معلمو القرآن الكريم التأهيل والإعداد

Share
Share
معلمو القرآن الكريم التأهيل والإعداد
معلمو القرآن الكريم التأهيل والإعداد


بفضل من الله ثم بفضل الرغبة الصادقة في تحسين الأداء التعليمي الذي تضطلع به الحلقات القرآنية؛ قامت المؤسسات القرآنية خلال العقد الماضي بتدريب معلمي الحلقات على مجموعة من المهارات اللازمة لإدارة الحلقات وفنون التواصل وطرق التدريس، ولا شك أن هذا الأمر انعكس إيجابًا على أداء الحلقات في العموم، حيث كان المعلمون بحاجة إلى التدريب لأسباب عديدة، لعل من أهمها الفجوة الواضحة بين مُشَكِّلات شخصية المعلم ومُشَكِّلات شخصية الطالب، التي كان التحول المتسارع لأنماط الحياة مسببًا لها، وربما يعتبر هذا السبب مع غيره مولّدًا لكافة الأسباب.

ولا يزال المعلمون بحاجة إلى مزيد من التأهيل والإعداد، فبالرغم من وجود التدريب في المؤسسات القرآنية إلا أن هناك شكوى مشتركة من الإشكالات التعليمية والتربوية. ومعلم الحلقة القرآنية هو حجر الزاوية في عمليات التربية والتعليم، ولا غنى عن وجوده كوسيط رئيس لنقل وغرس المفاهيم والقيم والمعارف، كما أنه يمثل وجه المؤسسة لدى الجمهور والمستفيدين، ولذا ينبغي أنْ توجه المؤسسة بؤرة اهتمامها إليه.

«ولقيت عبدالوهاب الأنماطي فكان على قانون السلف، لم يُسمَع في مجلسه غيبة، ولا كان يطلب أجرًا على سماع الحديث وكنتُ إذا قرأتُ عليه أحاديث الرقائق بكى واتصل بكاؤه.

فكان - وأنا صغير السن حينئذ - يعملُ بكاؤه في قلبي، ويبني قواعد الأدب في نفسي. وكان على سمت المشايخ الذين سمعنا أوصافهم في النقل!

ولقيت الشيخ أبا منصور الجواليقي، فكان كثير الصمت، شديد التحري فيما يقول، متقنًا محققًا.

وربما سُئل المسألة الظاهرة التي يبادر بجوابها بعضُ غلمانه فيتوقف فيها حتى يتقن. وكان كثير الصوم والصمت، فانتفعت برؤية هذين الرجلين أكثر من انتفاعي بغيرهما».

من كلام أبي الفرج ابن الجوزي رحمه الله[1] في معرض مقارنته بين أشياخه وآخرين.. نقلته هنا لتدرك كم هو الأثر البالغ الذي سيصنعه المعلم.

الخُلُق العظيم

{ن وَالْقَلَمِ1 وَمَا يَسْطُرُونَ2 مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ 3 وَإنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ  وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: ١ - ٤].

قال ابن جرير: ذلك أدب القرآن الذي أدّبه الله به، وهو الإسلام وشرائعه[2].

وقال ابن كثير: ومعنى هذا أنه، عليه السلام، صار امتثالُ القرآن، أمرًا ونهيًا، سجيةً له وخُلقًا تطبّعه وترَك طبعه الجبلي، فمهما أمره القرآن فعلَه، ومهما نهاه عنه ترَكه. هذا مع ما جبله الله عليه من الخُلق العظيم، من الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم، وكل خلق جميل[3].

ولمّا سُئلت عائشة رضي الله عنها عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت للسائل: ألستَ تقرأُ القرآن؟ قال: بلى. قالت: فإن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن[4]. تشير إلى المعنى الذي نقلته هنا عن ابن جرير وابن كثير.

أي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمثل آداب وأحكام وأخلاق القرآن، فهو غاية الأخلاق والآداب.

{وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} هذه الآية جاءت في سياق الدفاع عن محمد صلى الله عليه وسلم حيث يصفه جهلة القوم بأنه مجنون، ولقد حاول المشركون أن يُلصقوا به صلى الله عليه وسلم بعض الأوصاف التي تجعل منه شخصًا غير مؤهلٍ لحمل رسالة ربانية، وغير صالحٍ لتبليغها للناس، فقال الله عز وجل: {مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ 2 وَإنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ 3 وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}؛ خلق عظيم يؤهلك لحمل الرسالة الربانية، وأن تكونَ به صالحًا لتبليغها للناس، ولو لم تكن على هذا الخلق العظيم لما كنت مؤهلًا للقيام بأدوارك الرئيسية المشار إليها في الآية: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّـمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْـحِكْمَةَ} [الجمعة: ٢]. قال الطاهر ابن عاشور: واعلم أن جُماع الخلق العظيم الذي هو أعلى الخلق الحسن هو التدين، ومعرفة الحقائق، وحلم النفس، والعدل، والصبر على المتاعب، والاعتراف للمحسن، والتواضع، والزهد، والعفة، والعفو، والجمود، والحياء، والشجاعة، وحسن الصمت، والتؤدة، والوقار، والرحمة، وحسن المعاملة والمعاشرة[5].

لم أقصد من هذا الحشد لأقوال المفسرين في الآيات إلا التنبيه إلى أنّ حمل القرآن وتبليغه للناس يستدعي خُلُقًا عظيمًا من الآداب والعلوم والأحكام والصفات تتمثل في شخص حامل القرآن ومبلّغه، ليقوم بدوره في تعليم كتاب الله وتلاوته على الناس وتزكيتهم به.

ومن خلال نصوص القرآن الكريم سيتبين لنا كيف أدّب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم لإعداده لحمل الرسالة وتبليغها للناس، من خلال أطر عامة تمثل جوانب الإعداد والتأهيل التي أرى أن تتمثلها الكيانات والمؤسسات المعنية بتعليم القرآن الكريم، لتقوم بإعداد وتأهيل المعلمين في ضوئها، ومن خلال تفاصيل هي عبارة عن أمثلة لهذه الأطر.

أطر التأهيل والإعداد

أولًا: الإعداد الإيماني:

جانب من التربية القرآنية التي تلقاها النبي صلى الله عليه وسلم من ربه تركّز على إعداده إيمانيًّا؛ ذلك أنّ الإعداد الإيماني يمثل الزاد الروحي الذي يغذي القلب ويُبقي على حياته في المدلهمات والنوائب، ويضيء له الطريق في سيرته البلاغية والتعليمية.

آياتٌ تحثه على الاستكثار من الطاعات قال الله تعالى: {فَإذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ} [الشرح: ٧]؛ قال الحسن وزيد بن أسلم: إذا فرغت من جهاد عدوّك فانصب في عبادة ربك. وقال منصور عن مجاهد: إذا فرغت من أمر الدنيا فانصب في عبادة ربك وصلّ. وقال حيان عن الكلبي: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب، أي: استغفر لذنبك وللمؤمنين[6].

وفي الآية الأخرى يقول الله تعالى بعد ذكر محاولة المشركين فتنهم للنبي صلى الله عليه وسلم عما أوحى الله إليه: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا 78 وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مُّحْمُودًا} [الإسراء: 78، 79]؛ إنه سبحانه يأمره بالتزود لمثل هذه المواقف برصّ القدمين بين يديه مصليًا وتاليًا وذاكرًا.

وفي سورة الإنسان يقول الله تعالى: {إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا 23فَاصْبِرْ لِـحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا 24 وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا 25 وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} [الإنسان: 23 - 26]؛ قال في الظلال: هذا هو الزاد. اذكر اسم ربك في الصباح والمساء، واسجد له بالليل وسبحه طويلًا.. إنه الاتصال بالمصدر الذي نزّل عليك القرآن، وكلفك الدعوة، هو ينبوع القوة ومصدر الزاد والمدد.. الاتصال به ذكر وعبادة ودعاء وتسبيح، ليلًا طويلًا.. فالطريق طويل، والعبء ثقيل. ولا بد من الزاد الكثير والمدد الكبير. وهو هناك، حيث يلتقي العبد بربه في خلوة وفي نجاء، وفي تطلع وفي أنس، تفيض منه الراحة على التعب والضنى، وتفيض منه القوة على الضعف والقلة[7].

 وفي سورة الطور أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستعين على الصبر بالذكر والعبادة[8] فقال تعالى: {وَاصْبِرْ لِـحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ 48 وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإدْبَارَ النُّجُومِ} [الطور: 48، 49]؛ أي اذكره واعبده بالتلاوة والصلاة في الليل[9].

بل وصل الحال في التربية القرآنية على العبادة أن فرض الله تعالى قيام الليل مدة من الزمن، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْـمُزَّمِّلُ 1 قُمِ اللَّيْلَ إلَّا قَلِيلًا 2 نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا 3 أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل: ١ - ٤].

إنّ الإعداد الإيماني لمعلمي القرآن الكريم لهو أُسّ التأهيل، حيث الحاجة إلى أن يتصل معلم القرآن بالله تعالى بذكره وعبادته اتصالًا دائمًا، وأن يستشعر الفضل والأجر وما أعدّه الله له في الآخرة، وحيث الحاجة إلى أن يكون متورّعًا عما حرم الله، ليصح الاقتداء به ولتثبيته على عمله ولتحفيزه إلى مزيد من الأداء وخدمة كتاب الله.

 ثانيًا: الإعداد المنهجي:

وأعني بالإعداد المنهجي: التربية على ما ينبغي أن يكون عليه معلّم القرآن من فهمٍ راسخ لمفاهيم القرآن الكريم وتصوراته وقيَمه، وتمسكٍ بها وثباتٍ عليها. وهو الأمر الذي سينعكس على سلوكه ومواقفه في مختلف مناحي حياته.

وتكمن خطورة هذا الإطار في كون الشخصية الإسلامية للمعلم محل اقتداء ونظر من تلاميذه ومجتمعه، كما أنّ مواقفه محل تقويم وانعكاسات، ولكون المفاهيم والتصورات تعد من أهم الأمور التي جاء القرآن بتصحيحها ومعالجتها.

لم يسْلم النبي صلى الله عليه وسلم من محاولات المساومة على دينه ورسالته من قِبَل معارضيه، وهي محاولات كثيرة ومتنوعة؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتاج أثناءها إلى التوجيه الرباني وكان بحاجة إلى التثبيت؛ حتى لا تزل به القدم.. {وَإن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا 73 وَلَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا 74 إذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْـحَيَاةِ وَضِعْفَ الْـمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [الإسراء: 73-75]؛ قال ابن جرير: ولولا أن ثبتناك يا محمد بعصمتنا إياك عما دعاك إليه هؤلاء المشركون من الفتنة {لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} يقول: لقد كدت تميل إليهم وتطمئن شيئًا قليلًا[10].

لا شك أن معلمي الحلقات القرآنية بحاجة إلى تثبيت وعصمة تمنعهم من الوقوع في الزلل وحبائل الشبهات من باب أولى.

وفي آيات عديدة ينهى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن طاعة الكافرين والمنافقين، ويأمره بالتمسك باتباع الوحي يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْـمُنَافِقِينَ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا 1 وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا 2 وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [الأحزاب: ١-٣].

وفي موضع آخر يحذّر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم من جهالة العقل والاستجابة لاستفزازاتهم، قال تعالى: {فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ} [الروم: 60]؛ قال البغوي: لا يحملنّك الذين لا يوقنون على الجهل واتباعهم في الغي[11]. وقال ابن سعدي: فإنك إنْ تجعلهم منك على بال، وتحذر منهم، وإلا استخفوك، وحملوك على عدم الثبات على الأوامر والنواهي. والنفس تساعدهم على هذا، وتطلب التشبه والموافقة[12].

وفي موضعٍ آخر يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر وينهاه عن استعجال العقوبة عليهم فيقول تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} [الأحقاف: 35]؛ قال البغوي: ولا تستعجل العذاب لهم، فإنه نازلٌ بهم لا محالة، كأنه ضجر بعض الضجر فأحبّ أن ينزل العذاب بمن أبى منهم، فأُمر بالصبر وترك الاستعجال[13].

إن معلم القرآن الكريم إذ يحمل كتاب الله ويعلمه الناشئة ويزكيهم به؛ لهو أشد حاجة إلى هذا الإعداد المنهجي والذي سيكون له الأثر البالغ في سلوكه ومواقفه، ليبلغ هذا القرآن أحسن بلاغ وأوفاه، وكي لا يكون كبلعام بن باعوراء الذي سقط منهجيًا.. {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ 175 وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 175، 176]؛ قال ابن سعدي: انسلخ من الاتصاف الحقيقي بالعلم بآيات الله، فإنّ العلم بذلك يصير صاحبه متصفًا بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويرقى إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات، فترك هذا كتابَ الله وراء ظهره، ونبذ الأخلاق التي يأمر بها الكتاب، وخلعها كما يخلع اللباس[14].

ثالثًا: الإعداد النفسي والاجتماعي:

وكما أن معلم القرآن بحاجة إلى إعداد إيماني وإعداد منهجي، فهو كذلك بحاجة إلى إعداد يصل به إلى مرحلة جيدة من الاستقرار النفسي والاجتماعي، حيث تؤثر ضغوطات الحياة تأثيرًا سلبيًّا على أدائه التربوي والتعليمي، وعلى المؤسسات القرآنية أن تلتفت إلى هذا الجانب، لأن استقرار المعلم نفسيًّا جزءٌ من استقرار العمل التربوي والتعليمي.

ولقد كانت العناية الإلهية بنفس محمد صلى الله عليه وسلم وذاته من الوضوح بمكان، ففي سورة الضحى يقول الله عز وجل: {وَالضُّحَى 1 وَاللَّيْلِ إذَا سَجَى 2 مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى: ١ - ٣]؛ أي: ما تركك منذ اعتنى بك، ولا أهملك منذ ربّاك ورعاك، بل لم يزل يربيك أكمل تربية، ويعليك درجة بعد درجة[15]. كانت هذه الآيات تنسكب على فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم كالماء البارد على العطش إثْر معاناة البلاغ.

معاناة البلاغ تكدّر الخاطر وتضيّق الصدر فامتن الله على نبيه صلى الله عليه وسلم بتليين قلبه وشرح صدره فقال: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ 1 وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ 2 الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ 3 وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: ١-٤].

في أحد اللقاءات مع معلمي القرآن الكريم قام أحد المعلمين، هو أكبرهم سنًّا، لا يُرى في وجهه ورأسه شعرة سوداء، وتساءل عن شيء يعمل في صدره، وفي الحقيقة أنه يعمل في صدور كثير من معلمي القرآن الكريم، فقال: لماذا لا نجدُ - يقصد معلمي القرآن - تقديرًا لما نقوم به، سواء هنا في بلدكم أو في غيره من البلدان، فإن معلمي القرآن هم أقل الناس شأنًا وذكرًا وقدرًا.

لم أُصدم بهذا التساؤل لأنني أقرؤه كثيرًا في صدور معلمي الحلقات الذين ألتقي بهم.. فوافقته على توصيفه للواقع، وذكرته بما ذكّر الله نبيه صلى الله عليه وسلم به حيث قال في سورة الضحى {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى} [الضحى: ٤]، وذكّرته بفضله وفضل معلمي القرآن عمومًا.. كان حديثي أشبه ما يكون بحديث العزاء والتسلية، إنه يتساءل بعد عشرات السنين التي قضاها ممسكًا بكتاب الله معلمًا لأولاد المسلمين، ثم هو لا يجد في الدنيا ما يحفزه لمواصلة مسيرته التعليمية. لم أنسَ تلك اللحظات: كنتُ أتحدث عن الفضائل والأجور التي أعدّها الله لمعلمي القرآن؛ وهو يمسح دموعه من عينيه! إنّ على المؤسسات القرآنية أن تعتني بهذا التساؤل الخطير، وأن تجيب عليه عمليًّا، ولا حرج في ذلك فهو لا ينافي التربية على الإخلاص، وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في سورة الشرح: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}؛ أي: أعلينا قدرك، وجعلنا لك الثناء الحسن العالي[16].

ولقد هالني، والله، ما رأيته من تعاملٍ غير لائق مع أحد المقرئين المشاهير، ممن تستمع له في المذياع فيرقّ قلبك لقراءته، إذ يكلفه إمام المسجد بالاهتمام بدورات المياه المرفقة بالمسجد، وليس بالاهتمام بها ما يعيب المسلم، ولكن أين قدر قارئ القرآن ومعلمه؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط»[17].

لقد اعتنى الله بنبيه صلى الله عليه وسلم في شتى مجالات حياته، حتى في دقائق وتفاصيل حياته الزوجية! فحين حصل من عائشة وصفية رضي الله عنهما ما حصل في قصة التحريم خوفهما الله بقوله: {إن تَتُوبَا إلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِـحُ الْـمُؤْمِنِينَ وَالْـمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ 4 عَسَى رَبُّهُ إن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} [التحريم: ٤، ٥]؛ فهو سبحانه في الآيات يخبر أنه سيكون عونًا ونصيرًا لنبيه صلى الله عليه وسلم في حال تعاونت زوجتاه على ما يشق عليه ولم تتوبا، وأنه سبحانه سيعوضه بخيرٍ منهما في حال طلاقهما لو حدث ذلك.

لا شك أنه ينبغي على معلم القرآن أن يحتسب أجره على الله، وألا ينتظر جزاء تعليمه في الدنيا بالمعونات والإحسان ونحو ذلك.. هذا واجبه، أما الواجب على من يشرف عليه، من مؤسسات أو أفراد أن يتقوا الله فيه وأن يكونوا له أعوانًا ونصيرين ومؤازرين. وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم وهو المؤمن الذي بلغ منزلة اليقين بحاجة إلى مؤازرة، فمن باب أولى غيره. أدرك ذلك أبو بكر رضي الله عنه فكان مؤازرًا للنبي صلى الله عليه وسلم بماله وأهله، فأثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «إنّ أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر»[18].

وحين أغرَقت معاذ بن جبل ديونُه، وهو الذي جمع القرآن الكريم، أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن لعلّه يغتني بالمال هناك، وذلك بعد أن كلّم غرماءه فيه[19] وأمره أنْ يعلّم الناس هناك القرآن الكريم[20].

إن معلمي القرآن الكريم اليوم، في عصر الماديات والمال والأعمال، بحاجة إلى لفتة اجتماعية واعية تُعفّ نفوسهم عن التطلع إلى مباهج الدنيا من حولهم من أموال ومناصب وأضواء، وتَحُول دون تسربهم من هذا العمل الجليل الذي يقومون به بحثًا عن لقمة العيش.

وإنّ على المؤسسات القرآنية أن تصنع لمعلميها مناخًا إيمانيًّا أخويًا يأوي إليه معلمو القرآن الكريم كلما ضاقت نفوسهم أو كلّت أرواحهم.. هذا أحد أسرار الاستبقاء.

رابعًا: الإعداد المهني:

إعداد معلمي القرآن الكريم مهنيًّا أمرٌ بالغ الخطورة، فهو ضمانة تحقيق الهدف التربوي والتعليمي. ولقد ظهرت عناية الله تعالى بنبيه صلى الله عليه وسلم إعدادًا يرتقي بأدائه البلاغي والتعليمي.

ففي مسار التواصل امتن الله تعالى على نبيه، فقال سبحانه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]؛ أي: منّ الله عليك أنْ أَلَنْتَ لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، وترققت عليهم، وحسنت لهم خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك، وامتثلوا أمرك[21]. وهذا يعني أنّ الله ربّى نبيه صلى الله عليه وسلم على هذا الخلق العظيم في التواصل، كما عاتبه الله حين عبس في وجه صاحبه الأعمى فقال سبحانه: {عَبَسَ وَتَولَّى 1 أَن جَاءَهُ الأَعْمَى 2 وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى 3 أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى 4أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى 5 فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى 6 وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى 7 وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى 8 وَهُوَ يَخْشَى 9 فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى} [عبس: ١ - ٠١]، فعلّم الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يقبل على من أقبل عليه، وألا يقدّم عليه من هو معرضٌ عنه. ولم يخفَ هذا الاستنباط على ابن سعدي، أعني أنه لم يخف عليه وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيما أدبه الله تعالى به فقال: أليس من أوجب الواجبات، وأهم المهمات الاقتداء بأخلاقه الكريمة، ومعاملة الناس بما كان يعاملهم به صلى الله عليه وسلم من اللين وحسن الخلق والتأليف، امتثالًا لأمر الله، وجذبًا لعباد الله لدين الله؟[22].

وفي مجال الطرائق التربوية والتعليمية، قول سبحانه {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ 16إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ 17 فَإذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ 18 ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 16 - 19]، وفيه تعليمٌ من الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في كيفية تلقي الوحي من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك في قراءته، فأمره الله عز وجل إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له، وتكفل له أن يجمعه في صدره، وأن ييسر لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يبينه له ويفسره ويوضحه. فالحالة الأولى جمعه في صدره، والثانية تلاوته، والثالثة تفسيره وإيضاح معناه[23].

وأيًّا ما كان، فإنّ الله علّم نبيه صلى الله عليه وسلم ما يحتاجه ليتعلم القرآن، وهو ذاته ما يحتاجه في تعليم كتاب الله تعالى، وليس المقصود هنا جمع هذه التفاصيل واستقصاء الآيات التي تعلّم النبي صلى الله عليه وسلم كيف يحترف التعليم، وهي عديدة؛ وإنما الاستدلال على أهمية الإعداد المهني لمعلم القرآن ليؤدي رسالته على أحسن وجه، كما أعد الله نبيه صلى الله عليه وسلم فأدى رسالته على أحسن وجه.

إن التدريب المهاري على فنون إدارة الحلقات والمجموعات ومهارات التواصل والاجتماع وطرق التدريس والأداء؛ منهجٌ قرآني، ولا يزال بعض المعنيين بالإشراف على الحلقات القرآنية يرونه ترفًا وموضة! وفي الوقت ذاته لا تزال شريحة من معلمي القرآن الكريم لا يعرفون السنّة العملية في إقراء القرآن وتسميعه.

خامسًا: الإعداد القيادي:

برغم ما عليه النبي صلى الله عليه وسلم من مقومات التأثير الشخصية والخلقية إلا أنّ الله تعاهده بعنايته ليصل إلى أعلى مقامات التأثير والجاذبية، فهو سبحانه في موضع يأمره أن يشاور أصحابه {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: 159] كما يأمره بالتنفيذ حين العزيمة والانتهاء من الشورى، والعجيب أن هذه الآية نزلت تعقيبًا على ما حدث في غزوة أحد، والتي أشار فيها بعض المسلمين بالخروج إلى المشركين وقتالهم خارج المدينة؛ خلافًا لرأي النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد أكثر القرآن من ذكر قصص الأنبياء والدعاة والمصلحين من الأمم الماضية لما في قصصهم من عبر ودروس، قال الله تعالى في سورة القصص: {نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْـحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [القصص: ٣]، وقد كان الدرس القيادي في هذه القصص أحد الدروس البارزة، في قصة موسى وقصة يوسف وغيرهما، وقد حوت أساليب الحوار والخطابة وإيراد الحجج والإقناع والشعور بالثقة وغيرها.

ومرة بعد مرة.. لسنا هنا بصدد التفصيل والاستقصاء، وإنما الاستدلال على أهمية الإعداد القيادي لمعلم الحلقة، حتى يبلغ رسالته القرآنية على أحسن وجه.

سادسًا: الإعداد العلمي:

من أهم ما يؤهَّل به معلم القرآن الكريم ليؤدي رسالته القرآنية: تعليمه، وتزويده بالمعارف اللازمة لمادته، والامتدادات المعرفية المتعلقة بها. ولعل من نافلة القول أنه ينبغي أن يكون معلّم القرآن الكريم متقنًا مجوّدًا للقراءة، حافظًا لما يُقرؤه تلاميذه. وإنّ مما ينبغي أن يتعلمه:

تفسير الحدّ الأدنى من القرآن الكريم كتفسير سور المفصّل، وبعض مباحث العقيدة والفقه والحديث.

مهارات التعلم والبحث العلمي والقراءة.

ما يحتاج إليه من العلوم الاجتماعية والنفسية، حيث الحاجة إليها في تربية الطلاب وإدارة الحلقة.

ما يحتاجه من فقه الواقع والمعالجات الفكرية للقضايا التي يتناولها المجتمع.

لقد امتن الله على نبيه بتعليمه فقال سبحانه: {وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْـحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113]؛ قال ابن سعدي: وهذا يشمل جميع ما علّمه الله تعالى. فإنه صلى الله عليه وسلم كما وصفه الله قبل النبوة بقوله: {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ} [الشورى: 52]، {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} [الضحى: ٧]، ثم لم يزل يوحي الله إليه، ويعلّمه ويكمله، حتى ارتقى مقامًا من العلم، يتعذّر وصوله على الأولين والآخرين، فكان أعلم الخلق على الإطلاق، وأجمعهم لصفات الكمال، وأكملهم فيها[24].

وأول كلمة في أول آية من أول سورة نزل بها جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم كانت «اقرأ»؛ لترفع من شأن التعلّم في مسيرة المبلّغ عن الله. وإنّ على المؤسسات القرآنية الاعتناء بإعداد المعلمين علميًّا وأن تجعل منهم أدوات وعي متوهجة متنقلة في المجتمع.

المعلمون الأضياف

في بعض المؤسسات القرآنية يكثر عدد معلمي القرآن الكريم من غير أهل البلد، ممن فضّلوا العيش في غير بلدانهم، إمّا بسبب الاضطراب الذي تعيشه أقطارهم، أو المستوى المعيشي المتدني الذي ألجأهم إلى ترك أقطارهم بحثًا عن لقمة العيش. وبعضهم أحضر أهله معه، والبعض الآخر لم تسعفه ظروفه المعيشية أن يحضرهم. وأيًّا ما كان الأمر، فإن عددًا كبيرًا منهم ينتشر في أروقة المؤسسات القرآنية ويقوم على تعليم فلذات أكباد المجتمع، ويقوم بالفرض الكفائي بيننا. ويمكنني التنبيه، في مسألة المعلمين الأضياف، إلى ثلاث نقاط:

الأولى: ما يتعلق بواقع هذه الشريحة من معلمي القرآن الكريم، فهم معلمون غرباء على المجتمع الذي يعلّمون فيه، يعيشون آلام الغربة، ويخفون آلام الفقر، غير أنّهم يملكون كنزًا عظيمًا هو القرآن الذي يحملونه في صدورهم، وبين أيديهم يجلس النشء، وهم متفرغون لتعليمهم، هذا من جانب. وفي جانب آخر فهم مجرّد موظفين لدى المؤسسة القرآنية يؤدون عملًا تكليفيًّا مقابل أجرة يتقاضونها نهاية كل شهر، وهم معلمون «أجانب» ليس لهم ما للمعلمين من أهل البلد من التقدير والاحتفاء والاهتمام والرعاية، وحين تريد المؤسسة إنجاز بعض الأعمال المؤقتة، التي تتطلب جهدًا فوق المعتاد، فإنه لا بأس بتكليف هؤلاء المعلمين (الأجانب) فإنهم لا يمكنهم رفض شيء من التكليفات، ولا بأس أحيانًا أن يكلّفوا ببعض الأعمال التي لا يليق أنْ يكلَّف بها حافظ القرآن، فضلًا عن كونه ضيفًا! أما الجانب الأول فهو الواقع الذي ينبغي أن نستحضره، وأما الجانب الآخر فهو الواقع الذي فرضته بعض المؤسسات القرآنية على هؤلاء المعلمين.

الثانية: ما يتعلق بالرؤية الإستراتيجية لمعلمي القرآن الكريم الذين ألجأتهم ظروف الحياة إلى أن يفدوا إلينا. فهم الآن في أكناف المؤسسات القرآنية، يعلّمون الناشئة كتاب الله، بل عددهم في الحلقات يفوق عدد معلمي القرآن من أهل البلد في أكثر المؤسسات، وهذا يدفعنا إلى مزيد من الاهتمام والعناية بهم وإعدادهم إعدادًا يؤهلهم لتربية الناشئة في الحلقات، والارتقاء بهم من كونهم ملقنين إلى أن يكونوا مربين؛ وفق برنامج يصمم تصميمًا علميًّا تراعى فيه جميع الأطر التي سبق الحديث عنها.

وهم الآن غرباء وافدون، وسيأتي اليوم الذي يرحلون فيه عن المؤسسة القرآنية ومجتمعها، ويعودون فيه إلى بلدانهم؛ وهذا يدفعنا إلى العناية بتربيتهم وإعدادهم ليكونوا في بلدانهم دعاة إلى الخير، ناقلين للتجارب الناجحة في الحلقات القرآنية، مقرئين مربين. وبهذه النظرة ثم الإعداد والتأهيل؛ سيمتد أثر المؤسسات القرآنية المباركة إلى أصقاع الأرض.

الثالثة: ماذا يجب علينا تجاه معلمي القرآن الكريم الأضياف؟

باختصار: يجب علينا إعدادهم وتأهيلهم وفق الأطر الستة المذكورة سلفًا، وألا يهُمَلوا من ذلك، لكني أشير إلى أهمية تقديرهم من جانب، وتربيتهم علميًّا ومنهجيًّا من جانب آخر، واستثمار تفرغّهم في تأسيس مشاريع قرآنية، قبل أن يتسربوا إلى القطاع الخاص.

وبعد..

هذه بعض الأطر في تأهيل وإعداد معلمي القرآن الكريم مستوحاة من إعداد الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ذلك الإعداد العظيم ليقوم بالمهمة التعليمية الكبيرة المنصوص عليها في غير ما آية من القرآن الكريم، {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْـمُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّـمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْـحِكْمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران: 164]، وإنه لنجاح كبير أن تعتني المؤسسات القرآنية بهذه الأطر فيكون لها فضل ومنّة على معلميها وطلابها ومجتمعها بإعداد هذا المعلم على الوجه الأكمل.

ولعل التكامل في إعداد وتأهيل معلمي الحلقات القرآنية سيكون له التأثير الإيجابي في النواتج التعليمية، كما أنه وبشكل تلقائي سيكون حلًا لمشكلات تربوية وتعليمية لا تزال تلك المؤسسات تعاني منها دهرًا طويلًا. وبالله التوفيق.

 

:: مجلة البيان العدد  335 رجب  1436هـ، إبريل – مايو  2015م.


[1] صيد الخاطر ص 109.

[2] جامع البيان 29/18.

[3] تفسير القرآن العظيم 8/189.

[4] أخرجه مسلم 1/513، كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل، حديث 746.

[5] التحرير والتنوير 29/64.

[6] معالم التنزيل 4/642.

[7] في ظلال القرآن 6/3785.

[8] تيسير الكريم الرحمن ص760.

[9] تفسير القرآن العظيم 7/440.

[10] جامع البيان 15/131.

[11] معالم التنزيل 3/503.

[12] تيسير الكريم الرحمن ص594.

[13] معالم التنزيل 4/150.

[14] تيسير الكريم الرحمن ص272.

[15] تيسير الكريم الرحمن ص858.

[16] تيسير الكريم الرحمن ص859.

[17] أخرجه أبو داود 4/261 كتاب الأدب، باب في تنزيل الناس منازلهم حديث 4843.

[18] أخرجه البخاري 3/7 كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي «سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر» حديث 3654.

[19] انظر حلية الأولياء 1/231.

[20] أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة. الفتح الرباني 18/8.

[21] تيسير الكريم الرحمن ص121.

[22] تيسير الكريم الرحمن ص121.

[23] تفسير القرآن العظيم 8/278.

[24] تيسير الكريم الرحمن ص165.

googleplayappstore


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة