ســؤال الـزهــد

Share
Share
ســؤال الـزهــد
ســؤال الـزهــد



في معمعة الحضارة، وسيطرة المادة، تلوح في الأفق كواكب مضيئة بين الحين والآخر، تُذكِّر الناس بأحوالها، وتعِظُهم بجميل فِعالِها، وتوقظُهم بما لديها من أنهار البصيرة بالحكمة من إيجادهم والغاية من خلقهم، بأعمالٍ لا تهفو إليها نفوسهم غالبًا ولا تُسرع، بل ربَّما لا تستدعيها؛ حيث إنها تُخالف رغباتها وملذَّاتها، وربما أفئدة نفرت من أهل ذلك الطريق أو ظنت بأهله سوءًا.

تلكم هي مصابيح أهل الزُّهد وتجار الآخرة الذين انشغلوا بها عن غيرها، وحين تبرز تلك الكواكب تنهال أسئلة على خاطر من يعتبر، من أهمِّها:

هل الحياة الدنيا مذمومة أم محمودة؟

وقبل الإجابة عن هذا السُّؤال فإننا لا نختلف في كون الآخرة وعِمارتها هي مركز تفكير أهل الإسلام؛ إذ خلقهم وإيجادهم إنما كان لمُهمِّة شريفة لا تخفى على ذي لُبٍّ {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون} [الذاريات:65]، والقرآن والسنة معموران بشواهد لا تُحصى في إثبات وتقرير هذه الـمُسلَّمة.

وحين تتحرَّى الإجابة عن السؤال الآنف في نصوص الوحيين تجد أمامك أمرين مهمين ظاهرهما التعارض:

أما الأول: فهو النصوص التي تذم الدنيا وتحقِّرها، وتنهى عن الركون إليها، والأمر الثاني: ما جاء من نصوص في أمر إباحتها وعدم المؤاخذة بالاستمتاع بشيء من ملاذِّها، والامتنان ببعض ما فيها، وإليك الأمران بشيء من التفصيل والاستدلال:

1- وصف الله تعالى هذه الحياة بأوصاف تشِي بذمِّها واحتقارها وعدم الرُّكون إليها أو الاغترار بها؛ كونها لهوًا ولعبًا ومتاعًا قليلًا وزينةً وزُخرفًا وتكاثرًا وغيثًا يُعجب الكفار نباته ثمَّ يهيج فيكون مُصفرًا ونحو ذلك، كقوله سبحانه: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُون} [الأنعام:23]، وقوله: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} [يونس:24]، وقوله: {اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاع} [الرعد:26]، وقوله: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا}[الكهف:45]، وقوله: {وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُون} [القصص:60]، وقوله: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون} [العنكبوت:64]، وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُور}[فاطر:5]، وقوله على لسان الرجل الصالح: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَار} [غافر:39]، وقوله: {فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون} [الشورى:36]، وقوله عن إمكانية بسط الدنيا للكفار دون المؤمنين: {وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ 34 وَزُخْرُفًا وَإن كُلُّ ذَلِكَ لَـمَّا مَتَاعُ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ 35} [الزخرف: 34، 35] ، وقوله: {إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُم} [محمد:36]، وقوله: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُور} [الحديد:20]، وقوله عن المطر وما ينتج منه: {مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُم} [النازعات:33] و[عبس:32].

وشبَّهها نبيُّه صلى الله عليه وسلم بالجدي الأسكِّ - وهو: مقطوع الأذنين أو صغيرهما - وكونها عند الله ذات هوانٍ، كما في صحيح مسلم (2957) عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بالسُّوق داخلًا من بعض العالية والناس كَنَفَتَهُ، فمر بجدي أسكَّ ميِّت، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: «أيُّكم يحب أن هذا له بدرهم؟» فقالوا: ما نحب أنَّه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: «أتحبُّون أنَّه لكم؟» قالوا: والله لو كان حيًَّا، كان عيبًا فيه، لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال: «فوالله للدنيا أهون على الله، من هذا عليكم».

ووصفها صلى الله عليه وسلم بأنها: «سجنُ المؤمن وجنة الكافر» (رواه مسلم/2956).

ونُقل عنه أن «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضةٍ ما سقى كافرًا منها شربة ماء» (أخرجه الترمذي/2320، وقال: صحيح غريب، وابن ماجه/4110، وقد ضعَّفه العقيلي والذهبي وغيرهما، وصححه الألباني، وحسَّنه بعضهم بشواهده).

ونُقل عنه أيضًا لعنها على لسانه صلى الله عليه وسلم حيث قال: «ألا إن الدنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالمٌ أو متعلمٌ» (أخرجه الترمذي/2322، وقال: حسن غريب، وابن ماجه/4112، وحسَّنه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء/2937، وجوَّد إسناده المـُناوي في تخريج أحاديث المصابيح/4155، وضعَّفه ابن القطَّان في بيان الوهم/1409). قال تقيُّ الدِّين ابن تيمية - رحمه الله -: «فكل عملٍ يعمله العبد ولا يكون طاعة لله وعبادةً وعملًا صالحًا فهو باطلٌ؛ فإن الدنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها إلا ما كان لله» (مجموع الفتاوى: 8/ 76). وعقَّب ابن القيِّم - رحمه الله - على الحديث بقوله: «اللَّعن يفيد الذَّم والبُغض» (مفتاح دار السعادة: 1/ 70).

2- أمَّا الأمر الثاني الذي يتبادر للذِهن تعارُضه مع الأوَّل: أنَّه أباح كثيرًا من متاعها وزُخرُفها، وامتنَّ به علينا، ونص أن قد خلقه لنا ومن أجلنا، وذلك في غير ما آية كقوله: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُون} [البقرة:22]، وقوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا}[البقرة:29]، وقوله: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُون 5 وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُون}[النحل:5-6]، وعرَّف بنعم من جملتها الجمال والزينة، وهو الشيء ذاته الذي ذم به الدنيا فقال: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُون}[النحل:8]، وقوله: {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُون}[النحل:81]، وتأمَّل قوله {لَكُم} فيما سلف من آياتٍ، بل جعل بعضًا مما ادَّخره في جنَّته للمؤمنين نظيره في هذه الحياة الدنيا كالزوجة والأنهار والبيوت والظلال.

ولمـَّا أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن العاص على جيش للجهاد ثمَّ ذكر له المغنم، قال عمرو: يا رسول الله ما أسلمت من أجل المال، ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عليه الصلاة والسلام: «يا عمرو، نِعِمَّا بالمال الصالح للرجل الصالح» (مسند أحمد: 17763، وصحَّحه ابن حبان والحاكم).

وهنا يأتي السُّؤال: هل ثمَّت تعارضٌ بين الوصفين في حقيقة الأمر؟

من قال بإطلاق أحد الوصفين عمومًا بلا استثناء فقد تعارضت في ذهنه النصوص، ومن فصَّل عرف متى يتجه الذم؟ ومتى يأتي المدح؟

وقد فصَّل المسألة ابن تيمية - رحمه الله - حيث جعل قسمة الأنواع سبعة: فما كان نافعًا في الآخرة فهو محمود سواء ضرَّ في الدنيا أو نفع أو لم ينفع ولم يضر، وما كان ضارًا في الآخرة فهو مذموم سواء ضرَّ في الدنيا أو نفع أو لم يضر ولم ينفع، وما كان نافعًا في الدنيا غير ضار في الآخرة فهو محمود، وما كان ضارًا في الدنيا غير نافع في الآخرة فهو مذموم، وجعل القسم السابع ما كان غير ضار ولا نافع في الدارين ولم يجزم بذمِّه أو مدحه وإنما قال: «فيه قولان: قيل لا حمد فيه ولا ذم، وقيل: بل هو مذموم» (مجموع الفتاوى: 20/ 148-149).

وسواء كانت الأقسام عنده سبعة أو أكثر فالخلاصة لديه أنَّ الدنيا مذمومة إلا ما كان فيها سُلَّمًا للآخرة أو مُعينًا عليها فهو محمود بهذا الاعتبار، كما جاء في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - المرفوع السالف ذكره: «ألا إن الدنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالمٌ أو متعلمٌ»، ويبقى ما لم يكن فيه ضرر في الآخرة وهو نافع في الدنيا فهو محمود كما قال - لكنه يقل حضوره عن الأقسام التي قبله -، أمَّا ما كان غير نافع ولا ضار في الدارين فهو أضيق دائرة مما قبله وهو مختلف فيه، ولذا قال - رحمه الله - أثناء تقريره للمنافع الدنيوية المذمومة ممثِّلًا لها: «وكذلك اللذات والشهوات المباحات إذا حصل للعبد فيها وهْنًا وتأخيرًا في أمر الآخرة وطلبها» يعني: فهي مذمومة. (مجموع الفتاوى: 20/ 148).

قال ابن القيم - رحمه الله - شارحًا لمعنى «إلَّا ذِكر الله» الوارد في الحديث وما يدخل فيه وما يخرج: «ذِكْره: جميع أنواع طاعته، فكلُّ من كان في طاعته فهو ذاكره - وإن لم يتحرك لسانه بالذكر -، وكلُّ من والاه الله فقد أحبَّه وقرَّبه؛ فاللعنة لا تنال ذلك إلا بوجهه، وهي نائلة كل ما عداه» (إغاثة اللهفان: 1/40).

 وقد حرَّر المسألة تحريرًا رائعًا وأطال النفس فيها الشاطبي – رحمه الله - في موافقاته، وملخَّص كلامه: أنَّ الدنيا في النصوص جاءت على وصفين: الأول: الذم وهذا الوصف على وجهين: أحدهما: أنَّه لا جدوى لها ولا محصول عندها وعلى هذا المنوال نسج الزُّهاد ما نُقل عنهم من ذمِّ الدنيا وأنَّها لا شيء، والوجه الثاني في ذمها: أنها كالظلِّ الزائل والحلم المنقطع وهذا الوجه هو حادي الزُّهاد إلى الدار الباقية. وأما الوصف الثاني لها في النصوص: فهو المدح وهو على وجهين أيضًا: أحدهما: ما فيها من الدِّلالة على وجود الصَّانع ووحدانيته وصفاته العلى، وعلى الدَّار الآخرة، فهي دلائل على العقائد وبراهين على التوحيد، والوجه الثاني في مدحها: أنها منن ونعم امتن بها الخالق على عباده، وتعرف إليهم بها في أثناء ذلك، واعتبرها ودعا إليها بنصبها لهم وبثِّها فيهم، ثمَّ ذكر ما يتبادر من التَّعارض بين هذه الأوجه وأنَّ الجمع بينها يكون بأن يقال: تختلف باختلاف النظر إليها وهي على اعتبارين: «أحدهما: نظر مجرَّد من الحكمة التي وضعت لها الدنيا من كونها متعرَّفًا للحقِّ، ومستحقًّا لشكر الواضع لها، بل إنما يعتبر فيها كونها عيشًا ومقتنصًا للذات، ومآلًا للشهوات، انتظامًا في سلك البهائم؛ فظاهرٌ أنها من هذه الجهة قشرٌ بلا لُبٍّ، ولعب بلا جدٍّ، وباطل بلا حقٍّ. والثاني: نظر غير مجرَّد من الحكمة التي وضعت لها الدنيا؛ فظاهرٌ أنها ملأى من المعارف والحكم، مبثوث فيها من كل شيء خطير مما لا يقدر على تأدية شكر بعضه؛ فإذا نظر إليها العاقل وجد كل شيء فيها نعمة يجب شكرها، فانتدب إلى ذلك بحسب قدرته وتهيئته، وصار ذلك القشر محشوًا لبًّا، بل صار القشر نفسه لبًَّا»، ثمَّ قال: «فذمها بإطلاق لا يستقيم، كما أنَّ مدحها بإطلاق لا يستقيم، والأخذ لها من الجهة الأولى مذموم يسمَّى أخذه رغبة في الدنيا وحبًّا في العاجلة، وضدُّه هو الزُّهد فيها، وهو تركها من تلك الجهة، ولا شك أنَّ تركها من تلك الجهة مطلوب، والأخذ لها من الجهة الثانية غير مذموم، ولا يسمَّى أخذه رغبة فيها، ولا الزُّهد فيها من هذه الجهة محمود، بل يسمَّى سفهًا وكسلًا وتبذيرًا»، ثمَّ ختم تحريره بقوله: «فتأمَّل هذا الفصل؛ فإنَّ فيه رفع شبه كثيرة ترد على الناظر في الشريعة وفي أحوال أهلها، وفيه رفع مغالط تعترض للسالكين لطريق الآخرة؛ فيفهمون الزهد وترك الدنيا على غير وجهه؛ كما يفهمون طلبها على غير وجهه؛ فيمدحون ما لا يمدح شرعًا، ويذمون ما لا يذمُّ شرعًا» (الموافقات: 5/355-366).

أمَّا ابن رجب - رحمه الله - فإنَّه لمـَّا جاء إلى مسألة ذمِّ الدنيا لم يمنعها وإنما جاء بما يُفسِّر ذلك الذم وعلى أي شيء يقع فقال: «وليس الذَّمُّ راجعًا إلى مكان الدنيا الذي هو الأرض التي جعلها الله لبني آدم مهادًا وسكنًا، ولا إلى ما أودع الله فيها من الجبال والبحار والأنهار والمعادن، ولا إلى ما أنبته فيها من الشجر والزرع، ولا إلى ما بث فيها من الحيوانات وغير ذلك، فإن ذلك كله من نعمة الله على عباده بما لهم فيه من المنافع، ولهم به من الاعتبار والاستدلال على وحدانية صانعه وقدرته وعظمته، وإنما الذم راجع إلى أفعال بني آدم الواقعة في الدنيا؛ لأن غالبها واقعٌ على غير الوجه الذي تحمد عاقبته، بل يقع على ما تضرُّ عاقبته، أو لا تنفع» (جامع العلوم والحِكم: 2/187).

وكما رأيت فإنَّ المحقِّقين من أهل العلم يرون أن أصل الدنيا بذاتها لا تُمدح ولا تُذم، وإنما تُوصف بما غلب عليها، «ولما غلبت عليها الشهوات والحظوظ والغفلة والإعراض عن الله والدار الآخرة فصار هذا هو الغالب على أهلها وما فيها وهو الغالب على اسمها صار لها اسم الذمِّ عند الإطلاق» (ابن القيِّم/ عدة الصابرين: 172). فالذَّمُّ حينئذ لا لذاتها وإنما لما غلب عليها، ولا يُنكر إطلاق الذم والحالة هذه. ولهذا الأصوليون عند تعريفهم للمباح يذكرون أنه: لا يذم ولا يمدح لذاته، فيُدرجون قولهم: «لذاته» بمعنى أن: تارك المباح وفاعله لا يذم ولا يُمدح لذات المباح من غير اعتبارات أخرى، فيخرج بهذا: المباح الذي يترك به واجبًا، ويخرج المباح الذي يستعان به على واجب. (ينظر: المُهذَّب في علم أصول الفقه المقارن للدكتور عبدالكريم النملة: 1/259).

وحين تتأمل تسمية الله لها «دُنْيا» - على أحد التفسيرين - تعرِف مدى حقارتها عنده وهوانِها مما يعني ذمَّها والتنفير منها.

بل نُقل عن بعض السَّلف كالحسن البصري والفضيل بن عياض - رحمهما الله - أنَّ الله عاقب بها أوَّل أنبيائه بعد خطيئته بأكله من الشجرة التي نهاه عن قُربانها وزوجه لما كانا في جنته، فقد جاء في حلية الأولياء لأبي نُعيم، وسيرة عمر بن عبدالعزيز لابن الجوزيِّ - رحم الله الجميع - هذا الخبر: «لما استُخلف عمر بن عبدالعزيز كتب إليه الحسن البصري كتابًا بدأ فيه بنفسه: أما بعد فإن الدنيا دار مخيفة إنما أهبط آدم من الجنة إليها عقوبة» (الحلية: 2/148، سيرة عمر: 142).

ونقل أبو نُعيم عن الفضيل بن عياض - رحمهم الله - قوله: «ليست الدار دار إقامة، وإنما أهبط آدم إليها عقوبة» (الحلية: 8/90).

ومن هنا فهم سعيد بن جبير - رحمه الله - أن نهي الله لآدم عن طاعة الشيطان لئلا يترتب عليه الشقاء وهو النزول للدنيا والتعب فيها فقد ساق ابن جرير الطبري - رحمه الله - عن سعيدٍ مرسلًا قوله: «أُهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق من جبينه، فهو الذي قال الله تعالى ذكره: {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} فكان ذلك شقاؤه» (التفسير: 16/186).

وقد جاء عن غير واحد من السلف الوصية بإهانة الدنيا - ولا يُهان إلا الذميم - فقد ساق ابن سعد والإمام أحمد - رحمهما الله - بسنديهما عن الحسن البصري - رحمه الله - قوله: «أهينوا هذه الدنيا» (الطبقات الكبرى: 7/168، الزهد: 229)، ونقل ابن الجوزي عن محمد بن الحنفية - رحمه الله - قوله: «من كرمت عليه نفسه لم يكن للدنيا عنده قَدْر» (صفة الصَّفوة: 1/344).

وألَّف ابن أبي الدنيا - رحمه الله - كتابًا سماه: «ذم الدنيا».

والخلاصة: أن المباح غالبًا إمَّا يُقرِّب من الله أو يُبعِّد عنه، فالأول ممدوحٌ والثاني مذموم، وعليه فإن الدنيا مذمومة إلا ما كان فيها سُلمًا للآخرة أو مُعينًا عليها فهو محمود، وما أجمل الحياة أن تكون لله وفي الله، فهي السعادة التي طارت بها قلوب السائرين - وإن كانوا لم يصلوا الآخرة بعدُ -، فما أسعد سيرهم إلى ربهم بمراكب عبوديته الشاملة، وما أنعم حياتهم بفنون مراضيه وطاعاته.

ومما يؤكد هذه النتيجة ما جاء في صحيح مسلم (2742) من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال صلى الله عليه وسلم: «إن الدنيا حُلوة خَضِرة، وإن الله مُستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون؟ فاتَّقوا الدنيا واتَّقوا النساء، فإنِّ أوَّل فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» فإنَّه صلى الله عليه وسلم ذكر حلاوتها وخُضرتها وحُبَّ النفوس لها، مع فنائها وقُرب زوالها = مما يدل على ذمها ولوْم المفتون بها، ثم ذكر استخلاف الله للناس فيها، واستخلافه - عزَّ وجلَّ - دليلٌ على حُبِّه لوقوع ما استَخْلف الناس من أجله وهي طاعته وعبادته سواء كانت تلك الطاعات واجبة أو مُستحبة أو مباحة في أصلها.

ولا تُفهم الزَّهادة على غير وجهها، قال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله -: «وليس الزهد أنه لا يلبس الثياب الجميلة، ولا يركب السيارات الفخمة، وإنما يتقشف ويأكل الخبز بلا إدام وما أشبه ذلك! ولكن يتمتع بما أنعم الله عليه، لأن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، وإذا تمتع بالملاذ على هذا الوجه صار نافعًا له في الآخرة» (شرح الأربعين النووية: 350).

وإنما الميزان: القلب وما يستحثه للطاعة كما ساق الخطيب البغدادي بسنده عن شيخه أبي بكر البرقاني، قال: قلت لأبي الحسين بن سمعون: أيها الشيخ أنت تدعو الناس إلى الزهد في الدنيا والترك لها، وتلبس أحسن الثياب، وتأكل أطيب الطعام فكيف هذا؟ فقال: «كل ما يصلحك لله فافعله، إذا صلح حالك مع الله بلبس ليِّن الثِّياب، وأكل طيِّب الطعام، فلا يضرك» (تاريخ بغداد: 2/ 95).

هذا حديث سريع للإجابة عن السؤال، والله من وراء القصد، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

 :: مجلة البيان العدد  338 شوال  1436هـ، يوليو  - أغسطس  2015م.


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة