النازحون السنة بين سندان الشيعة ومطرقة داعش

Share
Share
النازحون السنة بين سندان الشيعة ومطرقة داعش
النازحون السنة بين سندان الشيعة ومطرقة داعش


لم يكن القرار الذي اتخذه السنة العرب العراقيون برفض الاحتلال الأمريكي للعراق ومقاومة قواته الغازية عقب إسقاط النظام البعثي عام 2003م ليمر مرور الكرام، فقد كانت لهذا القرار الخطير تداعيات مؤسفة على المجتمع السني برمته، فقد كان الأمريكان يعتقدون أنهم بمجرد دخولهم العراق سوف يستقبلهم الشعب العراقي بكافة أطيافه ومشاربه العرقية والمذهبية بالورود والرياحين ويسارعون إلى تقديم الولاء والعرفان لهم، لأنهم قدموا بحسب اعتقادهم تضحيات جسيمة بالأرواح والأموال في سبيل تحريرهم من نظام دكتاتوري جائر، ولكن ما بدر من المسلحين السنة العرب تجاههم كان مختلفًا وبعكس تصوراتهم السابقة؛ فقد أذاقوهم الأمرين وواجهوهم بمقاومة شرسة وقتلوا من جنودهم أعدادًا غفيرة، الأمر الذي اضطر فيه الأمريكيون إلى إبرام اتفاقية مع الحكومة العراقية عام 2008 تقضي بسحب قواتهم من العراق، وتم سحبها فعلًا عام 2011، ولكن الأمر لم ينتهِ عند هذا الحد، بل حاول الأمريكان الانتقام من سنة العراق بأي ثمن من خلال إطلاق يد الميليشيات الشيعية المسلحة الموالية لإيران عليهم وعلى مناطقهم والسماح لها بقتلهم وتهجيرهم إلى مناطق عراقية أخرى وخاصة «إقليم كردستان»، وكذلك من خلال إطلاق يد تنظيم «داعش» الإرهابي عليهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة؛ يعني وضعهم بين سندان الميليشيات الطائفية ومطرقة تنظيم «داعش» الإرهابي.

 النازحون بالملايين:

كان لسقوط مدينة الموصل الإستراتيجية بيد قوات تنظيم داعش في يونيو من عام 2014 بالصورة المفاجئة التي أذهلت العراقيين والعالم ومن ثم مواصلة زحفها نحو المدن السنية الأخرى (الأنبار، ديالى، صلاح الدين) إيذانًا بحدوث كارثة إنسانية كبرى لم يشهد العراق مثيلًا لها، حيث اضطر مئات الآلاف إلى ترك منازلهم والنزوح الجماعي نحو باقي المناطق العراقية خوفًا على حياتهم، وازدادت معاناتهم وتضاعفت مأساتهم، عندما توغلت قوات داعش نحو مناطق نفوذ الشيعة ومن ضمنها بغداد العاصمة، وعلى إثره أصدر المرجع الشيعي «علي السيستاني» فتواه الشهيرة بـ«الجهاد الكفائي» بهدف جمع وتوحيد صفوف الشيعة وميليشياتهم الطائفية المدربة التي كانت لها تجارب قتالية فاعلة في سوريا إلى جانب نظامها القمعي المجرم، لمواجهة قوات داعش التي استطاعت أن تحرز انتصارات ميدانية كبيرة في فترة قياسية.. وكان لهذه الفتوى الأثر البالغ في زيادة معاناة المكون السني حيث وقعوا بين فكي رحى إرهاب تنظيم داعش والميليشيات الشيعية التي نهبت أموالهم ودمرت بيوتهم وارتكبت بحقهم أفظع الجرائم بحجة الحرب ضد داعش، وقد اتهمت منظمة العفو الدولية في تقرير لها بعنوان «الحصانة التامة» ميليشيات شيعية تقاتل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) إلى جانب الجيش العراقي بارتكاب جرائم حرب ضد مدنيين من الطائفة السنية في البلاد. ونتيجة التدمير المنظم الذي يتعرض له السنة من قبل داعش والميليشيات الطائفية فقد تدفقت أعداد هائلة من العائلات إلى المحافظات العراقية، وبحسب المنظمة الدولية للهجرة فإن 3,087,372 فرداً نزحوا داخليًّا (514,562 عائلة) في العراق منذ يناير 2014 وحتى 4 يونيو 2015. وذكرت المنظمة أن غالبية الأشخاص النازحين داخليّاً في العراق هم في الأصل من محافظات: الأنبار (1,162,998 فرداً) والموصل (1,052,016 فرداً) وصلاح الدين (453,054 فرداً)، وبينت المنظمة الدولية أن أكثر من مليوني نازح يعيشون في ترتيبات مأوى خاصة (منازل مستأجرة، والأسر المضيفة، والفنادق)، بالإضافة إلى ذلك، فإن أكثر من 638 ألف نازح يعيشون في ترتيبات مأوى غير ملائمة (المباني غير مكتملة البناء، والمباني المهجورة، والأبنية الدينية، والمستوطنات غير الرسمية، والمدارس)، وحذر رئيس بعثة المنظمة في العراق «توماس لوثر فايس» من أن «النزوح المستمر في العراق هو مصدر قلق عميق. لذا فنحن نعزز قدراتنا في تقديم المساعدات الإنسانية الفورية المنقذة للحياة والتي هم بأمس الحاجة إليها».

إقليم كردستان نال حصة الأسد من النازحين:

استضاف إقليم كردستان أكثر من نصف أعداد النازحين السنة (مليون و700 ألف نازح)، إضافة إلى 97% من مجموع اللاجئين السوريين في العراق، وبهذا الصدد أشار المدير العام لدائرة الهجرة والمهجرين في وزارة الداخلية في حكومة إقليم كردستان «شاكر ياسين» إلى أن «هناك مجموعتين من النازحين، الأولى لجأت إلى الإقليم بعد سقوط نظام صدام ويقدر عددهم بنحو 230 ألف نازح وهم مسجلون رسميًّا الآن في دوائر الهجرة في مدن دهوك والسليمانية وأربيل، والمجموعة الثانية نزحت بسبب تدهور الوضع الأمني في العراق منذ مطلع 2014 ويقدر عددهم بمليون و450 ألف نازح». وبرغم شدة وطأة النزوح على إقليم كردستان وعدم قدرته على توفير الاحتياجات الضرورية للنازحين التي تكلف الإقليم نحو مليار و400 مليون دولار سنويًّا في الوقت الذي يعجز عن تأمين رواتب موظفيه بسبب امتناع الحكومة العراقية عن إرسال حصته من الموازنة المالية الاتحادية وترفض دخول 500 ألف نازح إلى بغداد من محافظة الأنبار فروا منها مؤخرًا إثر وقوعها بيد داعش؛ الأمر الذي دعا المسؤولين في المحافظة إلى طلب السماح من حكومة كردستان لهؤلاء النازحين بدخول الإقليم، وفي حال سماح الإقليم بإيواء هذا العدد الهائل وتأمين احتياجاتهم الضرورية، فإنه يحتاج إلى ضعف المبلغ المشار إليه وهو (مليار و400 مليون دولار).. وهذا ما لا قبل للإقليم به، وقد استهجن الكثير من نواب البرلمان والمنظمات الدولية هذا الموقف اللامسؤول من الحكومة العراقية، ووصفوه بالمخيب للآمال».

المساعدات الدولية دون المستوى المطلوب:

ومن جانبه ناشد رئيس حكومة إقليم كردستان «نيجيرفان بارزاني» المجتمع الدولي الوفاء بواجباته حيال النازحين في كردستان قبل حدوث كارثة إنسانية، وبرغم مسارعة دول وحكومات عربية إلى تقديم المساعدات لكنها لم تكن بالمستوى المطلوب، حيث إن أعداد النازحين في اضطراد مستمر بسبب الحرب الدائرة في العراق وسوريا، ففي عملية إغاثية تعتبر الأكبر من نوعها اشتركت في تمويلها السعودية وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية والسويد والنروج والدنمارك واليابان، تم تقديم مساعدة عاجلة للنازحين في إقليم كوردستان برًّا وجوًّا وبحرًا، إضافة إلى قوافل برية أخرى من تركيا، تحمل مساعدات إنسانية.. وكذلك إرسال أربع طائرات بوينغ 747 من ميناء العقبة الأردني إلى أربيل عاصمة إقليم كوردستان محملة بالمساعدات، إضافة إلى تحرك قوافل برية من تركيا والأردن، وكذلك دشنت جمعية الهلال الأحمر الكويتي أكبر حملة مساعدات للنازحين العراقيين في الإقليم، معلنة تجهيز معونات غذائية لـ26 ألف أسرة في المرحلة الأولى من الحملة، وكذلك وزعت الإمارات نحو 100 ألف طرد غذائي على اللاجئين السوريين والنازحين العراقيين في إقليم كوردستان.

وتستمر مأساة النازحين ..

ومهما قدمت الدول والمنظمات الإنسانية من مساعدات لتخفيف معاناة النازحين، فإنها تتفاقم ما دامت الحرب الطائفية قائمة ومستمرة في العراق، وما دامت إيران تتحكم في مفاصل الدولة وتقود الحكومة والميليشيات الطائفية المجرمة التي تقترف المزيد من الجرائم بحق الآمنين من أهل السنة، وما دام تنظيم «داعش» يعيث في الأرض فسادًا وقتلًا وتهجيرًا بإشراف وتوجيه ودعم من بعض الدول المتنفذة، والنتيجة دمار ونزوح وتشريد بالملايين، يكفي أن أحد أعضاء مفوضية حقوق الإنسان وهو «فاضل الغراوي» أشار إلى أن أكثر من 300 ألف طفل نازح يعانون النقص الحاد في مستلزمات المأوى والمواد الغذائية ومياه الشرب المعقمة وحليب الأطفال».. وفي الأيام القادمة سيشهد العراق مزيدًا من النزوح والتهجير، وقد تفرغ المناطق السنية من أهلها تمامًا.. وهذا بالضبط ما يريده الطائفيون ويسعى إليه الأمريكيون على حد سواء.

 :: مجلة البيان العدد  340 ذو الحجة  1436هـ، سبتمبر  - أكتوبر  2015م.


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة