسن ولا قبيح إلا بمجرد الأمر والنهي، وهذا خروج عن موجب العقل وتأباه العقول أشد الإباء.

ثم كيف يعطل العقل في مجاله، ويجعل حاكماً في الأمور الغيبية وما ليس في مجاله؟!

وأنكروا الحكمة والتعليل في أفعال الله مطلقاً، ولكنهم قالوا: إن الله يجعل لكل نبي معجزة؛ لأجل إثبات صدق النبي.

وأثبتوا بعضاً من صفات الرب - سبحانه - وأنكروا بعضاً، وحجتهم فيما أثبتوا، هي حجة عليهم فيما أنكروا.

وسر تناقض هؤلاء هو أخذهم بقواعد الشيخ أبي مرة، وتمسكهم بأصول وضعها لهم أسلافهم من الجهمية والمعتزلة الذين ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً، وضلوا عن سواء السبيل؛ فأنى لهم أن يبطلوا أقوالهم، أو يدحضوا حججهم، وبينهم قواعد موحدة وقواسم مشتركة؟!

ومن هذه القواعد المشتركة التي قعدها لهم الشيخ أبو مرة: اعتقادهم أن ما قامت به الصفات والأفعال والأمور الاختيارية فهو حادث، وبموجب هذه القاعدة اتفق الجهمية والمعتزلة والأشعرية أن القرآن العظيم مخلوق، وأنه لا يجوز الحلف به، واستنكفوا أن يقولوا كما قال أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم: إن القرآن كلام الله - سبحانه - منه بدأ وإليه يعود، وأنه يتكلم بما شاء متى شاء وكيف شاء وأن كلامه بحرف وصوت، لكن الجهمية والمعتزلة أنكروا صفة الكلام رأساً، والأشعرية قالوا: هو - سبحانه - متكلم وكلامه هو معنى قائم بالنفس غير مسموع، لم يسمعه جبريل ولا موسى - عليهما السلام - وأما هذا القرآن الذي بين أيدينا فهو مخلوق، منشؤه ومبدؤه جبريل أو محمد - عليهما السلام -!!

فهذا الذي ذكرناه لك غيض من فيض؛ فالفلاسفة مع شدة اعتنائهم بالمعقولات أشد الناس اضطراباً في هذا الباب؛ ومن أراد معرفة ذلك فليقف على مقالاتهم في كتب أهل المقالات. وتأمل اضطراب فرق الشيعة والخوارج وطوائف أهل الكلام؛ فكل منهم يدعي أن صريح العقل معه، وأن مخالفه قد خرج عن صريح العقل، ونحن نبطل عقل كل فرقة بعقل الأخرى، ثم نقول للجميع: بعقل من منكم يوزن كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟! أبعقل أرسطو وشيعته، أم بعقل أفلاطون أم فيثاغورس أم بقراط أم الفارابي، أم ابن سينا، أم جهم بن صفوان، أم النظام، أم العلاف، أم الجبائي، أم بشر المريسي، أم الإسكافي؟! أم توصون بعقول المتأخرين، الذين هذبوا العقليات، ومخضوا زبدتها، ولم توصوا بعقول سائر من تقدم؟!

فهذا أفضلهم عندكم وفخر دينكم، محمد بن عمر الرازي؛ مؤسس القانون الكلي في تقديم العقل على النقل، فبأي معقولاته تزنون نصوص الوحي؟ وأنتم ترون اضطرابه فيها في كتبه أشد اضطراب، ولا يثبت على قول؟! أم ترضون بعقول الرافضة والباطنية، أم بعقول الاتحادية؟! فكل هؤلاء وأضعاف أضعافهم يدعي أن صريح العقل معه، وأن مخالفيه قد خرجوا عن صحيح المعقول. فإذا تعارض العقل مع النقل؛ أخذ بالنقل الصحيح، ورمي بهذه الأقوال تحت الأقدام، وحطت حيث حطها الله وأصحابها.

وما أشبه هؤلاء بزمرة من العميان تلاقوا فتصادموا، ولله در العلامة ابن القيم إذ ضرب لهم مثلاً بقوله[13]:

واضرب لهم مثلاً بعميان خلوا

في ظلمة لا يهتدون سبيلاً

فتصادموا بأكفهم وعصيهم

ضرباً يدير رحى القتال طويلاً

حتى إذا ملوا بالقتال رأيتهم

مشجوج أو مبعوج أو مقتولاً

وتسامع العميان حتى أقبلوا

للصلح فازداد الصياح عويلاً

 

:: مجلة البيان العدد  331 ربيع الأول  1436هـ، يناير  2015م.


[1] ابن القيم، مختصر الصواعق (ص60).

[2] المصدر السابق (ص157).

[3] المصدر السابق (ص 177).

[4] المصدر السابق (ص79).

[5] المصدر السابق (ص80).

[6] ابن القيم، إغاثة اللهفان (ص144)، تهذيب مدارج السالكين (ص427).

[7] المصدر السابق.

[8] المصدر السابق.

[9] ابن تيمية، التفسير الكبير (1/237). 

[10] تهذيب مدارج السالكين (ص97).

[11] ابن القيم، اغاثة اللهفان (ص142). 

[12] المصدر السابق (ص143). 

[13] ابن القيم، مختصر الصواعق (ص183).

 

أعلى