ثورة الساكاكين تنسف الأسطورة الصهيونية

Share
Share
ثورة الساكاكين تنسف الأسطورة الصهيونية
ثورة الساكاكين تنسف الأسطورة الصهيونية


في أكثر كوابيسه سوداوية، لم يكن لرئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو ونخب الحكم في تل أبيب أن تتوقع ردة الفعل الفلسطينية العارمة التي تفجرت بعد أن بدأ الكيان المحتل في تطبيق مخططاته المتعلقة بتقسيم الحرم القدسي الشريف بين المسلمين واليهود. ولقد كانت الصدمة الصهيونية كبيرة لدرجة أن نتنياهو بدا غير واثق بشكل جلي وواضح من إمكانية كيانه في احتواء الموقف ووضع حد لتفجر الغضب الفلسطيني الذي مثلت ثورة السكاكين أبرز مظاهره، والتي لم ينحصر فعلها في القدس فقط بل تعداها إلى باقي مدن الضفة الغربية وفلسطين 48، في حين برزت غزة في اقتحام الحدود.

لقد صدمت ردة الفعل الفلسطينية على مخططات المس بالأقصى الجنرالات والمفكرين والمعلقين الصهاينة، لدرجة أن الجنرال «يعكوف عامي درور»، أحد أبرز قادة الاستخبارات العسكرية السابقين، وبرغم توجهاته اليمينية، أقر بأن الكيان الصهيوني غير قادر على إحداث أي تغيير في الحرم القدسي الشريف لأن الفلسطينيين لن يسلموا بذلك «ولو لم يتبقَ منهم أحد على قيد الحياة»، على حد تعبيره. ولكي يقرب هذه الفكرة للجمهور الصهيوني كتب درور قائلًا: «حب المسجد الأقصى والاستعداد للتضحية من أجله يمثل مركبًا أصيلًا من الحمض النوي (DNA) الخاص بالفلسطينيين، وهو غير قابل للتغيير بفعل تقنيات الهندسة الوراثية، فعلينا عدم الاقتراب من هذه القضية الحساسة لأننا سنخسر بكل تأكد في النهاية».

وسرعان ما أدرك نتنياهو هذه الحقيقة وأخذ يعدل من سلوكه بشكل لا يفضي إلى توفير البيئة لاشتعال الأمور أكثر.  ففجأة ودون سابق إنذار، وتحت ضربات المقاومين، تشبث نتنياهو بكل الحلول التي يرى في تقديره أنها يمكن أن تفضي إلى التهدئة. وقد سارع نتنياهو لمنع وزرائه ونوابه ونخب اليمين من تدنيس الحرم القدسي الشريف. ليس هذا فحسب، بل إنه ضرب عرض الحائط بمطالبات وزراء في حكومته باستئناف البناء في مستوطنات الضفة وتعزيز مشاريع تهويد القدس، خوفًا من أن يستفز هذا الفلسطينيين فتزداد عمليات الطعن ضراوة وينتقل الفلسطينيون إلى أشكال أخرى من المقاومة المسلحة. ولا حاجة للتذكير أن نتنياهو كان قبل تفجر ثورة السكاكين يشجع نخب اليمين الديني والعلماني في تل أبيب على المس بالمسجد الأقصى بالسماح لوزرائه ونواب ائتلافه الحاكم ليس فقط بتدنيس الحرم بل بإعطاء الضوء الأخضر للبدء في مشاريع التقسيم الزماني والمكاني، وحتى إذا هدأت الأمور، فإن الذاكرة السياسية للصهاينة ستظل تذكر انكفاء نتنياهو واستعداده لتقديم التنازلات تحت وقع فعل المقاومة، وهو المشهور بتبجحه وغطرسته وغروره.

وبغض النظر عن مآلات هذه الثورة غير المسبوقة، فقد تعلم نتنياهو، ومن سيخلفه في حكم تل أبيب، أن متطلبات استرضاء قواعد اليمين الديني المتطرف في الكيان الصهيوني ستكون دومًا عالية الكلفة. فسيسجل التاريخ أن نتنياهو أمر بتجميد الاستيطان والتهويد خوفًا من تعاظم مظاهر ثورة السكاكين التي مست بشكل غير مسبوق بمستوى الشعور بالأمن الشخصي لدى الصهاينة. فقد أوعز الزعيم الصهيوني بتجميد مخطط للبناء في منطقة حائط البراق، مع أنه سبق لحكومته أن أقرته، وهو ما أثار حفيظة كبار المرجعيات الدينية اليهودية.

وسيذكر التاريخ أن ما عجزت عنه ضغوط الولايات المتحدة ورئيسها باراك أوباما، الذي حاول إقناع نتنياهو بتجميد الاستيطان نجحت في تحقيقه مجموعة من الفتية الفلسطينيين الذين تسلحوا بإيمان عميق وثقة بعدالة قضيتهم. لقد أفضت أيام معدودة من فعل المقاومة المكثف إلى نتائج لم يحققها عقدان من المفاوضات العقيمة التي لم تسهم إلا في تعاظم المشروع الاستيطاني التهويدي.

بيت المقدس

إن أكثر ما أصاب الصهاينة بالإحباط من تفجر موجة عمليات المقاومة حقيقة أن جميع محافل التقدير الإستراتيجي في تل أبيب توقعت أن يفضي تردي الأوضاع العربية، لاسيما في الدول المحيطة، إلى بعث اليأس في نفوس الفلسطينيين وسيدفعهم لتطبيع حياتهم مع الواقع الذي يخطط الصهاينة لفرضه. من هنا، فقد أطلق عدد من كبار المفكرين والأدباء والشعراء الصهاينة دعوات للجمهور الصهيوني بضرورة «التعقل» وإدراك حقيقة أن هناك حدود للقوة الصهيونية، وأن أية محاولة للمس بالحرم القدسي الشريف يمكن أن تشكل مخاطر وجودية على الكيان الصهيوني.

لقد دفعت الأحداث الأديب والشاعر الصهيوني الضرير «أيرز بيتطون»، الذي ضرب على نفسه عزلة منذ سنين، أن يكتب مقالًا في موقع «وللا» يحذر فيه من خطورة المآلات التي يمكن أن تفضي إليها محاولات المس بالمسجد الأقصى. وذكّر بيتون الصهاينة بأن السلوك البدائي والمتخلف الذي يصدر عن قيادات صهيونية بشأن الحرم يسهم فقط في دفع مزيد من المسلمين للانضمام للحرب الدينية ضد الكيان الصهيوني. ووجه الكاتب والمعلق الصهيوني الشهير «بن كاسبيت» رسالة عاطفية إلى قادة اليمين الديني في تل أبيب محذرًا من أن المسلمين يمكن أن يجعلوا «إسرائيل» تدرك حجمها الطبيعي بسرعة كبيرة. وفي مقال نشره في صحيفة «معاريف»، هاجم كاسبيت قادة اليمين الصهيوني قائلًا: «أيها الحمقى من المستفيد من إشعال هذه النار؟! هذه الكوة يمكن أن تستحيل إلى بحر من النيران يأكلنا جميعًا، ما صلحتنا في استفزاز مليار ونصف المليار مسلم، ما هو المنطق الذي يوجهكم؟!».

إن أبرز ما أسفرت عنه ثورة السكاكين الفلسطينية أنها أظهرت زيف الشعارات الصهيونية وأفضت إلى تعاظم مظاهر انعدام الثقة في نخب الحكم في تل أبيب. فقد قال الصحافي الصهيوني رفيف دروكر إن هجمة السكاكين الفلسطينية أبرزت أسوأ صفتين في نتنياهو، وهما: الجبن والكذب. لقد بدا واضحًا أن كل الشعارات التي رفعتها القيادات اليمينية خلال الحملة الانتخابية الأخيرة باتت دون غطاء إثر تراجع نتنياهو المخل وخوفه الظاهر للعيان من تداعيات ثورة السكاكين الملتهبة. لقد تحول نتنياهو إلى مادة للسخرية والتندر في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بعد أن توجه لقادة عرب وأجانب طالبًا منهم مساعدته في الخروج من المأزق، مع أنه ظل حتى وقت قصير لا يأبه بكل ما يصدر عن العالم الخارجي. لقد أفضت ثورة السكاكين بسرعة إلى المس بمكانة نتنياهو كزعيم أوحد لليمين لدرجة أن الدعوات قد تعاظمت للتخلص منه واستبداله بزعيم آخر.

ومما يزيد الأمور تقعيدًا أمام نتنياهو حقيقة أن ثورة السكاكين أضفت تشددًا على مواقف الجمهور الصهيوني بما لا يخدم في النهاية مصالح هذا الكيان. فبرغم أن قادة اليمين المتطرف يدركون أن التصعيد لن يكون في صالح هذا الكيان، إلا أنهم استغلوا التوجهات المتطرفة للصهاينة في محاولة لتعزيز حضورهم السياسي والحزبي، من خلال مهاجمة نتنياهو والطعن في مؤهلاته القيادية والدعوة لإجراءات أكثر قسوة ضد الفلسطينيين. وقد مثلت هذه الأحداث فرصة لقادة اليمين المتطرف لاستغلال حالة اليأس التي تعصف بالصهاينة وعرض أنفسهم على أنهم أكثر قدرة من نتنياهو على حسم الأمور ومعالجة التدهور الأمني. فنجد أن من بين قادة الأحزاب اليمينية المتطرفة من يطالب ليس فقط باستئناف تدنيس المسجد الأقصى، وبل ويطالب بتغيير الوضع القائم في الحرم بشكل جذري ونهائي. وفقط من يتابع ما يكتبه وزير الخارجية السابق «أفيغدور ليبرمان»، زعيم حزب «البيت اليهودي»، الذي تعاظمت شعبيته مؤخرًا بشكل كبير، على حسابه على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» يدرك مدى حرصه على استغلال مظاهر ضعف نتنياهو لكي يحاول توسيع دائرة التأييد له ولحزبه من خلال عرض نفسه كقائد يمكنه حسم الأمور في زمن قياسي. وقد استغل ليبرمان وغيره الأحداث من أجل توسيع الدعوات العنصرية، مثل المطالبة بمقاطعة التجار الفلسطينيين وفرض الحصار عليهم. وفي المقابل، ازدادت دعوات المرجعيات والمنظمات اليهودية لتدمير المسجد الأقصى. فعلى سبيل المثال، أصدرت منظمة «الهيكل ينتظر» بيانًا تدعو فيه الشباب اليهودي لعدم الانتظار وتحقيق «الفريضة الشرعية» المتمثلة في إعادة بناء الهيكل. ومن نافلة القول إن هذه دعوة صريحة لتدمير المسجد الأقصى. وفي المقابل ازدادت وتيرة إصدار «فتاوى» تحث على القتل، حيث سارع عدد من كبار المرجعيات الدينية اليهودية لصب الزيت على النار. فنجد أن الحاخام «شموئيل إلياهو»، عضو الحاخامية الكبرى، يفتي بوجوب تصفية كل مقاوم فلسطيني يتم اعتقاله. ليس هذا فحسب، بل إنه يرى أنه بحسب «حكم الشريعة اليهودية» يتوجب محاكمة أي ضابط أو جندي صهيوني لا يقوم بقتل المقاومين الفلسطينيين بعد اعتقالهم.

ومن الواضح أن الحراك داخل اليمين الديني الصهيوني يعكس ارتباكًا وانعدام ثقة. فحتى لو تمكنت المنظمات الإرهابية اليهودية من القيام بعمل عدائي ما داخل الحرم أو ضد التجمعات السكانية الفلسطينية فإن هذا سيفضي فقط إلى المس بشكل غير مسبوق بالأمن الصهيوني وسيعصف بمكانة الكيان الصهيوني الإقليمية والدولية.

قصارى القول، إن من يريد إحصاء مظاهر عجز الكيان الصهيوني ومن هو معني بتقديم براهين على هشاشة هذا الكيان، فما عليه إلا أن يتمعن في المشهد الصهيوني حاليًا ليصل إلى قناعة مفادها أن ثورة السكاكين المباركة برغم وسائلها البدائية قد نجحت فعلًا في المس بهذا الكيان وأظهرت أن منفذي عمليات الطعن بالسكاكين الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و19 عامًا قد لقنوا الصهاينة درسًا، مفاده أن الأقصى خط أحمر لا يمكن تجاوزه.

:: مجلة البيان العدد  342 صـفــر 1437هـ، نوفمبر  2015م.


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة