كيف يقرأ الصهاينة الحرب الجارية في اليمن؟

Share
Share
كيف يقرأ الصهاينة الحرب الجارية في اليمن؟
كيف يقرأ الصهاينة الحرب الجارية في اليمن؟


لم تكن العملية العسكرية الجوية التي نفذتها طائرات تحالف «عاصفة الحزم» ضد أهداف حوثية في اليمن شأنًا عربيًّا داخليًّا، فإلى جانب الاصطفاف الإقليمي، والدعم الدولي، كانت عين الكيان الصهيوني ترقب عن كثب تطورات الموقف الميداني في اليمن، دون أن يهمها من سينتصر في النهاية في هذا الصراع السياسي الداخلي بصورة مباشرة، بقدر ما وضعت أهمية فائقة لمآلات هذا الصراع على البيئة الإستراتيجية في المنطقة التي تشهد سيولة غير مسبوقة في الأحداث.

فوجئ الكيان الصهيوني كما يبدو من القرار السعودي العربي تنفيذ العملية العسكرية «عاصفة الحزم» ضد الحوثيين في اليمن، على اعتبار أن ذلك يرفع من وتيرة التوتر القائم أصلًا في المنطقة مع إيران التي تعتبر نفسها وصية على الحوثيين الذين نفذوا انقلابهم الأخير في اليمن، وقد جاءت مفاجأة الكيان الصهيوني لأن السلوك السعودي بقي في السنوات الأخيرة رتيبًا هادئًا دون الانتقال بقفزات نوعية كبيرة.

فقد أشارت الأوساط الصهيونية إلى أن السعودية باتت متخوفة من تبعات تقدم الحوثيين في اليمن، لأن ذلك قد يفتح شهية شيعة المملكة، وجارتها البحرين، وهو ما جعلها تبادئ الحوثيين، ومن ورائهم إيران بعمليتها هذه دون ضجيج كبير سبقها.

القراءة الصهيونية ليوميات العملية العسكرية الحاصلة في اليمن، يرافقها رصد لتوزيع خريطة القوات السياسية والمليشيات العسكرية التي تعمل في البلاد، وتظهر كم هي معقدة بشكل لا يقل عن سوريا، وهناك مخاوف صهيونية متزايدة من تعاظم أنشطة تنظيم القاعدة الذي جعل من اليمن نقطة الارتكاز الأقوى له، ولنشاطاته في شبه الجزيرة العربية، لاسيما بعد أن أخرجت الولايات المتحدة جميع جنودها من القاعدة الجوية في عدن في الأيام الأخيرة، وأغلقت سفارتها في صنعاء، وتم تعليق الهجمات على مواقع تنظيم القاعدة.

كما أن الهجوم السعودي العربي على مواقع الحوثيين سبقه انقضاض الحوثيين على السلطة، بحيث تحولوا رافعة سياسية لصالح إيران، التي باتت تفرض عليهم تأثيرها، وجعلت منهم رعاياها: تمولهم وتسلحهم وتدربهم، حتى إنها استقبلت بعثة عسكرية من 600 مقاتل حوثي، يتلقون تدريبات متقدمة، وبقيت السعودية تدير معارك «شد حبل» لكبح تأثير إيران دون جدوى!

السعودية، وفقًا للقراءة الصهيونية ذاتها، كانت تقف قبيل بدء ضرباتها الجوية باتجاه الحوثيين أمام معضلة صعبة: فمن أجل محاربة الحوثيين وكبح إيران، عليها دعم القوات السنية، ولكن من بين السنة الذين يتوجب عليها دعمهم يوجد تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية، وجزء من قوات الجيش الذين يدعمون الرئيس المخلوع علي صالح، وجزء من القبائل التي تدعم القاعدة، لكن «عاصفة الحزم» فاجأت الجميع على ما يبدو، بمن فيهم الكيان الصهيوني وإيران!

ولعل الهم الأكبر الذي يراود صناع القرار الصهيوني ودوائر البحث ومراكز الدراسات يتعلق بالمدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وهو مضيق باب المندب، كونه يكتسب أهمية دولية لأنه طريق حيوي تشقه ناقلات النفط في طريقها من منابع الجزيرة وإيران إلى باقي دول العالم عبر قناة السويس، ويقدر عدد السفن وناقلات النفط العابرة منه بالاتجاهين بـ21 ألف سفينة، تساوي 30% من حمولات النفط في العالم.

الكيان الصهيوني يعلم أكثر من سواه أن إيران الساعية لترسيخ نفوذها الإقليمي ستتوج هذا النفوذ بالوصول لميناء الحديدة على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، عبر وكيلها الحوثي في صنعاء، وربما يعني ذلك السيطرة على باب المندب ما يجعلها تبدي رخاوة في مفاوضات الملف النووي نظرًا لأهمية هذا الكنز التي وضعت يدها وأقدامها عليه، وفي المقابل يعتبر انتكاسة لدول الخليج والسعودية على رأسها، لأنه يعني تطويقًا لها، شمالًا عبر العراق الذي أوشك أن يتحول محافظة إيرانية، وجنوبًا حيث الاعتماد بالكلية على دعم الحرس الثوري.

لكن محافل صنع القرار الصهيوني تعتبر أن الضربة السعودية للحوثيين مردها الشعور بأن استمرار سيطرتهم على معظم أنحاء اليمن يعني منح إيران أوراقًا تفاوضية ميدانية حول مشروعها النووي، وكلما تعاظم النفوذ الإيراني في العراق وسوريا واليمن، تتعاظم قدرتهم على مساومة الأميركيين والأوربيين، وهنا يستذكر الكيان الصهيوني ما أعلنه أكثر من مسؤول إيراني مؤخرًا أن طهران باتت تضع يدها على أربع عواصم عربية: بغداد، دمشق، بيروت، صنعاء! وهي تصريحات تظهر غرورًا لا تخطئه العين، قد تدفع إيران ثمنه قريبًا!

الضربة السعودية ضد الحوثيين، تعكس إحباطًا عربيًّا من عدم التحرك الأمريكي لكبح جماح التمدد الإيراني في المنطقة، وآخره في اليمن، وكأن هناك انطباعًا يسري في الرأي العام العربي مفاده أن واشنطن قد تمنح طهران مواطئ قدم إضافية في المنطقة!

الكيان الصهيوني يفرك يديه فرحًا، ولا يخفي ابتهاجه وهو يرى المنطقة العربية تدخل مرحلة استنزاف غير مسبوقة منذ عقود، قد تصل ذروتها في دخولها حربًا جديدة قد يطلق عليها «حرب الخليج الثالثة» على غرار حرب الثماني سنوات بين العراق وإيران.

تطور «عاصفة الحزم» إلى مواجهة عسكرية برية بين العرب وإيران، يساعد من وجهة النظر الصهيونية على إنهاك دول المنطقة بلا استثناء من جهة، ويساعدها على ترحيل الملف الفلسطيني سنوات أخرى قادمة من جهة أخرى، ويريحها من دفع الأثمان المطلوبة منها من جهة ثالثة.

الملفت في المتابعة الصهيونية للعملية العسكرية في اليمن، وهي نابعة من خلافات سياسية بحتة، أن وسائلها الإعلامية وتعليقات كتابها تمنح اللبوس الطائفي لها وتصبغها باللون المذهبي، وتجعل الصراع بين السنة والشيعة؛ لتيقنهم أن ذلك يساعد على تفتيت ما تبقى من أجزاء متماسكة في هذه المنطقة، والكيان الصهيوني حريص على إيقاظ كل ما من شأنه إشاعة مزيد من أجواء التوتر والتصعيد بين مكونات دول المنطقة ومجتمعاتها.

أخيرًا.. يعتقد الكيان الصهيوني أن الضربة الجوية لمواقع الحوثيين لن تتوقف عند هذا الحد، بل قد تمتد لعمليات برية متلاحقة، وتستغرق مدة زمنية طويلة، سواء في ضوء التحضيرات العسكرية الميدانية للدول العربية، أو رد فعل إيران وحلفائها في المنطقة، التي تخشى أن يكون تمددها الذي أصابها بالنشوة المؤقتة بداية لانحسارها عن أول عاصمة عربية تصاب فيها بانتكاسة لم تتوقعها!

والكيان الصهيوني، الذي يناصب العداء لكل مكونات المنطقة، يأمل أن يكون غرور إيران بـ«تمددها» في سوريا والعراق ولبنان وأخيرًا اليمن، مقدمة لـ«تبددها»، دون أن يكلف الإسرائيليون أنفسهم عناء إطلاق رصاصة واحدة، وفي الوقت ذاته يسعون لأن تتورط الدول العربية في مستنقع حروب داخلية تبدأ ولا تنتهي في قادم الأيام، كي يتسنى في النهاية فرض الوصاية الصهيونية على المنطقة، وتعيد من جديد طرح شعارها القديم الجديد بأنها «واحة الأمان في غابة الخوف العربية»!

:: مجلة البيان العدد  335 رجب  1436هـ، إبريل – مايو  2015م.

googleplayappstore


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة