أهمية التاريخ عند المسلمين والصهاينة

Share
Share
أهمية التاريخ عند المسلمين والصهاينة
أهمية التاريخ عند المسلمين والصهاينة



التاريخ كلمة تتردد على أسماعنا يوميًّا، ويتناقلها العامة والخاصة من الناس، وتعقد لها الدول الندوات والملتقيات، وتطبع فيها مئات الكتب والمنشورات، لكن المتأمل في درجة وعي أمتنا بأهمية التاريخ فإنه يجد نتائج مخالفة تمامًا، لدعوى أهمية التاريخ في حياتنا، فهل ندرك معنى التاريخ حقيقة، أم أن فهمنا لهذا العلم لا يزال سطحيًّا لدرجة ارتباطه في الوعي الجمعي للأمة بحوادث وتواريخ معينة تحفظ وتردد في مناسبات معينة لا أقل ولا أكثر، ترديدًا يابسًا يفتقد للوعي ولروح الأصالة والعمق في التناول والطرح والاستفادة، وقد عرف أسلافنا أهمية التاريخ فأبدعوا في حركة التأليف وتركوا أثارًا ضخمة، وصل إلينا منها الكثير، برغم ما خسرناه في المحرقة العلمية ببغداد، عندما أحرق المغول ملايين الكتب، ثم المحرقة الثانية التي قام بها الصليبيون بعد سقوط الأندلس، وقد تركوا لنا أقوالًا ذهبية تشير إلى مدى اهتمامهم ووعيهم بشرفه ومكانته عندهم، يقول الصلاح الصفدي: «التاريخ للزمان مرآة، وتراجم العلماء للمشاركة والمشاهدة مرقاة، وأخبار الماضين لمن عانته الهموم ملهاة، وقد أفاد التاريخ حزمًا وعزمًا، وموعظة وعلمًا، وهمة تُذهب همًّا، وبيانًا يزيل وهنًا ووهمًا، وصبرًا يبعث التأسي بمن مضى، واحتشامًا يوجب الرضا بما خفى وجلا من القضاء. {وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: ٠٢١] {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ} [يوسف: ١١١].

التاريخ ذاكرة الأمم:

التاريخ هو مرآة الأمم، على صفحاته ينعكس الماضي ويتجسد الحاضر، ومنه يُستشرف المستقبل، التاريخ هو كل لحظة تركناها وراءنا، بحملها ومخاضها ونتاجها، التاريخ هو ذاكرة الأمم، ولا حاضر ولا مستقبل لأمة دون ذاكرة، وهذا ما تعيه الشعوب المتحضرة، التي توليه أهمية بالغة، وتعطيه مكانة مقدسة.

هذا العلم الشريف والخطير إن أهملته أي أمة كانت النتيجة البوار الحضاري وفقدان ريادة الذات والعالم معًا، تقول الحكمة اليونانية: «لا يتصور على وجه الكرة وجود أمة تشعر بذاتها، تعرف نفسها قائمة بنفسها إلا إذا كانت حافظة لتاريخها، واعية لماضيها، متذكرة لأولوياتها ومبادئها، مقيدة لوقائعها مسلسلة لأنسابها، خازنة لآدابها مما لا يقوم به إلا علم التاريخ الذي هو الوصل بين الماضي والمستقبل، والرابط بين الآنف والمستأنف».

 لقد شدني إلى هذا الموضوع ما يشاهد اليوم من اهتمام اليهود بتاريخهم اهتمامًا عجيبًا فريدًا في عصرنا الحالي، حتى أعطوه المكانة الأولى في منظومتهم للتربية في الكيان الصهيوني، والدليل على ذلك أنهم يجعلون معدل مادة التاريخ الأعلى بين كل المواد، بل إن مُعامل التاريخ عندهم بلغ ثماني درجات، حيث يتقدم هذا المقياس العلمي على اللغة العبرية نفسها، كما يحرصون على أن يُدَرِّسَ أبناءَهم يهودٌ أبناء يهود، أبًا عن جد، ولا يشوب نسبهم عرق مدسوس، حيث يجرون تحقيقات دقيقة في حق كل أستاذ مرشح لتدريس هذه المادة؛ كل ذلك يدل على خطورة التاريخ وأهميته عندهم، وما اهتم اليهود بشيء إلا لعلمهم أنه من ركائز الحياة، ومن عصبها المحرك للبشرية، فهم يعلمون أن صناعة الصهيوني تبدأ من التاريخ والتاريخ فقط.

أما في المنطقة العربية - عمومًا - فإن التاريخ هو آخر ما يهتم به القائمون على المنظومات التربوية والتعليمية، والدليل أن الكثير من المنظومات العربية مثلًا تخصص ساعة واحدة في الأسبوع لدراسة التاريخ، وإن عرجنا على محتوى ما يدرس في تلك الساعة أو الساعتين لوجدناه لا يخرج عن كونه: إما مادة جافة يهرب منها الطلبة، وإما تاريخًا مسيسًا، وإما تاريخًا مزورًا كتبه أعداؤنا، وإما تاريخًا يحاول ربط الأجيال بجذور وثنية لا تنفع ولا تغني، بل ضررها أكبر على هوية الإنسان المسلم، فهي تربي في نفوس الناشئة التعصب للتراب والوثن والأصنام وصنميتها، مثل تدريس تاريخ الفراعنة، والنوميديين، والآشوريين، والبابليين، والفينيقيين؛ على أنهم امتدادنا وأصلنا الأصيل

أجيال بلا وعي .. تحتاج للتوعية:

إن إهمال المنظومات التربوية للتاريخ؛ أنتج لنا أجيالًا منقطعة عن ماضيها البعيد، معادية لعبقه الزكي، بل إن الأجيال الحالية - غالبًا - تجهل الكثير عن ماضيها المعاصر والقريب، ما جعلها تقع فريسة سهلة للدسائس المسمومة، التي تربط تخلف المسلمين بتمسكهم بالإسلام والعربية والأصالة، خاصة أن الغرب حرص كل الحرص في الحقبة الاستعمارية الماضية، على صب كميات هائلة من الأكاذيب والأيديولوجيات المصادمة لحقيقة المسلمين، وهو الأمر الذي تشربه الكثيرون من بني جلدتنا، وضاعف تهميش التاريخ من ضعف المناعة الاجتماعية لديهم

بين التاريخي الواعي واللحظاتي الضائع:

أدى الإهمال الواسع لعلم التاريخ إلى ظهور أجيال لحظاتية حاليّة تفهم ما يحدث أمامها آنيًّا فقط، ثم ما تلبث أن تنسى تلك اللحظات والأحداث، خاصة مع كثرة الأحداث وتواليها السريع، هذا التهميش الآثم أنتج لنا أجيالًا لا ترى في التاريخ سوى مادة ثقيلة على النفوس، تدرس في آخر اليوم، ومن أستاذ لا يفقه شيئًا مما يقول، بل يقرأ قراءة عمياء لما بين يديه من نصوص، هذا إن لم يجعل من حصة التاريخ مادة إملاء ممل ومتعب، ولذلك نتواجه يوميًّا مع أجيال باردة أمام أحداث تاريخية غيرت مجرى العالم، وباردة حتى مع أحداث تقع وتغير مجرى الحياة والجغرافيا، وهذا الأمر يثير الخوف في نفوس الكثير من المصلحين، إن استمر وتفاقم، فالعرب في جاهليتها لم تكن بهذه الصورة المأساوية، يقول المؤرخ المسلم ابن الأثير: «وقد كانت العرب على جهلها بالقلم وخطه، والكتاب وضبطه، تصرف إلى التاريخ جمل دواعيها، وتجعل لها أول حظ من مساعيها، فتستغنى بحفظ قلوبها عن حفظ مكتوبها وتعتاض برقم صدورها، وعن رقم سطورها، كل ذلك عناية منها بأخبار أوائلها وأيام فضائلها، وهل الإنسان إلا ما أسسه ذكره وبناه؟ وهل البقاء لصورة لحمه ودمه لولا بقاء معناه».

آن لنا أن نهتم بالتاريخ:

إنه من الحري بنا جميعًا أن نشيع الوعي بأهمية التاريخ في حياتنا، وأن نطالب بإعادة الاعتبار لتاريخ أمتنا العظيم الشامخ في سماء البشرية، ولن يكون لأية محاولة أية أهمية، ما لم يتم يُهتم به في المدارس، وتنشئة الأجيال على الاهتمام بتاريخنا واحترامه والتنقيب فيه والاستفادة منه

 استغلال الوسائل الحديثة لخدمة تاريخنا:

ومن المهم بمكان الاهتمام بتدريس التاريخ عن طريق الفيديو والصور والأفلام التاريخية، الموثقة توثيقًا صحيحًا المشهود لها بالصحة، فإن للصوت والصورة أثرًا واضحًا في التأثير على النفوس وتحريكها؛ حتى نخرج من الطريقة الجافة الجامدة في تدريس التاريخ.

حين يتغنى ابن القيم بالتاريخ:

إن من أسباب تخلفنا إهمال التاريخ ومحاربته بالتهميش والاحتقار، فمن هذا الباب خرجنا من الحضارة ومنه سنعود إن أردنا، واسمع لقول ابن القيم إذ يتحدث عن التاريخ وكأنه يعيش بيننا إذ يقول: «التاريخ من أعظم العلوم أدبًا وأعذبها منبعًا، وأهناها مشربًا، وأنورها مطلعًا وأحلاها في القلوب موقعًا لم تزل محاسنه تروق، وفوائده تفوق، وفرائده تشوق، به تعرف أخبار من سلف من العرب والعجم، وأحاديث ذوي المراتب والهمم، تستفاد منه محاسن الأعيان وتفهم مواقف الشجعان، ومقاتل الفرسان وأوقات مواليدهم ومدد أعمالهم، ومواضع منازلهم، ومعاهد ديارهم، وسيرة الكرماء في كل وقت ومن اختص بفيض هباته بالهيبة وغيره بالمقت».

فإن أرادت الأمة أن تكون رائدة في الحياة، فيجب أن تهتم بتاريخها الاهتمام اللائق والواعي، فإنه لا مستقبل لأمة لا تحترم تاريخها، فالمستقبل تصنعه الأمم التي تحترم تاريخها وترعاه حق الرعاية.

:: مجلة البيان العدد  336 شعبان  1436هـ، مايو - يونيو  2015م.

 

googleplayappstore


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة