الأبعاد الخفية لخرافة دولة الخلافة الشيعية!

Share
Share
الأبعاد الخفية لخرافة دولة الخلافة الشيعية!
الأبعاد الخفية لخرافة دولة الخلافة الشيعية!


تدل أدبيات المشروع الشيعي المعاصر العقدية والسياسية على أنه يندب أصحابه لإقامة دولة «خلافة» شيعية، تُستكمل بها إمامة «أهل البيت» عندما يخرج منهم «خليفة الله» الإمام الثاني عشر منهم محمد بن الحسن العسكري أو «المهدي المنتظر»! فمذهب الشيعة كله يقوم على أولوية الخلفاء الاثني عشر من آل البيت بالإمامة دون غيرهم، ولذلك سموا بالإمامية الإثنى عشرية.

 وعند الشيعة عقيدة تمثل عندهم «الحتمية التاريخية» أو «نهاية التاريخ»، وهي مرحلة ما بعد مجيء «عهد الخلاص» بخروج ذلك المهدي المنتظر (أو القائم) من السرداب الذي اختفى فيه في مدينة سامراء بالعراق منذ نحو ألف ومئة وخمسين عامًا، وعندها سيُخضع العالم لحكم دولة «آل البيت» العالمية، ويخلص الشيعة من «الظلميات التاريخية» المزعوم وقوعها عليهم من «النواصب» الذين ناصبوهم العداء وهم «أهل السنة»! حيث سيثأر ذلك المنتظَر منهم أحياء وأمواتًا، ويقيم ذلك «القائم» دولة العدل والرفاه والتمكين لأهل الدين الذين يمثلون الإسلام مجسدًا في أتباع المذهب الشيعي - زعموا -!

 قد يظن البعض أن هذه افتراءات أو تخرصات على القوم، ولكن واقع الأمر أن الشيعة عبر تاريخهم كله كانوا مؤمنين ملتزمين بذلك المعتقد الذي يقوم عليه مذهبهم، وملزمين أنفسهم بانتظار ذلك المنتظر. وقد حرم عليهم علماؤهم القيام بأي شيء من شأنه تخطي دور القائد القائم الموعود قبل خروجه، لأنه عندما يخرج سوف يتكفل بتأسيس دولته وتوسيعها ونصرتها، ولكن لما استمر ذلك الانتظار قرونًا دون خروج أو خلاص؛ جاء زعيم الثورة الدينية الإيرانية (الخميني) في أواخر القرن الرابع عشر؛ فقطع ذلك الانتظار الذي رآه سلبيًّا، ودعا إلى انتظار «إيجابي» يقوم على تهيئة الأرض لمجيء الموعود من خلال كيان قوي فاعل على الأرض ومتفاعل فيها ومسيطر على المطلوب منها، وهنا ربط الخميني بين الزمن الشيعي الماضي والحاضر والمستقبل في سلك واحد ضمن معتقد واحد وكيان واحد متطلع إلى قيادة عالمية في صورة إمبراطورية شيعية سماها «الدولة الإسلامية» في إيران، وذلك وسط غياب سياسي سني أو انخداع أو انشغال أو شيء آخر غير ما كان ينبغي فعله تجاه ذلك الخطر.

وقد أودع الخميني فكرته «التجديدية» هذه للمذهب في صيغة نظرية سماها «ولاية الفقيه»، وشرحها في كتابه «كشف الأسرار»، وهي تعني باختصار أن أكثر ما يُنتظر من الإمام الغائب في غيبته يمكن أن يقوم به الإمام الفقيه من خلال ولايته، فإذا مُنح الفقيه هذه الولاية وصار قائدًا لـ«المستضعفين» فإنه سيخرج بهم من استضعافهم ويقيم لهم دولتهم التي تهيئ الأرض لخروج القائم.

كان الخميني قد ألّف في الأربعينات الميلادية من القرن الماضي كتابه «كشف الأسرار» ليعالج فيه كيفية إقامة دولة للشيعة في إيران دونما انتظار لمجيء المهدي، ثم ألف في الستينات كتاب «الحكومة الإسلامية» وفصّل فيه نظرته ونظريته عن الدور الذي ينبغي أن تقوم به تلك الدولة نيابة عن الإمام المنتظر. وبالفعل؛ لم يكد رأس القرن الهجري الخامس عشر يطل على الدنيا حتى كان للشيعة ثورة تحولت إلى دولة، تطلعت للتصدير لتكون إمبراطورية أو شبه إمبراطورية، تطمح بعدها لأن تكون أحد الأقطاب الدولية بعدما تتحول لدولة نووية تسيطر على أهم المنافذ البحرية العالمية المتحكمة في النفط والتجارة الدولية، وهو ما يرشحها مستقبلًا - في أحلام الشيعة - أن ترث القطبية الأحادية! ولم لا.. وحاكمها المنتظر خليفة الدنيا وحاكم العالم؟!

 إن ما فعله باعث الحركة الشيعية الحديثة «الخميني» من خلال «ولاية الفقيه» أو الدولة الشيعية شابه إلى حد كبير ما فعله باعث الحركة الصهيونية الحديثة «تيودور هرتزل» من خلال نظرية البعث الصهيوني والدولة اليهودية، حيث ألغى هرتزل أيضًا عقيدة الانتظار التي كانت عند اليهود، والتي بمقتضاها ظلوا عشرات القرون ينتظرون مجيء المسيح اليهودي المنظر القادم من نسل داود ليقود اليهود في زعامة العالم قبل نهاية العالم! ولا ينبغي أن ننسى أن من دفعوا بدولة اليهود إلى عالم الوجود - نعني نصارى الغرب - لم يفعلوا ذلك إلا ضمن منظومة عقدية أخرى تهدف إلى جعل اليهود أداة لتهيئة العالم لعودة مسيحهم هم عيسى - عليه السلام -!

 الشيعة من الثورة إلى الدولة.. ومن الدولة إلى الخلافة:

 تتبنى إيران منذ قيام ثورة الخميني مبدأ «تصدير الثورة» الذي مثل لدى الإيرانيين ثباتًا إستراتيجيًّا، يتحرك تكتيكيًّا عبر تفعيل كيانات أو «كانتونات» شيعية داخل البلدان السنية المستهدفة التي يطلق عليها الإيرانيون «منطقة الصدع المذهبي»، وهي منطقة تمثل العمق الإستراتيجي لإيران، والتي تعد العراق وبلاد الشام والجزيرة العربية كلها امتدادًا لها. ويطلق الساسة الإيرانيون على تلك المنطقة أيضًا «إقليم جنوب غرب آسيا»، وإيران تحركت وتتحرك للتوسع في ذلك العمق الإستراتيجي بوسائل متعددة، سياسية وعسكرية واقتصادية، وهي إلى جانب ذلك شاركت وتشارك بقوة في مخططات التفتيت والتقسيم في المنطقة، والشواهد على مشاركتها في مخطط تقسيم المنطقة مذهبيًّا واضحة في تفاعلاتها وفاضحة في مساراتها، لكنها تكشف عن تقاسم المصالح في الأقاليم السنية بينها وبين الكيان الصهيوني ودول الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

 العجيب هنا أن الشيعة الذين احترفوا التحريف والتزييف، وتدينوا وتعبدوا بالكذب الذي يسمونه «تقية»؛ وصلت جراءتهم في محاولات جلب معاني القداسة واحتكارها لمشروعهم المذهبي العنصري إلى حد أن اخترعوا مكانة لمكان لا قيمة له في تاريخ الرسالات والنبوات - وهو مدينة «طهران» ليطلقوا عليها اسم «أم القرى»، لتصبح بديلًا عن مكة المكرمة المعظمة في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وادعى كذابوهم أن وصف أم القرى يمكن أن ينتقل من مكان إلى مكان بحسب مجريات التاريخ في نصرة العقيدة، واختار بعض مفكريهم ومنظريهم اسم «أم القرى» ليطلقوه على نظرية لمشروع جائر وجريء يهدف في النهاية إلى إعلان دولة الخلافة الشيعية الثانية بعد الخلافة الشيعية الأولى وهي الدولة الفاطمية الممتدة من عام 296 إلى 567هـ (909-1171م).

نظرية أم القرى و«الخلافة» الشيعية الثالثة

 صاحب هذه النظرية هو «محمد جواد لاريجاني»[1] وهي تأسيس سياسي وتنفيذي لانتقال المشروع الشيعي المعاصر من مرحلة الثورة ثم الدولة إلى مرحلة الإمبراطورية ثم «الخلافة»! حيث يعتبر صاحب النظرية أن من حق إيران بل من واجبها أن تشيد دولة قوية تجعل العالم الإسلامي كله تحت قيادتها، تكون ممثلة للإسلام الحقيقي في زعمه، والمنطلق في رأيه هو «نظرية ولاية الفقيه» التي يرى لاريجاني أنها وإن نجحت في توسيع الرقعة الديمغرافية «السكانية» لخريطة الانتشار المذهبي الشيعي إلا أنها أخفقت في توسيع الرقعة الجغرافية لذلك المشروع برغم ما مضي من عقود على انطلاق ثورة ولاية الفقيه، حيث إن حدود إيران السياسية لم تتمدد فعليًّا خارج أراضيها طوال تلك المدة، في حين أن أصل المشروع - كما تصوره الخميني - أن تمتد قيادة إيران السياسية في العالم الإسلامي كله من إندونيسيا شرقًا حتى أقصى المغرب العربي غربًا، ومن صحراء سيبريا شمالًا حتى جنوب إفريقيا جنوبًا!

ولأجل الوصول إلى تحقيق المشروع الشيعي بهذا المعنى؛ طرح لاريجاني تصورًا للمراحل التي ينبغي أن يمر بها ذلك المشروع:

أولها: نشر ثقافة الانتماء إلى الجماعة الشيعية باعتبارها في زعمه تمثل الإسلام الصحيح لا غيرها.

ثانيها: إقامة كيانات سياسية على أساس ذلك الانتماء مهما كانت الوسائل، سلمية كانت أو ثورية، مسلحة أو غير مسلحة، بحيث تكون هذه الكيانات مربوطة بالثورة الأم.

ثالثها: اندماج تلك الكيانات في الكيان الأصلي في إيران، تحت قيادة «أم القرى» طهران!

لذلك يتمسك لاريجاني بضرورة إضافة وصف «العالمية» للحكومة «الإسلامية» في إيران، لأن تلك الحكومة العالمية هي في ذاتها غاية، إضافة إلى كونها وسيلة لتمكين المشروع الشيعي العالمي. غير أن إقليم جنوب غرب آسيا - الآنف الذكر - هو منطلق تلك الدولة العالمية المنشودة.

 كيف فلسف لاريجاني جعل طهران (أم القرى) بدلًا من مكة المكرمة التي نص القرآن على أنها هي دون غيرها أم القرى في قول الله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الأنعام: 92]، وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْـجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْـجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: ٧]، يقول لاريجاني: «إذا ادعت دولة بأنها (أم القرى) فيجب عليها أن ترفع مستوى قيادتها إلى أبعد من حدودها الجغرافية، وأن تجعل تلك القيادة مفضلة لدى كل الأمة، وهذه الصفة لأم القرى لا يمكن أن تكون إرثًا لقوم معينين، بل إنه من الممكن أن تكون أم القرى لقوم ما في مدة ما؛ وبعد مدة يسقط هذا الوصف لهم ولها»[2]!

 وقال لاريجاني صراحة عن أم القرى الجديدة التي هي طهران: «سواء أكانت في زمن قيادة الإمام الخميني الذي كان شمس البشرية، أو في الوقت الحاضر الذي هي تحت ولاية ولي الأمر سماحة آية الله الخامنئي؛ تصبح أم القرى بدون شك هي دار الإسلام، ويصبح عليها أن تقود العالم الإسلامي»[3]!

لذلك فإن ولاية «ولي الأمر» في إيران كما يرى لاريجاني  لها وجهان: ولاية قانونية للجمهورية الإسلامية في إيران طبقًا للدستور، وولاية شرعية على العالم الإسلامي طبقًا لما توجبه الشريعة الإسلامية.

 الإيرانيون إذن يرون أن المرشد الأعلى لجمهوريتهم هو بالفعل «خليفة المسلمين» والطاعة  له واجبة على كل المسلمين!

لكن يبقى السؤال.. أين أهل السنة من هذه الولاية وتلك الخلافة؟ وكيف سيكون مصير المناطق السنية التي تستولي عليها إيران؟ هل ستدخلهم طهران قسرًا في مذهبها ليدخلوا بعد ذلك ضمن رعاياها فتشملهم برعايتها وحمايتها بعد خضوعهم لطاعة ولاتها؟ أم تبيد من أبى منهم التشيع على الطريقة الصفوية أو على طريقة «هرمجدون» الإنجيلية وحرب «اليوم السابع» التلمودية، خاصة بعد سماح العالم الصليبي لها أن تصبح دولة نووية؟!

 هل العالم اليوم على موعد مع بعث ديني عالمي، تسوده صراعات اعتقادية أخروية، ذات مُسحات مسيحانية ونظرات خلاصية؟!

 يبدو ذلك، ولكن وبكل أسف فإن ساحة ذلك هي بلادنا الإسلامية، وأقاليمنا السنية، وبخاصة أراضي النبوات والنبوءات، الشاملة أرض الشام والعراق ومصر وجزيرة العرب واليمن، التي يجتمع عليها جميعًا الخصوم التاريخيون للإسلام الحق الذي يمثله أهل السنة والجماعة، الذين هم أحوج ما يكونون اليوم للعودة إلى السنة وإلى الجماعة.

:: البيان تنشر - مـلـف خـاص- (الـخـطـر الإيـرانـي يـتـمـدد)

:: مجلة البيان العدد  335 رجب  1436هـ، إبريل – مايو  2015م.


[1]  محمد جواد لاريجاني هو أحد أبرز خبراء إيران في مجال الفيزياء، وهو رئيس مؤسسة دراسات العلوم. تولى منصب مساعد وزير الخارجية لعدة سنين في عهد الخميني، شقيقه الأصغر علي لاريجاني الذي ترأس البرلمان الإيراني. وجواد يحمل شهادة الدكتوراه في الفيزياء من إحدى الجامعات الأمريكية المعروفة وهو معجب بالمجتمع الأمريكي وثقافته، ويجيد اللغة الإنجليزية بدرجة ممتازة وله علاقات وثيقة مع الأوساط الإعلامية والجامعية ومراكز الأبحاث المتخصصة بشؤون الشرق الأوسط في الولايات المتحدة، وتتسم شخصية محمد جواد لاريجاني بمزجها بين الجوانب الثقافية القومية والمذهبية الشيعية والبراغماتية السياسية وربما كان مرد ذلك الخلفية العائلية والعلمية والتربوية له. وهو واحد من مثقفي إيران البارزين، كان له من الأطروحات الثقافية ما أثار الكثير من الجدل والإشكاليات والاجتهادات السياسية والمذهبية داخل إيران، شغل لاريجاني بالإضافة إلى ذلك عددًا من المواقع المهمة؛ فقد كان عضوًا ومستشارًا في مجلس الأمن القومي الإيراني، ليصبح أحد أهم العقول التي صاغت السياسة الخارجية التي تعتمدها إيران اليوم، والتي أثرت في توجهها وبلورة رؤيتها الإستراتيجية تجاه المنطقة والعالم. كما شغل عدة مناصب أخرى لا تقل أهمية عما سبق؛ كموقعه في مجلس الشورى الإسلامي إذ كان نائبًا عن العاصمة طهران، ومديرًا لمركز الدراسات الإستراتيجية التابع لمجلس الشورى، الذي كان يقترح لأعضائه السياسات والتصورات الإستراتيجية على صعيد السياسة الخارجيةوتلقى تحليلاته خارج إيران المزيد من الاهتمام في المحافل ومراكز الأبحاث وصناعة القرار الغربية، لكونها تسهم في صياغة السياسة الخارجية الإيرانية في كثير من الأحيان.

[2] (نظرية أم القرى مقولات في الإستراتيجية الوطنية) تأليف الدكتور جواد لاريجاني ص 25.

[3] المصدر نفسه ص 26.

googleplayappstore


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة