الغرق الروسي في البحر السوري

Share
Share
الغرق الروسي في البحر السوري
الغرق الروسي في البحر السوري


سلك بشار ونظامه الطائفي النصيري جميع الطرق التي يمكن أن يجابه بها غضبة شعبه وليوقف بها زحف المجاهدين الصادقين لإسقاطه عن عرشه، وذلك ضمن سلسلة من الاستقواءات أسوقها فيما يلي:

استقوى بحزبه البعثي فلم ينفعه.

استقوى بجيشه وآلته التدميرية فلم ينفعه.

استقوى بمخابراته فلم تنفعه.

استقوى بطائفته النصيرية فلم تنفعه.

استقوى بالشبيحة وأصحاب المصالح فلم ينفعوه.

استقوى بالمعارضة المزيفة الداخلية التي اصطنعها فلم تنفعه.

استقوى بحزب الله اللبناني الشيعي فلم ينفعه.

استقوى بالحرس الثوري الإيراني فلم ينفعه.

استقوى بالدعم اللوجستي والمالي الإيراني فلم ينفعه.

استقوى بالحشد العراقي الشيعي وبالدعم السياسي والعسكري الرسمي الشيعي فلم ينفعه.

استقوى بالأفغان الشيعة المدربين عسكريًّا فلم ينفعوه.

استقوى بالتنسيق السري مع «داعش» فلم ينفعه.

استقوى بالتواطؤ الغربي والأمريكي معه فلم ينفعه.

استقوى بدعم بعض الحكومات العربية فلم ينفعه.

استقوى بالصمت والخذلان العربي للشعب السوري على مستوى معظم الحكومات والشعوب فلم ينفعه.

جميع ما ذكرت لم ينفع بشار ونظامه في حسم المعركة مع المجاهدين ومع شعبه لصالح تحقيق أهدافه والوصول إلى مآربه، فعندما أفلس على أصعدة جميع ما ذكرت قرر أن يضيف إلى القائمة السابقة الاستقواء بروسيا، ولن تنفعه. وأحسب - والله تعالى أعلم - أن هذا آخر سهم بقي في جعبته.

وقد عبَّر بشار عن ذلك تعليقًا على استنجاده بالدولة الروسية قائلًا في مقابلة متلفزة مع قناة إيرانية: «إن سوريا وروسيا وإيران والعراق متحدة في قتال الإرهاب وستنجح على الأرجح!! ويجب أن يكتب لها النجاح!! وإلا فنحن أمام تدمير منطقة بأكملها [يقصد الشرق الأوسط]» (رويترز: 4/10/2015م).

ولكن فليعلم بشار أن استنصاره بأعداء الإسلام من الصليبيين الروس هو دقٌّ للمسمار الأخير في نعشه، إذ لم يبقَ له من الأرض السورية الواقعة تحت سلطته أكثر من 17% بعد أن استنفذ أكثر من 90% من قدراته العسكرية واستنزفت إيران في سبيل دعمه وإبقائه حوالي 40 مليار دولار، ولم تعد قادرة على استمرار اللعب في الحلبة لولا أن تداركت نفسها بتوقيع الاتفاق النووي مع مجموعة (5 + 1) لتتمكن من الإفراج عن أموالها المجمدة في المصارف الأمريكية والأوربية، ثم سعت إلى روسيا لتشاركها مسؤولية حماية بشار والحيلولة دون سقوطه، فقد قام قاسم سليماني بزيارة لموسكو في يوليو 2015م لهذا الغرض، وذلك بأمر من خامنئي الذي كان قد اجتمع قبل بضعة أشهر بوزير الخارجية الروسي لافروف بغرض الاتفاق على التدخل العسكري الروسي في سوريا، وقد قام سليماني بشرح الوضع العسكري في سوريا للجانب الروسي مدعومًا بالخرائط (نقلًا عن رويترز: 7 أكتوبر 2015م، بتصرف).

الخلفية العقدية للتدخل الروسي:

ليس ثمت شك للحظة واحدة في عداء روسيا الصليبية سابقًا ثم الشيوعية ثم الصليبية حاليًا للإسلام والمسلمين. وما تكاد تتقلب أيام التاريخ إلا وهي طافحة في صفحاتها بالتعبير عن هذا العداء المستحكم، ولسنا الآن بصدد تعداد كل ذلك، فإنه مما تنوء به المجلدات، ولكن تكفي الإشارة إلى تهجير نصارى القياصرة ثم من بعدهم الشيوعيون لمسلمي القرم، وما فعله الاتحاد السوفيتي الشيوعي في أفغانستان، وكذا في الجمهوريات الإسلامية التي ضمها إليه، ثم في الجمهوريات الإسلامية الواقعة في إطار الاتحاد الروسي الحالي.

إن الحكومة الروسية في الكرملين ترى أن سقوط بشار لصالح انتصار المجاهدين المسلمين في سوريا سيكون تطورًا خطيرًا سيترك آثاره وبصماته على إعادة إحياء الجهاد في الشيشان وغيرها من البقاع الإسلامية التي ترفل في سلاسل المستخرب (يسمى المستعمر وهذا خطأ) الروسي، ولذلك فإن روسيا ترى أن استعلاء عقيدة الإسلام في سوريا على أنقاض عقيدة بشار النصيرية والعلمانية سيعلي راية الإسلام خفاقة على حساب راية الكفر وراية الصليب، وضمن هذه الرؤية فإن هذا التدخل مدعوم سرًّا - سيكون علانية بعد برهة زمنية لن تطول - من جميع الدول الصليبية في أوربا وأمريكا؛ إنها في حقيقة الأمر «حرب صليبية» محضة.

أهداف وأبعاد التدخل الروسي:

تتلخص أهداف وأبعاد التدخل الروسي في النقاط التالية:

استبقاء نظام بشار والحيلولة دون سقوطه باعتبار هذا النظام هو موطئ قدم الروس في المنطقة.

إفشال خطط الفصائل الإسلامية المجاهدة في سوريا، التي تريد إحلال نظام إسلامي على أنقاض النظام العلماني البعثي الحالي.

القضاء على المجاهدين في سوريا، سواء بالقتل أو بإلحاق الهزيمة بهم أو بشرذمتهم.

التمكين للنفوذ الإيراني في سوريا كي يستمر وليكتمل الهلال الإيراني في المنطقة.

تقديم الدعم للكيان اليهودي الصهيوني في فلسطين من خلال إحاطته بالحماية الإيرانية الروسية المشتركة.

التمهيد لإيجاد واقع جغرافي جديد في سوريا موزع بين الإثنيات والطوائف في إطار تقسيم جديد لسوريا.

التمكن من إيجاد وسيلة ضغط مباشرة على دول المنطقة للانخراط في تلبية المطالب الروسية، وذلك من خلال التلويح بقوة الآلة العسكرية الروسية الموجودة على الأرض السورية.

إيجاد موطئ قدم عسكري روسي للانطلاق منه باتجاه العراق، وذلك لجعل العراق عمقًا إستراتيجيًّا للوجود العسكري الروسي في سوريا، ولتوسيع رقعة العمليات العسكرية في حالة حصول حرب ما في المنطقة (سواء في منطقة الشرق الأوسط أو في الخليج العربي).

الإحاطة بتركيا من جهة جنوبها الجغرافي بما يشكل خطرًا عليها ولزعزعة نظامها السياسي ولإضعاف قوة أردوغان، ولربما جرَّها إلى حرب ضروس تقضي على آمال تركيا الاقتصادية والتنموية وتؤدي إلى تفككها الجغرافي على أسس إثنية ومذهبية، ولتقضي على مواقفها الداعمة للحقوق الإسلامية في العالم، ولتفكيك محورها مع كلٍّ من السعودية وقطر وباكستان.

إنشاء قاعدة عسكرية ضخمة في كل من اللاذقية وطرطوس السوريتين بما يهدد الخاصرة الجنوبية الشرقية للحلف الأطلسي، ويفتح عليه جبهة جديدة تقتضي إعادة النظر في إستراتيجيات المواجهة مع روسيا، وإعادة توزيع القوات الأطلسية وفق الوضع المستجد، مع ما يستتبعه ذلك من ميزانيات تمويلية وفتح خطوط إمداد لوجستية وما إلى ذلك.

تسعى روسيا لقطف الثمرة الاقتصادية فيما يتعلق بنقل النفط والغاز عبر الأراضي السورية بعد أن يستتب الوضع السياسي في سوريا بانتصار بشار - فيما تزعم - وستحصل على مكافآت اقتصادية من إيران فيما يتعلق بالمخزون النفطي والغازي في بحر قزوين وغيره.

ترمي روسيا إلى تمكين الكفة الإيرانية في الخليج العربي على حساب القوة السعودية من خلال الدعم العسكري الروسي الذي يمكن أن تقدمه روسيا لإيران من جهة، ومن خلال استفادة إيران من الوجود الروسي في سوريا لتخفف من أعباء تواجدها هناك لتتفرغ للمواجهة مع السعودية ومن يقف معها من دول مجلس التعاون الخليجي.

ترمي روسيا من تحقيق نصر فائق في سوريا إلى إرسال رسالة إلى المجاهدين الإسلاميين في كل أنحاء العالم أنه لا فائدة من جهادهم، طمعًا في طمس عقيدة الجهاد في المسلمين وليقولوا لهم كفوا أيديكم فإن الزمن قد تجاوز تلك المفاهيم وليس أمامكم سوى المشاركة في «اللعبة الديمقراطية» حيثما وجدت، صحيح أنها رسالة مكلفة لكنها أيضًا خطيرة!

بهذا التدخل العسكري الروسي العنيف في سوريا فإن الكرملين يبث رسالة لجميع دول العالم ممثلة في حكوماتها بأننا معكم إذا وقفت شعوبكم ضدكم، ولكن بشرط انصياعكم لتحقيق مصالحنا، تمامًا كما فعل بشار الأسد، لقد انصاع لنا فقدمنا له المعونة، كونوا مثله!

التدخل الروسي غطرسة أم حسابات؟

غطرسة القوة هي ما يتميز به الطغاة والمتجبرون، وقد تمر هذه الغطرسة بحالة سبات في وقت الوهن المادي والمعنوي، ولكنها تستيقظ بقوة في حالة البروز الاقتصادي والعسكري، غير أن استخدام هذه الغطرسة لتحقيق أهداف ومآرب محددة يحتاج إلى حسابات. إذن ما فعلته روسيا من تدخلها العسكري في سوريا غطرسة أم حسابات؟

الجواب: هو جمع بين هذا وذاك، إذ من المعلوم أن بوتين كان رئيسًا لجهاز المخابرات الروسي ويتمتع بحيوية بدنية وكفاءة مهنية قيادية، وبناؤه النفسي تعود جذوره إلى أيام حكم الحزب الشيوعي الروسي إبان الاتحاد السوفيتي الذي تميز بالدموية والولوغ في دماء المسلمين في أفغانستان، وعندما انفجر الجهاد الإسلامي في الشيشان كان بوتين في موقع من يؤخذ رأيه في قرارات قمع ذلك الجهاد، ومن جهة أخرى فإن بوتين ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية المتعصبة، والمتطرفة جدًا ضد المسلمين، فضلًا عن تطرفها ضد الكاثوليك والبروتستانت. إذن بوتين في تكوينه النفسي ينطلق من فوهة غطرسة القوة العسكرية والمخابراتية وغطرسة التعصب الصليبي الأرثوذكسي. لم نفرد بوتين بهذه «الخاصية» فإن مجلس الدوما قد تخرج من المدرسة نفسها، ولذلك فإنه صوَّت بالإجماع لصالح قرار جواز أن تقاتل القوات الروسية خارج روسيا، وكان ذلك ضوءًا أخضر لبوتين ليقدم على خطوته المشينة.

حاول بوتين أن يضفي شعورًا بأن تحركه العسكري نحو سوريا يقع ضمن حسابات إستراتيجية، ولها تمهيدات واقعية، من أبرزها أنه اتفق على هذا التدخل مع أوباما في لقائهما الذي عقد على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم بالاتصال الهاتفي التنسيقي بين وزير الدفاع الروسي ووزير الدفاع الأمريكي، وكذلك تم الاتفاق على ذلك بين بوتين ونتانياهو في الزيارة التي قام بها الأخير لموسكو قبل التدخل العسكري الروسي ببضعه أيام ثم بالزيارة التنسيقية التي قام نائب رئيس الأركان الروسي إلى الكيان الصهيوني بعد بدء التدخل العسكري المباشر في سوريا ببضعة أيام، ويفهم من ذلك أن حسابات روسيا تقوم على إيجاد مظلة دولية متعددة الأطراف لتدخلها السافر، ولكي لا يحرج هذا التنسيق الخفي المحور الأوربي الأمريكي فإن تصريحات خجولة نضحت من هذا المحور مبدية استنكارها «الصوري». أما إيران فترى وجوب إخراج هذا التنسيق المخفي إلى العلن، كما جاء ذلك على لسان رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام الإيراني هاشمي رفسنجاني عندما أوضح أنه من المستبعد استئصال جذور الإرهاب قريبًا إلا إذا تم تشكيل تحالف دولي يتمتع بحسن النوايا والدوافع الإنسانية! بعيدًا عن المصالح الضيقة والسياسات الانتقائية، وحذر من حدوث احتكاك دولي فوق سوريا، إذ لا بد من التنسيق المسبق، وقال: «إن المواجهة بين القوى العظمى في سوريا مؤشر على عدم امتلاكها برنامجًا للتصدي للإرهابيين» (تصريحات رفسنجاني نقلتها وكالة فارس شبه الرسمية للأنباء، ونشرت بتاريخ 7 أكتوبر 2015م).

وفي المجال الميداني فإن حسابات روسية تقوم على أساس إنزال أقسى الضربات الجوية بأشرس أنواع القنابل والصواريخ فتكًا على جميع الفصائل الجهادية المقاتلة في سوريا باستثناء داعش، ثم القيام باجتياح برّي باستخدام الدبابات والمدرعات والمدفعية لجميع مواقع المجاهدين وإعادة الأراضي السورية التي تحت سيطرتهم إلى حضن السيطرة الرسمية التي يقبع بشار على قمتها[1]؛ وقلنا: باستثناء داعش لأن داعش هي ناب النظام الناهش، وقد سعت ولا تزال لاسترداد الأراضي التي تحت سلطة المجاهدين لردّها تحت سلطة النظام السوري ولكن تحت رايتها السوداء، أو لاستبقائها تحت سلطتها ضمن اتفاقات دولية تتعلق بتقسيم سوريا، كما سيأتي الحديث عن ذلك لاحقًا، ولذلك فإن روسيا أعلنت أن تدخلها في سوريا ليس ضد داعش وإنما ضد الإرهاب، وتقصد به الفصائل الإسلامية المجاهدة ضد النظام، ويؤكد ذلك ما أعربت عنه ألمانيا بتاريخ 5 أكتوبر 2015م من شكوكها حيال إعلان روسيا أن ضرباتها الجوية في سوريا تستهدف «داعش» بدلًا من مجموعات المعارضة الأخرى، وبحسب الاستخبارات البريطانية فإن 5% من الضربات الروسية استهدفت «داعش» فيما معظم الغارات قتلت مدنيين واستهدفت فصائل معتدلة، أما فرنسا فقد جاء على لسان رئيس وزرائها «مانويل فالس» أن روسيا يجب أن لا تخطئ الأهداف بضرب منظمات غير داعش وبضرورة تجنب المدنيين، وإذا كانت داعش هي العدو الذي يهاجم مجتمعاتنا (كما يقول) فقد يكون صحيحًا أيضًا بالنسبة لروسيا، وبالتالي يتعين ضرب داعش وعدم ارتكاب خطأ في الهدف (وكالات: 5 أكتوبر 2015م).

ولكن هذه التصريحات لا تتجاوز ذر الرماد في العيون لأن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لم يكن جادًا أبدًا في شنِّه الحرب على داعش، بدليل أنه قد مرَّ أكثر من عام على ذلك دون إحداث أي تغيير على الأرض، سوى أن داعش ازداد تمددًا، وهذا ما حدا ببشار أن يقول: «إن الضربات الجوية التي يشنها التحالف بقيادة واشنطن منذ عام في سوريا والعراق ضد تنظيم داعش أدت إلى تصاعد العنف»، إذن هناك تنسيق تحت الطاولة بين روسيا وداعش سواء بشكل مباشر أو عن طريق بشار أو عن طريق الولايات المتحدة.

على الجانب الآخر، تدخل في الحسابات الروسية الاستفادة العملياتية بالتنسيق المعلن مع الكيان الصهيوني، وهذا ما فعله «نيكالو بدونبسكي» نائب رئيس الأركان الروسي عندما التقى نظيره الصهيوني «بائير جولان» وكبار الضباط في سلاح الجو وشعبة الاستخبارات العسكرية والموساد، وناقش معهم عدة محاور رئيسية، أبرزها تثبيت ما تم التوافق عليه في لقاء نتانياهو مع بوتين في سبتمبر 2015م، وأفادت قناة الكيان الصهيوني الأولى أن طلبات الكيان الصهيوني من الروس تتضمن مزيدًا من الدعم الروسي للكيان الصهيوني مقابل تقديم عروض مغرية للجيش الروسي تسهل من قدرته على التدخل في سوريا بأقل المخاطر، وكذلك تزويدهم بمعلومات استخباراتية حول أماكن تجمع قوى المعارضة السورية لتسهيل استهدافها، كما أفادت الإذاعة العبرية، وتتضمن حسابات الروس أيضًا أنهم سيحسمون المعركة لصالح بشار بطريقة تبقي بشار محتاجًا لبقائهم في سوريا لمدة طويلة، ربما سنوات، وكذلك تؤكد نفوذهم الداعم لدولة الكيان الصهيوني على امتداد الأراضي السورية والعراقية، أي أنهم جاؤوا ليبقوا، وليس لتحقيق هدف آني ثم الانسحاب. وسأتحدث الآن عن خطأ حسابات الروس في هذا التدخل المشؤوم.

روسيا والحسابات الخاطئة:

لم يسجل التاريخ - إلا في حالات قليلة جدًّا - أن استمر خضوع شعب لغزاته بشكل دائم وأبدي، لقد تمردت الشعوب التي غزتها الجيوش الأجنبية على من احتل أرضها حتى أجلتهم منها وأوقعت بهم الهزيمة، قد يطول الزمن أو يقصر للوصول إلى هذه النتيجة، لكنها في النهاية تصنف ضمن «الحتميات»، ويبدو أن القيادة الروسية قد عميت عن قراءة التاريخ وظنت أن سوريا حديقة للتنزه، كما ظنت قبل ذلك مثل هذا الظن عندما اجتاحت أفغانستان فغرقت في وحولها فتفككت أوصالها، ويمكننا رصد أخطاء الحسابات الروسية في عدوانها الخاسر على سوريا في النقاط التالية:

1- على المستوى السياسي:

برغم أن روسيا استبقت تدخلها في سوريا بترتيبات وتنسيقات سياسية مع الولايات المتحدة وأوربا ومفادها تطمينات تتعلق بعدم الإخلال بقواعد اللعبة، وأهمها ألا تتعرض للفصائل التي ترى واشنطن أهمية وجودها وتحركها على الساحة السورية لضمان إبقاء حالة اللاغالب بغية الاستنزاف الكامل والشامل لكل مقومات سوريا، سواء تحت حكم بشار أو تحت حكم من يخلفه، فإن روسيا ضربت بتلك القواعد عرض الحائط من أول يوم ومن أول غارة جوية، ثم استمرت على ذلك، وقد اعتبرت الولايات المتحدة هذا الخرق الفاضح لقواعد اللعبة المتفق عليها إستراتيجية خاسرة، وقد جاء ذلك على لسان وزير الدفاع الأمريكي «أشتون كارتر» خلال المؤتمر الذي نظمه مركز الدراسات الإستراتيجية والدفاعية في مدريد في 5 أكتوبر 2015م، إذ قال: «ما زلت آمل أن يدرك فلاديمير بوتين أن تقرب روسيا من سفينة تغرق إستراتيجية خاسرة، إذ عليه أن يقرر التصدي للتهديد الذي يطرحه تنظيم داعش بدلًا من مواصلة غاراته الجوية الأحادية ضد المعارضة».

ومما يعنيه ذلك بدء سريان محلول عدم الثقة في شرايين الوصال بين روسيا والولايات المتحدة وحلفائها، ومن حيث الواقع فإن طبيعة الصراع بين روسيا والغرب على تقاسم مواقع النفوذ تمنع تمامًا أن تسلم تلك المنظومة الأطلسية سوريا إلى روسيا على طبق من ذهب، وفي إطار المناورة السياسية الخاطئة ابتدأت روسيا بصب حممها على مواقع الجيش الحر، ثم عادت بعد بضعة أيام وقالت إنها على استعداد لاستقبال ممثل الجيش الحر للتفاوض معه، وكانت قبل ذلك قد قالت إنه لا وجود أصلًا للجيش الحر! ولكن قصدها من ذلك تفتيت وحدة المعارضين الجهاديين باستخدام المفردات الانتقائية.

إن روسيا تعتقد أنها بتصعيد عدوانها وزيادة اتساع مساحته سيركع المجاهدون ويُأتى بهم إلى طاولة المفاوضات أذلاء ليوقعوا على صكوك هزيمتهم لصالح بقاء بشار وزمرته في سدة الحكم!

وهذا مجرد هراء، بل هو بلاهة وغباء، وإن واقع الحال يقول إن بوتين لن يتمكن من امتلاك الأوراق السياسية في المنطقة منفردًا، بل ولا حتى إن كان مع إيران متضامنًا.

2- على المستوى العسكري:

جاء التدخل الروسي العسكري تتويجًا للدعم السياسي اللامحدود الذي قدمته روسيا لبشار كي يحسم الوضع في الداخل السوري لصالحه، غير أنه فشل في ذلك فشلًا ذريعًا، اعتقدت القيادة الروسية أن بشار لم يحسن مجابهة المعارضين، فهم في نظر تلك القيادة مجرد شراذم مسلحة متناثرة، أشبه ما تكون بالعصابات، وأن القدرة القتالية لجيش بشار قد أصابها الوهن ودبَّ فيها الضعف في مواجهتها لتلك الشراذم الإرهابية - على حد زعمها -، وأن استعانة بشار بإيران وحزب الله لم تتمكن من جبر ذلك الضعف في قواته، ليس لأن المجاهدين أثبتوا قوة وصمودًا وحققوا انتصارات باهرة في ميادين القتال بل لأن القوى التي جابهتهم ليست على المستوى المطلوب، والآن أصبح ملحًّا أن تتدخل القوات الروسية لتحقق ما عجز عنه نظام بشار والحرس الثوري وحزب الله ومليشيات الحشد العراقي الشعبي الداعمة له!

كل ذلك يدل على حسابات خاطئة اعتمدت لغة الغطرسة بدل اعتمادها لغة التحليل والواقعية والموضوعية، فقد استخدم بشار أقصى ما لديه من مخزون الأسلحة المدمرة، وكلها روسية، بما فيها الأسلحة الكيميائية والصواريخ الفتاكة والبراميل المتفجرة والقنابل العنقودية والحارقة، مستعينًا بالطائرات الحربية والدروع البرية وقذائف المدفعية، فقتل أكثر من نصف مليون وشرد أكثر من اثني عشر مليونًا في الداخل السوري وفي خارجه، وارتكب أعظم المجازر وحفر أوسع المقابر ودمّر مدنًا بكاملها على سكانها وقضى على البنية التحتية في سائر الربوع السورية ومارس أقسى أنواع التعذيب والتنكيل ضد شعبه، ثم وسع دائرة تلك الجرائم الوحشية بإشراك حلفائه من الإيرانيين وحزب الله، فلم يفلح ذلك كله في وقف جهاد الفصائل المقاتلة في سوريا ضد حكمه، فماذا عسى أن يفعل الروس أكثر من ذلك الذي فعله بشار! وإنه من المؤكد تمامًا أن الروس لم يستفيدوا قيد أنملة من دروس وعبر تدخلهم العسكري في أفغانستان، وها هم الآن يرتكبون الخطأ نفسه!

لقد حسب الروس أنهم سيواجهون الفصائل الجهادية المقاتلة الآن في سوريا فحسب!! ولكن ما لم يحسبوا حسابه أن تلك الفصائل سيأتيها المدد في العديد والأموال من جميع أنحاء العالم الإسلامي وبشكل متدفق ومستمر، لأن الجهاد في سوريا الآن قد أصبح جهاد مسلمين ضد كفار معتدين محتلين، وليس مجرد مقاتلة نظام حاكم، وسينفتح هذا الباب الواسع في دعم الجهاد في سوريا بأوسع مما انفتح إبان الجهاد في أفغانستان، وستتحول سوريا إلى مقبرة لهؤلاء الطامعين الغزاة.

3- على المستوى الاقتصادي:

بعد تفكك الاتحاد السوفيتي انقلبت روسيا إلى دولة فقيرة تتحسس جيوبها لترى إن كان ثمت شيء قد تخلف في طياتها لتتمكن من دفع رواتب موظفي الدولة وقوات الجيش، حيث إن الجهاد الأفغاني قد أنهك قواها الاقتصادية، ولم تكد روسيا تتعافى اقتصاديًّا نوعًا ما حتى أعاد عجلتها إلى الخلف الجهاد الشيشاني، وها هي الآن قد أعادت دعم بنيتها الاقتصادية، لكنها دون مستوى إمكانية تمويل الحروب، فأعادت التقام شبه جزيرة القرم، لتوسع صدرها الذي قد ضاق حتى كاد أن يقضي على أنفاسها الاقتصادية التي أوشكت أن تنكتم بسبب التورط الروسي في أوكرانيا، وقد ذكر إلياس حنّا في صحيفة القبس الكويتية بتاريخ 11 أكتوبر 2015م أن «بوتين يتبع إستراتيجية انتحارية، لأن مشاريعه الجيوسياسية تفوق بكثير قدراته المالية، فهو يرعى أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في جورجيا، ونوغورنو كاراباخ بين أرمينيا وأذربيجان، والحركة الانفصالية في مولدوفا، وشبه جزيرة القرم التي تكلفه وحدها 4 مليارات دولار سنويًّا».

وها هي الآن في مواجهة استنزافها اقتصاديًّا بواسطة الجهاد السوري[2]. إن روسيا قد تورطت فعلًا، حيث إن تصورها إمكانية القضاء على المجاهدين في وقت قياسي هو مجرد أوهام يقظة، وسوف تتوالى الشهور ثم السنوات، ولن يكون أمام الجيش الروسي خيارات سوى الانسحاب مندحرًا أو الغرق في بحر الجهاد السوري منتحرًا!

وسوف تنهار روسيا اقتصاديًّا، وستتأثر مشاريعها التنموية وستزداد مساحة الهوة بينها وبين الغرب، فالغرب صاعد وهي هابطة، وستنهك أعمالها العسكرية جميع مرافق بنيتها الاقتصادية، ولعل هذا التحليل يشير إلى بعد نظر في مراكز الدراسات الإستراتيجية التي ربما أشارت على القيادات في أمريكا وأوربا بإعطاء روسيا الضوء الأخضر لتعتدي على سوريا اعتداء احتلال وليس اعتداء دعم ومشاركة.

ربما ترى الولايات المتحدة وأوربا أن توريطها لروسيا في البحر السوري بهذا الحجم لن يُضعفها ويوهن قواها فحسب، بل سيؤدي إلى تفككها وليكون اسمها في المستقبل هو مجرد كلمة «روسيا» فحسب بعد أن تجرِّدها الوقائع والأحداث في داخل كيانها من لفظ «الاتحادية»، فلفظة «روسيا الاتحادية» هي مجرد تعريف للواقع الروسي قبل تفككه!

4- على المستوى الاجتماعي:

يبدو أن قوافل التوابيت للقتلى الروس العائدة من أفغانستان ومن الشيشان قد انمحت صورتها من أذهان قيادة الكرملين لكن القوافل الجديدة لأولئك القتلى التي ستعود من سوريا ستنعش ذكريات تلك المشاهد البائسة، وعمّا قليل ستبدأ المدن الروسية باستقبال التوابيت الجديدة التي ستأتي أحادًا، ثم تتزايد شيئًا فشيئًا لتصبح مجموعات ثم تتكاثر لتضحى قوافل.

فهل حسبت القيادة الروسية لتدخلها في سوريا هذا الحساب؟ أم أن بوتين أعماه جنون العظمة كما أعمى هتلر وأمثاله من طواغيت التاريخ؟!

أيّة سوريا يريدون بعد التدخل الروسي العدواني؟

التسمية المرشحة لسوريا - لحد الآن - هي إحدى ثلاث:

الجمهورية العربية السورية.

سوريا المفيدة.

سوريا الجديدة.

ولكل مسمى سيناريو محتمل:

* المقصود بالمسمى الأول «الجمهورية العربية السورية»  الإبقاء على هيمنة بشار ونظامه على كامل الأراضي السورية بحسب حدودها الجغرافية الحالية المتفق عليها دوليًّا، ويتضمن هذا السيناريو القضاء على جميع فصائل المعارضة المقاتلة، وإذا كانت داعش حاليًا هي مخلب النظام السوري الحاكم في دمشق ضد تلك المعارضة، فهي بحسب النظرة الروسية مجرد مخلب «مؤقت»، وقد فشل هذا المخلب في إقصاء الفصائل السورية المجاهدة عن ساحات النزال، لكنه حقق بعض المكاسب على مستوى الجغرافيا (كما في دير الزور والرقة وبعض المدن والقرى الأخرى)، لكنه لم يتمكن من القيام بدور أكثر من كونه «مشاغبًا» في مناطق أخرى، و«معيقًا» لتقدم المعارضة المقاتلة في مناطق ثانية، و«مخترقًا» لصفوف تلك المعارضة في عدة مستويات قيادية في تلك الفصائل، و«مغتالًا» لها في عدة مرافق، إن القيادة الروسية ضمن هذا السيناريو ترى أن المهمة التي أرادها النظام السوري من داعش لا محل لها من الإعراب في المراحل القادمة لأن الجيش الروسي سيقوم بنفسه بمهمة القضاء على الفصائل المقاتلة، وسيكون بقاء داعش بعد ذلك «عبئًا» لا مبرر له على النظام السوري وسيقاتل النظام لاستبقاء سيطرته على «حصته» من الكعكة السورية، ولذلك فإن وضع داعش تحت مظلة الفصائل المقاتلة نفسها التي يريد الجيش الروسي القضاء عليها سيكون محققًا لهذا السيناريو. نستنتج من ذلك أن الجيش الروسي إذا وجّه ضربات «اجتثاثية» لداعش بنفس مستوى ما يفعله للفصائل المقاتلة المجاهدة فهذا يعني أن هذا السيناريو هو المرجح حصوله، خاصة أنه سيحقق آمال إيران في استبقاء مجمل سوريا ضمن نفوذها لنشر شيعتها الفرس في ربعوها.

* المقصود بمسمى «سوريا المفيدة» الأجزاء التي ستبقى تحت سيطرة النظام الحالي والتي ستكون تحت حماية جيش النظام الحاكم والحرس الثوري الإيراني ومليشيات حزب الله اللبناني والجيش الروسي بعد إيقاف القتال، وهذا السيناريو لن يتحقق إلا من خلال تقسيم سوريا الحالية إلى دويلات، وستكون أهمها الدويلة النصيرية العلوية وهي «سوريا المفيدة».

* أما «سوريا الجديدة» فهي مجمل سوريا بعد تقسيمها إلى دويلات وكانتونات ومناطق نفوذ، وأذكر ها هنا ملخصًا لما ذكرته صحيفة «الفيغارو» الفرنسية في عددها الصادر في 4 أكتوبر 2015م حول الحدود الجغرافية لهذا التقسيم - إن حصل - مع تصرف في التعبير عن العناوين والمضمون:

* «سوريا المفيدة»: هي المنطقة الموالية لروسيا وإيران، وهي تمثل 20% من الأراضي السورية الحالية، وقد نزح منها حوالي 50% من سكانها، وتسعى إيران إلى طرد الباقي من السكان ليحل الشيعة الفرس بدلًا عنهم، وتمتد هذه المنطقة من ضواحي دمشق إلى الساحل المطل على البحر الأبيض المتوسط، مرورًا بمدينتي حمص وحماة، إضافة إلى الجزء الذي يسيطر عليه النظام السوري من مدينة حلب وجنوب درعا والسويداء، ويحاول النظام الآن بواسطة الدعم العسكري الروسي استعادة السيطرة على جسر الشغور ومعرة النعمان لضمها لهذه المناطق، وتؤيد إيران مشروع «سوريا المفيدة» في حالة فشل الإبقاء على الحدود الجغرافية الحالية لسوريا، ولذلك فإن الإستراتيجية الجديدة، وفق المقربين من بشار، تتوجه لإنشاء «جيوش محلية» بدعم إيراني - روسي للدفاع عن اللاذقية ومناطق الدروز في الجنوب حيث تتمركز الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد.

* «سوريا النفوذ والكانتونات»: تشمل مناطق نفوذ تركي سعودي في شمال غرب سوريا، ومن ضمنها أدلب وجزء من حلب، وتشمل أيضًا كانتونًا كرديًّا محاذيًا للحدود التركية، وهو كانتون ضعيف، بحسب ما يقرره «مارك بيرني» (سفير فرنسي سابق في كل من تركيا وسوريا) بقوله: «حتى وإن قبل الأكراد بعدم تنفيذ هجمات على مواقع غرب الفرات، فإنهم لم يصبحوا بعد قوة سياسية وعسكرية لها مكانتها في حال توقيع أي اتفاق في المستقبل».

* «سوريا داعش» وهي المناطق التي تسيطر عليها داعش تحت مسمى «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، وتشمل حاليًا منطقة الصحراء السورية من شرق حلب مرورًا بالرقة ودير الزور حتى الحدود العراقية، وليس ثمت حدود ثابتة لجغرافية هذا التنظيم، إذ هو يتمدد ويتقلص بحسب مجابهاته القتالية مع الفصائل المجاهدة السورية والجيش الحر. وهل سيستمر هذا التنظيم أم سيتلاشى؟! هذا ما يقرره الذين أوجدوه، إذ إن بقاءه أو تلاشيه خاضع لمدى ما يتحقق لهم بذلك من مصالح.

وبناء على ما ذُكر أجابت «الفيغارو» على سؤال: «هل يمكن أن تتفادى سوريا التقسيم الكامل؟!» بما يلي: «تبدو مصالح القوى الإقليمية المتورطة في الحرب الدائرة في سوريا واضحة الآن:

روسيا: يمكن أن تصدر لسوريا النموذج الأبخازي، بهدف حماية النظام ومعاقله.

إيران: تسعى إلى الحفاظ على امتداد إقليمي بين بغداد ودمشق ومناطق العلويين ولبنان، وهو محور شيعي يهدف إلى مواجهة النفوذ الوهابي السعودي (كذا) في المنطقة.

السعودية: تسعى إلى إقامة نظام سُنّي في دمشق لإضعاف إيران في سوريا وفي العراق أيضًا، حيث لم تتقبل السعودية أبدًا ما نتج عن الحرب الأمريكية في العراق عام 2003م التي أدت إلى سيطرة الشيعة على السلطة فيها، غير أن اختراق الإرهابيين (تقصد الصحيفة المجاهدين) للجماعات المسلحة المعتدلة (أي الجيش الحر) يمكن أن يحول دون أن تبلغ الرياض هدفًا سياسيًّا تقبله الولايات المتحدة.

النتيجة: يقول دبلوماسي عربي إن الوضع في سوريا حاله كحال الحرب الأهلية في لبنان ستنتهي باتفاق طائف يقوم على التقسيم الطائفي والفئوي بين القوى الدينية، ثم تقول «الفيغارو»: وما يعزز تقسيم سوريا ويحول دون وحدتها هو بقاء بشار الأسد في السلطة، حيث انتهى الجميع إلى قبول مشاركته في عملية انتقال سياسي، ولا شيء يؤكد أن حلفاءه الروس والإيرانيين سيتخلفون عنه في نهاية هذه المرحلة الانتقالية، ثم تبقى عقبتان: الأولى: مرونة داعش التي تستفيد من هذه الفوضى وقد تمتد المواجهة معها لجيل كامل. الثانية: الطموح الكردي لتحقيق الاستقلال الذاتي، وهو ما يحول دون محافظة سوريا على وحدتها، وفي مثل هذه الظروف فإن انطلاق المفاوضات التي أعلنت عنها موسكو ضمن فريق اتصال يجمع روسيا والولايات المتحدة وتركيا وإيران والسعودية ومصر يبدو معقدًا، فلا يُرى في الأفق أن السعودية ستجلس قبالة روسيا وإيران في المدى القصير، مما يعني أن سوريا تتجه نحو الانفجار» (انتهى ما ذكرته الفيغارو، بتصرف).

صمت القبور يخيم على مواقف الدول من التدخل الروسي العسكري:

لم تنقل وكلات الأنباء استنكارًا دوليًّا عامًا وشاملًا وشاجبًا للتدخل الروسي العسكري السافر في سوريا هادفًا إلى احتلالها تحت شعار الدفاع عن النظام الوحشي الحاكم، ولكن بالجملة يمكننا الإشارة إلى مواقف بعض الدول والمنظمات من ذلك كالتالي:

الأمم المتحدة: التحفت بعباءة صمت القبور ونسيت ميثاقها، وافتتح سكوتها بوابة الإجرام الواسعة التي ولج من خلالها التدخل الروسي العسكري إلى الربوع السورية؛ ما أعطى الضوء الأخضر لذلك التدخل ليعيث في الأرض فسادًا، فلا مجلس الأمن ولا الجمعية العامة قد تجشما أيما عناء لإصدار ولو بيان واحد لاستنكار تلك الفعلة الشنعاء، وهي وصمة عار جديدة تضاف إلى وصمات العار السابقة التي تلطخ بها جبينها.

مواقف الحكومات في مختلف الدول:

لم يعد خافيًا على أية حكومة في العالم إجرام النظام الحاكم في سوريا بقيادة بشار بحق شعبه، ولو أرادت تلك الحكومات، أو بعضها، إزاحة بشار لاتخذت إلى ذلك سبُلًا ووسائل، ولكن خوفها من احتمال أن يكون البديل هو «نظام إسلامي» هو الذي يدفعها إلى اتخاذ مواقف السكوت، وبعضها مواقف التأييد، بسبب ما تكنه تلك الحكومات للإسلام - إلا قليلًا منها - حتى وإن كانت حكومات تحكم شعوبًا إسلامية، وبما أن التدخل الروسي العسكري هو لتثبيت نظام بشار وللحيلولة دون وصول الإسلاميين للسلطة، فإنه يحظى بتأييد تلك الدول علنًا أو ضمنًا، بما فيها معظم الدول العربية والإسلامية، بل والكيان الصهيوني أيضًا الذي يعد في مقدمة هذا الركب.

الموقف الأوربي والأمريكي: ليس صحيحًا أن هذه الدول تريد إسقاط بشار إن كان بديله إسلاميًّا، لذلك فإنها من هذه الوجهة تغض الطرف عن التدخل الروسي، لكنها من وجهة الصراع الإستراتيجي مع روسيا فإنها لا تؤيد وجودًا عسكريًّا روسيًّا فاعلًا في سوريا لأنه يهدد دول حلف الناتو من الجهة الجنوبية الشرقية، ما يستدعي تغيير كثير من خطط المواجهة مع روسيا سواء على مستوى فتح جبهات جديدة أو نقل قوات أو أعمال لوجستية أو تغيير مواقع عسكرية، فضلًا عن المتطلبات المالية للقيام بذلك كله،  لذا فإن هذه الدول تمسك العصا من المنتصف، فهي تؤيد التدخل الروسي بقدر لا يخل بالمعادلة العسكرية المتوازنة القائمة حاليًا، وهذا يعني أن هذه الدول قد وضعت للروس خطوطًا حمراء متفق عليها لا يجوز تجاوزها، وفي حال تجاوز الروس تلك الخطوط فإنه قد ينشأ وضع متوتر يؤدي إلى احتكاكات ربما تصل إلى مرحلة الخطر.

الموقف الإيراني والعراقي: ليس مجرد مؤيد بل مشارك ومساهم وداعم وممهد، وليس التحالف الذي تم بين روسيا وإيران والعراق وسوريا من إقامة مركز للتنسيق مقره بغداد بحجة محاربة داعش - والحقيقة خلاف ذلك - إلا تعبير واضح عن ذلك الموقف، ولذا على هذه الدول أن تتحمل مسؤولية كل الأفعال الإجرامية التي يمارسها الجيش الروسي بحق الشعب السوري. لكن من جهة أخرى يبقى هناك احتمال عدم توافق بين إيران وروسيا في المستقبل بسبب الصراع على النفوذ فيما يتعلق بالمواقع النفطية والموانئ البحرية (اللاذقية وطرطوس).

الموقف السعودي والقطري والتركي: منذ البداية كان لهذه الدول مواقف مناوئة لإجرام بشار وحزبه وطائفته، وطالبت بإصرار أن تتاح الفرصة للشعب السوري لتقرير مصيره، ولا شك أن هذه الدول تدرك تمامًا الخطر الماحق الذي يحققه التدخل العسكري الروسي على عموم منظومة التوازن الإستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، وبالأخص حوض الخليج العربي، وتحاول روسيا بقدر إمكانها إعطاء التطمينات لهذه الدول بشأن مستقبل ذلك التدخل السافر في سوريا، وأنه لا يهدد مصالحها الإستراتيجية، غير أن الاحتكاكات التي حصلت بين روسيا وتركيا من خلال اختراق الطائرات الروسية للمجال الجوي التركي قد أضعفت تلك المحاولات وغطت عليها سحب الشك والريبة[3]، لذلك فإنه من الواجب على هذه الدول أن تدرك خطورة ذلك التدخل الروسي العسكري إدراكًا يترجم على ساحة الصراع بتقديم جميع أنواع الدعم للمعارضة المجاهدة السورية المسلحة، سواء على المستويات السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية.

إن روسيا تريد الالتفاف على أية معارضة لتدخلها من قبل هذه الدول، ولذلك فإنها لا تفتأ تستقبل ممثليها لتقديم التبريرات تلو التبريرات لتدخلها السافر في سوريا، معللة بأن ذلك هو لمجرد «محاربة الإرهاب»، وهي «جملة» بات من الصعب على أية دولة أن ترفضها في ظل الإعلام الصهيوني الصليبي المضلل، الذي ألحق أعمال الجهاد ودفاع الشعوب عن إسلامها وأوطانها بمسمى «الإرهاب». ومن اللافت أن بوتين قد طلب من زائريه الاتفاق على محاربة إقامة «خلافة إرهابية» في دمشق، كما نقلت ذلك وكالات الأنباء بتاريخ 12 أكتوبر 2015م، حيث قال وزير الخارجية الروسي لافروف بعد لقاء الجانبين السعودي والروسي: «المطلوب عدم السماح لخلافة إرهابية بالسيطرة على البلاد» (بحسب «الوسط» البحرينية بتاريخ 12 أكتوبر 2012م).

وقد عقدت تلك المحادثات في «سوتشي» بجنوب روسيا، ومحادثات أخرى عقدت أيضًا مع وفد إماراتي، وكانت النتائج في الجملة كقول القائل:

 كأننا والماء من حولنا

قوم جلوس حولهم ماء!

وعاد الكلام عن «جنيف١» علمًا أنه تلاه «جنيف2» ولم ينتج شيء من تلك المؤتمرات ذو قيمة حقيقية على الأرض، فما دعا إليه المؤتمرون في «سوتشي» لم يتجاوز الدعوة إلى مصالحة وطنية والمحافظة على وحدة الأراضي السورية وإنشاء حكومة انتقالية تضم فرقاء من النظام والمعارضة (هكذا) ودون وجود بشار بحسب ما يطلب وزير الخارجية السعودي، وهو خلاف ما تراه روسيا، إذ تعتبر وجود بشار أمرًا أساسيًا في أية تسوية، لأنه «عرّابها» في سوريا، غير أن السعودية عبَّرت بجلاء عن رفضها للتدخل العسكري الروسي في سوريا[4]، بالجملة هو تغليب الحل السياسي، ولكننا نقول: إن كان الأمر ينتهي بتسوية سياسية فلماذا لم يتم ذلك منذ فترة طويلة؟ ولا شك أن الجواب يتعلق بوجود الفصائل المجاهدة، ولذلك فبحسب رأي الروس لا بد من تصفيتها والقضاء عليها أولًا لتحقيق الحل السياسي، ولمَّا فشل النظام السوري في تحقيق ذلك دخلت روسيا بجيشها العرمرم لفعل ما عجز عنه بشار وجيشه وإيران وحزب الله، وسيكون الشأن بعد قضائهم على المعارضة الجهادية المسلحة هو «حل سياسي» من جانب واحد! لكن ذلك لن يحدث إن شاء الله تعالى.

الموقف الجهادي في سوريا من التدخل الروسي العسكري:

لن يهاب السوريون التدخل العسكري الروسي، خاصة أنهم ما زالوا يقاتلون جيش النظام البشاري المدجج بالسلاح الروسي بأنواعه وأشكاله والذي سيؤدي إلى مزيد من تهجير السوريين بسبب القتل والدمار الذي يمارسه، ولكن من الجدير هنا التوقف عند نقاط مهمة:

من نصر الله تعالى لا يُغلب، قال تعالى: {إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: ٧]، ليكن هدف المجاهدين هو إعلاء كلمة الله تعالى في الأرض ونصر دينه وتطبيق شريعته.

الاستمرار في الجهاد ومواصلة السير على دربه مع ما يتطلبه ذلك من صبر ومشقة وإعداد وأمل.

توحيد الفصائل المقاتلة ضرورة لا بد منها، قال تعالى: {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف: ٤]، ويعتبر البيان الذي وقعه 41 فصيلًا مقاتلًا ضد التدخل العسكري الروسي مؤشرًا إيجابيًّا في هذا الخصوص، ولا بد للفصائل جميعًا من التوحد تحت قيادة عسكرية واحدة، وخاصة الفصائل الرئيسية كأحرار الشام وجيش الإسلام وجيش الفتح والاتحاد الإسلامي لأجناد الشام والجبهة الشامية، وباقي الفصائل المنتشرة في الربوع السورية.

الائتلاف ونبذ الاختلاف، قال تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46]، ولذلك وجب على جميع الفصائل ألا تنخرط في سلك الاختلافات، وليكن الاجتماع تحت مظلة الإسلام دون تعصب لحزب أو جماعة أو رأي أو مذهب أو قبيلة أو منطقة، فراية الإسلام تظلل الجميع.

التمسك بالأهداف الرئيسية للجهاد، وأهمها ثلاثة أهداف:

الأول: إسقاط النظام السوري الحاكم.

الثاني: تحرير سوريا من الاحتلال الإيراني والروسي وطرد المليشيات التابعة لحزب الله اللبناني والحشد الشعبي العراقي مع مراعاة التخلص من الخطر الداعشي جغرافيًّا وعقديًّا.

الثالث: إقامة نظام إسلامي على أنقاض الحكم الحالي.

اعتبار النظام الحاكم وداعميه مجموعة واحدة، فلا بد من توجيه السلاح ضدهم جميعًا، دون تفريق بين كون الجهة المقابلة من جيش النظام أو مليشياته أو شبيحته أو من الحرس الثوري الإيراني أو من حزب الله اللبناني أو من الجيش الروسي أو من مليشيات الحشد الشعبي أو غيرهم ممن هم في النهاية يقفون ويقاتلون مع النظام، أو يشكلون غطاءً له بمسميات إسلامية.

إفشال مخطط تقسيم سوريا، وهو هدف رئيس من أهداف الجهاد، لأن هذا التقسيم فضلًا عن أنه يبدد وحدة المسلمين ويفتت التآمهم ويشتت جهودهم فإنه أيضًا يحقق هدفًا رئيسًا للكيان الصهيوني، لأنه يزيل الخطر عنه ويمهد لتمدده واتساعه، ولعل السيطرة على المفاصل الرئيسة التي تحول دون تحقيق التقسيم لها الأولوية في العمليات الجهادية.

رفع الروح الإيمانية والمعنوية سواء لدى المجاهدين أو المدنيين، سواء من كان في الأرض المحررة أو التي تحت سيطرة النظام الحاكم أو المهاجرين إلى خارج سوريا، وذلك بوضع برامج تفي بهذا الغرض، ولكن الحاضنة الجماهيرية في الأراضي المحررة لها الأولوية في ذلك.

إحسان استخدام المناورات السياسية بما يخدم أغراض الجهاد ولا يتجاوز المحددات الإسلامية العقدية الرئيسية، وخاصة فيما يتعلق بالعلاقات مع الدول الداعمة، وكذا الأحزاب والجماعات الإسلامية في مختلف الأقطار العربية والإسلامية، مع التمسك بالثوابت الشرعية.

استيعاب فقه الجهاد، وما يتعلق به من أحكام شرعية، وهي كثيرة ومنوعة، وينبغي تدريس هذا الفقه للأفراد المقاتلين فضلًا عن قادة المجاهدين.

إنشاء مجلس شورى جهادي يضم كافة الفصائل المجاهدة، ويوضع له نظام أساسي لتنظيم اختصاصاته وعمله وشروط المنتسبين إليه.

إنشاء «مكتب عام للفتوى» تتفق جميع الفصائل على قبول أحكامه.

إنشاء «مكتب سياسي» يمثل المجاهدين وله صلاحيات واسعة يحددها مجلس الشورى.

بيان حقيقة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ومن يقف وراءهم، وخطورة الغلو الذي ينتحلونه وأثر ذلك على المجاهدين وسير عمليات الجهاد.

توقي الحذر من المنافقين، وتحصين الأجهزة القيادية من الاختراق، وتبني أسلوب الغلظة معهم قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْـمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التحريم: ٩].

وضع خطط لتأمين الدعم المادي والبشري للمجاهدين، وذلك بتكثيف بيان أحوال المجاهدين والحواضن الجماهيرية وما يلاقونه من ضنك وحاجة، وكذا ما يتطلبه استمرار الجهاد من سلاح وذخيرة وتأمين للصفوف الخلفية الداعمة له.

استيعاب المجاهدين المهاجرين إلى سوريا من خارجها من كافة أنحاء العالم، وذلك يتطلب خططًا ووسائل متعددة.

تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في داخل الأراضي المحررة، مع مراعاة الفقه في ذلك وطول مدة بُعد الناس عن أحكام الشريعة وانحسار دورها عن حياتهم لعقود مديدة، فلا بد من استخدام اللين والأخذ بالرفق والعمل بالحكمة والسير بالموعظة الحسنة والنأي عن الغلو والتكفير بغير حق.

الحذر الشديد من الحلول المعلبة، وهي الحلول التي تفضي في النهاية إلى إجهاض الجهاد ومصادرة الوصول إلى أهدافه، كتلك التي تتمخض عنها مؤتمرات المعارضة الخارجية من مثل «جنيف1» وما بعده أو «موسكو1» وما بعده.

إنشاء «مكتب إعلامي» لصالح قضية المجاهدين في سوريا، وذلك لفتح عيون شعوب العالم وحكوماتها على حقيقة ما يجري في سوريا من بشائع النظام الحاكم وأعوانه وداعميه من الداخل والخارج، وللتعبير عن رأي المجاهدين في كل ما يدور في الساحة مما له علاقة بهم وبجهادهم، ولكشف دور داعش والمنافقين ورفع الغطاء عن المؤامرات التي يحيكها أعداء الإسلام ضد الجهاد في سوريا لكسر شوكته وتنكيس رايته، ومن مهمات هذا المكتب بيان أهمية توافد المجاهدين من أنحاء العالم لدعم إخوانهم المجاهدين في سوريا، فالمعركة الآن هي ليست ضد النظام وحسب بل هي أيضًا لمقاتلة المعتدي الروسي الكافر ودحره وإخراجه وتحرير البلاد من شره.

التواصل الإيجابي والمثمر مع مخيمات اللاجئين في خارج سوريا، لأنهم منبع الحواضن الخلفية للمجاهدين وحماة خطوطهم الداعمة، ومن وسائل تفعيل ذلك التواصل اتخاذ ما يلزم بقدر المستطاع لتلبية ودعم تحقيق الحاجات الملحة سواء لحواضن المناطق المحررة أو لقاطني المخيمات.

الالتجاء الدائم إلى الله تعالى بالدعاء والطاعة له ولرسوله كيما يتحقق النصر للمجاهدين، وليعلموا أن الله ينصر جنده بما شاء فله جنود السموات والأرض، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب: ٩].

 

:: مجلة البيان العدد  342 صـفــر 1437هـ، نوفمبر  2015م.


[1] قال السفير الأمريكي لدى حلف شمال الأطلس «دوغلاس لوت»: إن الحشد العسكري الروسي في سوريا يشمل وجودًا بحريًّا كبيرًا ومتناميًا يزيد عن 10 سفن وصواريخ بعيدة المدى وكتيبة قوات برية (ألف جندي) تدعمها أحدث الدبابات الروسية ومدفعية وصواريخ بعيدة المدى وقوات دفاع جوي (انظر: القبس الكويتية 9 أكتوبر 2015م).

[2] قالت «ريفا بهالا» نائبة رئيس شركة ستراتفو المتخصصة في الاستخبارات الجيوسياسية في أمريكا: إن موسكو لن تتحمل نفقات التدخل والعمليات العسكرية للقوات الروسية في سوريا لأكثر من أربعة أشهر (سي إن إن: 15 أكتوبر 2015م).

[3] لعل أحد نقاط ضعف تركيا إزاء روسيا هو استيرادها حوالي 60% من غازها من روسيا.

[4] كشف مسؤول سعودي أن السعودية سترد على التدخل الروسي في سوريا بتزويد مجموعات من المعارضة بإمدادات من الأسلحة الحديثة، بينها أسلحة موجهة مضادة للدبابات سيتم تقديمها إلى ثلاث مجموعات، هي: جيش الفتح والجيش السوري الحر والجبهة الجنوبية (القبس الكويتية 10 أكتوبر 2015م).


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة