التراجع العربي طريقنا للتقدم

Share
Share
التراجع العربي طريقنا للتقدم
التراجع العربي طريقنا للتقدم


 

الحمد لله رب العالمين معز من أطاعه ومذل من عصاه والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين حبيبنا ورسول رب العالمين محمد صلى الله عليه وسلم، أما بعد:

فإن لله نواميس ثابتة لا تتبدل تحكم حركة الكون كله يتسع شمولها ليشمل الزمان والمكان، أي التاريخ والجغرافيا، من عمل بمقتضاها وُفق لحصول المأمول، ومن تجاهلها أو عاندها تجاهلته ولم يحصل مما يريد شيء جزاء وفاقًا.

من هذه النواميس علاقة السببية التي تحكم العلاقة بين الأشياء، فكل نتيجة تُرتجى لا بد لها من طريق يسلك وأسباب تتخذ، ومن لم يتخذ الأسباب الموصلة ولم يسلك الطريق الموصل فلن يتحقق غرضه إلا من خلال حدث قدري، وهذا الحدث القدري منة من الله لا يكتسب بالأسباب، ومنذ تقاعس المسلمون عن الأخذ بالأسباب وتركوا الالتزام بنصوص الشرع في ذلك فالتراجع بل النكوص على الأعقاب في كل مجالات الحياة هو أصدق تعبير عن حالهم، فأنى اتجهت إلى زاوية من زوايا الحياة أو الدين ألفيت التراجع على أبوابها، وذلك في الوقت الذي يجد ويجتهد فيه الكثيرون غيرنا من غير المسلمين أو من المسلمين أهل البدع ليحققوا قفزات ضخمة هائلة في تحقيق مشاريعهم على الأرض، والأمثلة على ذلك من الواقع كثيرة، ونستعرض من ذلك مثالين:

 مثال من غير المسلمين وهم اليهود، إذ لم تكن لهم دولة قبل عام 48م من القرن المنصرم، أي أن عمر هذه الدولة قارب الـ70 عامًا فقط، بينما كل الدول العربية والإسلامية تجاوز عمرها ألف سنة وهي الآن في الألفية الثانية والفرق بين قرابة المليار ونصف المليار عربي وإسلامي وبين عدة ملايين من اليهود لا تتجاوز أصابع اليدين كالفرق بين الثرى والثريا في كل مجالات الحياة، وانعكس أثر ذلك على الواقع فلم تستطع الدول العربية والإسلامية مجتمعة استخلاص حق الفلسطينيين من أيديهم برغم قلة عددهم مقارنة بعدد العرب وحدهم فضلًا عن عدد المسلمين، وبرغم أن اليهود يتبعون دينًا مبدلًا والعرب والمسلمون معهم الدين الحق الخاتم لكن اليهود أخذوا بالأسباب الموصلة للمراد، وجدّوا واجتهدوا في عزم وإصرار دون تكاسل، بينما لم يكن لدى العرب والمسلمين عزم وإصرار وإرادة، فالإرادة الجازمة متى وجدت فلا بد أن يتبعها عمل لتحقيقها كما قال تعالى مبينًا عدم صدق دعوى من ادعى إرادته الخروج للجهاد بعدم إعدادهم للعدة المناسبة له فقال: {وَلَوْ أَرَادُوا الْـخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً} [التوبة: 46]،  بل كان منهم التكاسل والتقاعس وضعف الإرادة أو انعدامها اتكالًا على أنهم على الحق وخلودًا إلى الدعة والراحة، وكأن  كثيرًا منهم لم يفقهوا أن كون الإنسان على الحق لا يصلح أن يكون دليلًا على ترك الأسباب التي جعلها الله أسبابًا موصلة للمراد، وقد نقل ابن تيمية عن طائفة من العلماء أنهم قالوا: «الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع»، ومن أعجب العجب أن تجد فئة من الناس (اليهود) مشتتين في أنحاء العالم لم تكن لهم دولة تجمعهم أنهم في خلال سبعين عامًا يتقدمون في جميع المجالات حتى يكون لديهم أكثر من 200 رأس نووي، فضلًا عن غيرها من أنواع الأسلحة الأخرى المتقدمة، بينما الدول العربية الأعرق تاريخًا في الوجود لم تتمكن حتى الآن من صناعة السلاح التقليدي من طائرات ومدرعات ومدفعية، الذي تدفع به  طمع الطامعين وتدافع عن وجودها.

وإذا انتقلنا من هذا المثال إلى المثال الثاني وهم المسلمون من أهل البدع، أعني الرافضة الإمامية الإثنى عشرية، نجد أن دولتهم لم تقم إلا في نهاية السبعينات من القرن المنصرم مع ثورة الخميني الرافضي على الشاه رضا بهلوي العلماني، ومع ذلك هي الآن أوشكت على إنتاج القنبلة النووية أو أنتجتها بالفعل، وغير ذلك من الصواريخ والقطع البحرية العسكرية ثم تمددت بالفعل في قارات العالم حتى كان لها وجود مؤثر فيها، ولم يقتصر ذلك على دول آسيا وإفريقيا بل تمكنت من الوجود والتربع في بلدان عريقة في العربية وسيطرت على عواصمها كالعراق واليمن؛ كل ذلك بالجد والاجتهاد والعزم والإصرار والإرادة الجازمة والأخذ بالأسباب، بينما غالبية الدول العربية قابعة في مكانها يُنتقص منها ومن سيادتها قانعة بحالها لا تحدث نفسها بأكثر مما هي عليه، وكل ما ترجوه أن تبقى لها حدودها مصانة صورة ولو انتقصت حقيقة.

ولو توفر للشيعة الإثنى عشرية المتمركزة في إيران ما توفر لبعض الدول العربية من المكانة الدينية لنشرت التشيع في ربوع الدول الإسلامية حتى يصير التشيع هو المذهب السائد ويصير أهل السنة أقلية.

فالتراجع العربي الإسلامي على الأصعدة كافة وعدم التقدم من أهم أسبابه عدم وجود الإرادة الجازمة لتجاوز حالة التخلف والانكسار، والتكاسل والخلود إلى الدعة والاعتماد على الغير في حفظ أمن البلاد، وعدم فهم قضية الأسباب، وترتب على ذلك كله التقاعس والتواكل وعدم الارتفاع لمواضع المحامد التي لا تنال إلا بالجهد والاجتهاد والجهاد؛ لذلك فالمسلمون مدعوون بقوة في وقتنا الحاضر إلى التفاعل الحسن مع قضية الأسباب حتى لا يضيعوا مستقبلهم ويخفقوا في تحقيق مراد الشرع منهم ومعرفة الفرق بين التوكل الذي مدح به المؤمنون وأمروا به: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة: 23] وبين ترك الأخذ بالأسباب.

وقد حاول العرب - في محاولة منهم للتغلب على العجز الواضح في قدراتهم وعلى عدم أخذهم المكانة اللائقة بهم عددًا ومساحة وإمكانات وموقعًا جغرافيًّا متميزًا - التجمع وعقد ما يسمونه مؤتمرات قمة ليتخذوا فيها قرارات مصيرية علها تنقذهم وتخرجهم من حالة التدني التي تحيا فيها دولهم مقارنة بالدول المتقدمة، لكن بالنظر إلى مردود نتائج هذه القمم على مدى العقود التي مرت منذ انعقاد أول مؤتمر قمة عام 1964م نجد أنه مردود متواضع مقارنة بقدرات الدول العربية وإمكاناتها، فلم تمكنها هذه المؤتمرات على مدى أكثر من خمسة عقود من إحداث تغيير حقيقي وإحداث نقلة حضارية أو سياسية أو اقتصادية تتجاوز بها حالتها الراهنة، بل حافظت باقتدار على موقع المؤخرة، وحتى هذا القليل الذي تمخضت عنه بعض هذه المؤتمرات حدث التراجع عنه بعد مدة من الزمن، ولا حل ناجع لهذا الوضع المتدني وإحداث تقدم غير وجود الإرادة الجازمة للتغيير وبذل الجهد والأخذ بالأسباب والاعتماد على النفس بعد الاعتماد على الله، وعدم الاعتماد على الغير سواء من شرق أو غرب؛ فإن هذا الاعتماد على الغير من أكبر الأسباب التي جعلت التراجع سمة من سمات النظام العربي، فلا مناص من العمل الجاد النشط المدروس للانتقال من وضع حالي غير مرضٍ إلى وضع مأمول يليق بمكانتنا ويحقق طموحات شعوبنا، ولا وصول لذلك على النحو المرضي إلا باتباع الكتاب والسنة وتحكيم الشريعة في كل أمورنا لأن الفلاح والنجاح مضمون لمن تبعهما وعمل بما دلا عليه.

اللهم وفق من تولى أمر عبادك لنصرة دينك وتحكيم شريعتك وأعلِ شأن الأمة ومكانتها قدرًا كما أعليتها شرعًا، آمين.


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة