وقفات مع أزمة "مذابح الأرمن"

Share
Share
وقفات مع أزمة "مذابح الأرمن"
وقفات مع أزمة "مذابح الأرمن"



تزداد حدة الحملات الإعلامية الغربية التي تقودها الأبواق الكبيرة والوسائل الإعلامية والشخصيات المناهضة للعالم الإسلامي في أواخر شهر أبريل وخاصة في يوم الرابع والعشرين منه، الذي يعتبر تخليدًا لما اصطلح على تسميته بـ«مذابح الأرمن» التي نفَّذتها تركيا العثمانية ضد أقليات مسيحية أرمينية في أواخر الحرب العالمية الثانية، وهذا يضع جملة كبيرة من علامات الاستفهام حول الجهات التي تقود الحملات، والسبب الرئيس في التركيز على هذه الحادثة، وفي الوقت ذاته يستدعي الحديث أكثر وبلغة الأرقام عن الحادثة.

لا يمكن إنكار أن القوات التركية قامت في أبريل 1915م، بقتل عددٍ غير محددٍ من الأرمن في أماكن مختلفة من تركيا، كما لا يوجد رقم دقيق لعدد القتلى خاصة أن غالبية المصادر غربية في الأصل، حيث تشير مصادر إلى أن عدد الضحايا الأرمن يتراوح ما بين 1 مليون و1.5 مليون نسمة، في حين تشير الحكومة التركية وبعض المؤرخين الأتراك إلى مقتل 300 ألف أرمني فقط، بينما تشير مصادر أرمنية إلى سقوط أكثر من 1.5 مليون أرمني، وتقول مصادر أرمنية أخرى إن أعداد من ماتوا من الأرمن في الفترة ١٩١٥-١٩١٨م نحو نصف مليون أرمني.

وإذا ما دققنا النظر في تعداد سكان الأرمن في تركيا أثناء الحرب العالمية الأولى يبدو من الواضح لنا أن الأرقام الغربية والأرمنية مبالغ فيها، وبحسب إحصاء 1914م فإن تعداد الأرمن في جميع أنحاء الدولة العثمانية (وليس تركيا الحالية) بلغ مليونًا و٢١٩ ألف أرمني، ووفق الإحصاء البريطاني كانوا مليونًا و٥٦ ألف أرمني، أما وفق إحصاء اللجنة الفرنسية فكانوا مليونًا و٢٨٠ ألف أرمني. فكيف إذن تم قتل 1.5 مليون أرمني؟!

وتذكر المصادر التركية أن سبب وفاتهم هي ظروف الحرب والتهجير، وبالتالي فإن ما حدث للأرمن بحسب وجهة النظر التركية ليس إبادة لأنه تم بعوامل طبيعية دون أمر بالقتل، ويترافق هذا الرأي مع بيان صادر عام 1985م عن 69 مؤرخًا أميركيًّا أهمهم برنارد لويس، ينفي وقوع أي عملية تطهير عرقي للأرمن من قبل الأتراك.

تحمل الروايات الغربية كثيرًا من التناقضات والمعلومات التي لا يصدقها أي عاقل، حيث تذكر أن الجيش العثماني طرد الأرمن من ديارهم، وأجبرهم على المسير لمئات الأميال، بالجمع وليس بالمفرد، بمعنى أن الحد الأدنى للمشي كان 100 ميل، أي ما يعادل 160 كيلومترًا، علمًا أن الحادثة وقعت أثناء انشغال الجيش التركي بالحرب العالمية الأولى.

في العام نفسه الذي تمَّت فيه المذابح، حاول الأرمن الانشقاق عن تركيا وتكوين دويلة لهم مرتبطة بالقوى الكبرى، وهو ما يعني تفتيت أو تقسيم تركيا وفق السياسة البريطانية «تقسيم المقسم وتجزيء المجزَّأ» وهو ما يقابله في علم السياسة «الخيانة الكبرى» للوطن.

اتخذ الأرمن خطوات عملية لتنفيذ وتحقيق تطلعاتهم الانفصالية، فتعاونوا مع روسيا التي كانت حين ذلك ترفض انفصال أي جماعة عنها، ففي عامي 1915 و1916م زحفت جيوش الإمبراطورية الروسية نحو الدولة العثمانية واحتلت مناطق مختلفة، منها: جوله ميرك ونيروه وفرشين ومدينة العمادية وبلدة راوندوز وبلدة خانقين، حيث قامت القوات الأرمنية بقتل خمسة آلاف من أهالي راوندوز وخانقين والمناطق المجاورة لهما، فضلًا عن مصادرة كل المواشي والمحاصيل الزراعية وسرقة خيرات المناطق المذكورة وتهجير سكانها حتى قيام ثورة أكتوبر في روسيا عام 1917م، وذلك بسبب وقوف تلك المناطق بجانب الدولة العثمانية في التصدي للهجوم الروسي.

في مثل تلك الأوضاع التي وضعت الأمن القومي التركي على المحك كان لا بد للجيش التركي من الرد على الأرمن ووضح حد لتماديهم وتمددهم، فتعاون مع عشائر كردية في ردع القرى الأرمنية المتعاونة مع الروس والثوار الأرمن.

المتابع للتغطية الإعلامية التي تمَّت لسنوية الأرمن يدرك أن غالبيتها تمَّت بوسائل إعلامية غربية، فرنسية وبريطانية وروسية وصهيونية (إسرائيلية) على وجه التحديد، وهذا يطرح تساؤلات حول الهدف الرئيس من قرع الخزان وإحياء الذكرى مرارًا وتكرارًا، وهذا العمل يحاول تحقيق جملة من الأهداف:

أولًا: التغطية على الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها الدول المذكورة بحق المسلمين، ففرنسا قامت باحتلال أجزاء كبيرة من الشام والجزائر ومصر وغيرها، وقتل في الجزائر 6 ملايين شهيد خلال 132 سنة من الاحتلال، منهم 1.5 مليون شهيد فقط خلال الثورة، كما قتل نابليون آلاف المصريين حينما احتل مصر، فضلًا عن قتل نحو 25 ألف مسلم في مالي، و15 ألف مسلم في إفريقيا الوسطى ونيجيريا.

أما روسيا، وريثة الاتحاد السوفيتي، فقد قتلت مئات آلاف المسلمين، ففي تركستان وحدها سنة 1934م قتلت مائة ألف مسلم من أعضاء الحكومة المحلية، والعلماء، والمثقفين، والتجار، والمزارعين. وفي شبه جزيرة القرم قتلت ٣٥٠ ألفًا في عام واحد. وهرب أكثر من مليون!! ولا تسأل عمَّ فعلوا في جورجيا وأفخازيا والشيشان والبوسنة والهرسك.

googleplayappstore

أما بريطانيا فقد احتلت العراق وفلسطين، وهي التي قامت بتسليم فلسطين إلى الصهيونية العالمية، وقتلت مئات الآلاف في المنطقة العربية، وشاركت في الحرب على العراق.

ثانيًا: تعزيز النعرات الطائفية والعرقية في الشرق الأوسط، وهذا بدوره يقود إلى جعل الكيان الصهيوني كيانًا طبيعيًّا في المنطقة العربية، ويجب التعاطي الإيجابي معه، وإزالة المخاوف العربية من المشروع الإيراني الفارسي الذي سيطر على أربع عواصم عربية قبل انطلاق عاصفة الحزم.

ثالثًا: تقويض وتوتير علاقات تركيا الخارجية ووقف تمددها الإقليمي تحت شعارات عدم احترام حقوق الإنسان أو الإبادة الجماعية، ووضع عوائق كبيرة أمام دخولها الاتحاد الأوربي بعدما باتت تجلس على مدخل الاتحاد.

رابعًا: تجريم تركيا وتشويه صورة النموذج السياسي الإسلامي الذي انتقل بها من حالة المديونية إلى حالة النمو والفوائض الكبيرة، وذلك خشية من الغرب أن تحيي تركيا الحديثة الإمبراطورية العثمانية، كما يروق للبعض تسمية قادتها بـ«العثمانيين الجدد».

طالما بانت أهداف الغرب من حملاتهم الإعلامية المتعلقة بالمذابح الأرمنية، يمكن القول إن السنوات القادمة ستشهد مزيدًا من التفاعلات الغربية مع هذه الحادثة، ومع اصطفاف دول وأطراف عربية مع الغرب، تبقى الخشية قائمة من نسيان المجازر الغربية بحق الإنسان العربي على مدار العقود الماضية.

:: مجلة البيان العدد  336 شعبان  1436هـ، مايو - يونيو  2015م.

انفوجرافيك


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة