مهارات بحثية من التراث التيمي

Share
Share
مهارات بحثية من التراث التيمي
مهارات بحثية من التراث التيمي


لا شك أن لعلماء الإسلام والسنة من المزايا والخصائص ما ليس لغيرهم في تحرير الدلائل وتحقيق المسائل وإحكام التأليف وبراعة التصنيف.

والناظر في جملة من الكتب المصنفة في كيفية إعداد البحوث والرسائل العلمية يلحظ عليها غلبة الاهتمام بالجوانب الشكلية والإغراق في النواحي الفنية.

وانعكس الانهماك بتلك الرسوم والمظاهر على الباحثين ورسائلهم، بل تجاوزهم إلى الأساتذة المناقشين والمحكّمين فاستحوذ على طائفة منهم الحديث والنقاش عن علامات الترقيم والأخطاء الطباعية وأشباهها!

أما مهارات البحث الحقيقية، ووسائلها العملية، فقد لحقها الضمور والخفاء، مثل: تقوية أسلوب الباحث وسبل إثراء لغته، وطرائق تحسين أسلوبه وصياغته وسبك معلوماته، ومهارات فهم المادة العلمية للبحث وقضاياه، وكيفية تقوية محتوى البحث وتعميقه، والطرائق العملية الناجعة والمجربات الناجحة في جمع مادة البحث واستيعابها وتتبعها في مظانها وغير مظانها.

وأحسب أن مطالعة كتب السابقين، والتأمل في مسالكهم في البحث والتحقيق، والجمع والتحليل، تقدم جوانب عملية وطرائق فعلية لما قد غاب ذكره من مهارات البحث، وفات تدريسه في مقرر البحث.

googleplayappstore

وسأورد طرفًا من مهارات بحثية مستفادة من مؤلفات ابن تيمية:

- طالما صُرِفت الأوقات والجهود في مناحٍ شكلية صورية في البحث، لكن أبا العباس لا يلتفت إلى التقاسيم الاصطلاحية ولا يعول عليها، فضلًا عن الاحتفاء بمجرد ألفاظ وتشقيقات لا حقيقة لها.

ولذا قال: «الاصطلاحات اللفظية ليست دليلًا على نفي الحقائق العقلية»[1].

وقال في موطن آخر: «المعاني العقلية لا يعتبر فيها بمجرد الاصطلاحات[2]».

وقد رد أبو العباس المعاني الفاسدة المبتدعة، وبين ما فيها من شطح وضلال وشك وانحراف، وقرر أن الرد ليس لمجرد أنها اصطلاحات ألفاظ حادثة[3].

- يعاني البحث الحاضر من فقر في العبارات، وهزال في الصياغة والأسلوب، وشح في الكلمات والتعبيرات، فترى الباحث أسير كلمات مكرورة، وحبيس جمل راتبة مملولة.

وإذا كانت مطالعة كتب التراث عمومًا، وكتب اللغة والأدب خصوصًا تمنح الباحث ثروة في الكلمات والعبارات، وجزالة في التعبير وسبك المعلومات، إلا أن أبا العباس يلفت إلى معنى بديع، وملمح عميق، وهو أن سعة العقول ورحابة الفهوم تستلزم إثراءً في لغة الباحث، ووفرة العبارات، فقال رحمه الله: «إذا اتسعت العقول وتصوراتها اتسعت عباراتها، وإذا ضاقت العقول والتصورات بقي صاحبها كأنه محبوس العقل واللسان»[4].

وقد وُصف ابن تيمية بحدة الذكاء، وقوة النبوغ فقالوا عنه: كأن عينيه لسانان ناطقان، فإذا أخذ يتكلم ازدحمت العبارة في فمه[5].

ويحلو لبعض الباحثين أن يستكثر - في أسلوب بحثه - من تراكيب المصطلحات العويصة من وحشي اللغات، وغريب العبارات، فيوهم الغِرَّ بعمق بحثه! ويهوِّل على المبتدي بتلك العبارات الشائكة، وهي في الواقع وكما قال ابن تيمية: «إنما هي من باب القعقعة بالشِّنان لمن يفزعه ذلك من الصبيان، ومن هو شبيه بالصبيان»[6].

- ونتجاوز جزالة العبارات بلا تعقيد، ورحابة الكلمات بلا تكلف عند ابن تيمية، إلى ما هو أشرف وأجل، وهو رحابة مصادر المعرفة، وسعة موارد التلقي، فإن أبا العباس استوعب في تحريراته جميع مصادر المعرفة الإنسانية (الوحي، والعقل، والفطرة)، فتارةً يقرر النص الشرعي بكل تسليم وقبول، وتارة يفتق الأذهان والعقول، وتارة يحرك وجدان الفطرة، ويستثير ضرورات الحس.

قال رحمه الله: «قد جمع الله للمسلمين جميع طرق المعارف الإنسانية وأنواعها، والعلم يُنال بالحسّ والعقل، وبوحي الله إلى أنبيائه، والمسلمون حصل لهم من العلوم النبوية والعقلية ما كان للأمم قبلهم، وامتازوا عنهم بما لا تعرفه الأمم»[7].

- موضوعية ابن تيمية في مؤلفاته العلمية ومواقفه العملية أشهرُ من أن تذكر، فكان في غاية العدل والإنصاف والاعتذار لمخالفيه وخصومه فضلًا عن غيرهم، حتى قال بعض أصحابه الأكابر: «وددتُ أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه»[8].

وتأمّل هذا النقل البديع والتقرير الرفيع الذي يجلي تمام العدل، وتحري الإنصاف، مع دراية دقيقة بآفات النفوس وطبائعها.

فقال: «نحن في جميع ما نورده نحكي ألفاظ المحتجين بعينها، فإن التصرف في ذلك قد يدخله خروج عن الصدق والعدل، إما عمدًا وإما خطأ، فإن الإنسان إن لم يتعمد أن يلوي لسانه بالكذب أو يكتم بعض ما يقوله غيره، لكن المذهب الذي يقصد الإنسان إفساده لا يكون في قلبه من المحبة له ما يدعو إلى صوغ أدلته على الوجه الأحسن...»[9].

فوازن بين ذاك العدل الفريد مع الخصوم، والفقه العميق لأدواء النفوس، وبين بعض البحوث العلمية المعاصرة التي تعمد إلى اختزال مخل لقول المخالف وحججه، والتصرف بمقالاته والإحالة بـ«انظر» ونحوها،  والتلفع بأن هذا فحوى مقالاته وخلاصتها!

- تقسيم البحث العلمي الحاضر إلى أبواب وفصول ومباحث.. قد يحقق تقريبًا للمعلومة، وترتيبًا لمادة البحث، وعرضًا حسنًا لمحتوى الرسالة العلمية، لكن الإيغال في هذه التقاسيم قد يفوّت الوحدة الموضوعية للمسائل والدلائل الواردة في تلك القضية، ويشتت هيئتها الاجتماعية وما يلحق بها من علائق مهمة ولوازم متصلة، فهذا التفتيت والتفريق يفوّت معانٍ عميقة، ونكتًا جليلة، وتلك القضايا العلمية لا يظهر رونقها ولا تبدو قيمتها إلا بعرض مترابط يلمّ أطرافها في سياق واحد، إضافة إلى أن الإغراق في التخصص الدقيق يوجب حذف علائق نفيسة ومسائل فريدة بدعوى أن ذلك خارج التخصص!

والناظر في التراث التيمي تلحقه الدهشة والانبهار في هذا الباب، فإن أبا العباس إذا قرر - على سبيل المثال - مسألة في الصفات الإلهية كالكلام الإلهي، فقرر وقعّد، وناقش المخالف ونقد، وحشد الأدلة والبراهين في ذلك، ساق علائق نفيسة ولوازم جليلة تتصل بهذه الصفة الإلهية من مسائل في القدر والنبوات وسائر أصول الدين.

- يُلحظ أن بعض الدارسين إذا بحثوا عن أسباب ظاهرة سلوكية وعوامل ظهورها فإنهم لا يستوعبون أهم أسبابها، ولربما غلّبوا الحديث عن أسباب ثانوية، وغفلوا عن أسباب رئيسة، وإذا كانت الظاهرة مترامية الأطراف، متشعبة الجوانب فإنه يتعسر على باحث ناشئ أن يستوفي أسبابها، أو يستوعب أهم عواملها.

وفي التراث التيمي ما يسهم في معالجة ذلك، فإن أبا العباس - وكأن العلوم بين عينيه - ينطلق من قواعد علمية أصيلة، ودراية متينة بالواقع وظواهره وأحواله، فتراه يشخّص الداء وأسبابه، ويحدد الدواء وطرائقه، كما في تقريراته بأن الدين: تصديق الخبر وطاعة الأمر، فالانحراف إما شهوات أو شبهات، فهو فساد للقوة العملية أو القوة العلمية، كما في شكوك المتكلمة أو شطحات الصوفية، أو قياس فلسفي أو خيال صوفي.

إن سعة النظر، ورحابة الأفق عند التأمل في تلك الظواهر وأسبابها يفتح للباحث قدرات في دقة التوصيف والتسبيب لتلك النوازل. وبالله التوفيق.

 

:: مجلة البيان العدد  338 شـوال  1436هـ، يوليو - أغسطس  2015م.


[1] التدمرية لابن تيمية ص130.

[2] الدرء 2/222.

[3] ينظر: الدرء 1/232 ، والفتاوى3/307.

[4] الرد على المنطقيين ص166.

[5] الدرء 4/ 183، وينظر: الدرء 1/ 295.

[6] ينظر: الجامع لسيرة ابن تيمية ص: ش، ط.

[7] الجواب الصحيح 2/ 4.

[8] مدارج السالكين 2/ 345.

[9] بيان تلبيس الجهمية 4/ 307.


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة