{ وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً }

Share
Share
{ وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً }
{ وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً }


 نزل القرآن الكريم على هذه البشرية ليكون لهم منهج هداية وسعادة وفلاح، بعد أنْ تاهت في ظلمات الغي والجهالة والإسفاف. وصنع من أولئك الثلة التي آمنت به واستهدت بآياته أمةً قوية ذات حضارة إنسانية. ولقد كان المسلمون في صدر الإسلام يستهدون بكتاب الله في كل شؤون حياتهم، الخاصة والعامة، فمنه تنسكوا، ومنه جاهدوا، ومنه أداروا، ومنه ربّوا.. يتملك وجدانَهم قولُ الله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: ٢] ويدركون عُمق الآية الكريمة: {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلَّا جِئْنَاكَ بِالْـحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: ٣٣].

وقناديل التربية القرآنية زاوية تربوية، نستضيء فيها بالتوجيه الرباني من كتاب الله العزيز، ونلتمس شيئًا من نور الوحي المعصوم، ونستخرج كنوز القرآن الوافرة، ومن الله نستمد الصواب. في الطريق إلى البيت الحرام:

في السنة السادسة من الهجرة دعا النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى المسير نحو البيت الحرام لأداء العمرة، أهل المدينة والأعراب على سواء، وسار المسلمون بقيادته صلى الله عليه وسلم نحو مكة في أربعمائة وألف تقريبًا، ومعهم الهدي يسوقونه، ومعهم أسلحتهم كذلك؛ لوجود احتمال أن تتعرض لهم قريش أو حلفاؤها بسوء، وأحرموا من ذي الحليفة، وتخلَّف عنه الأعراب.

ولما بلغوا عسفان جاء الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومفاده أنَّ قريشًا عازمة على صده عن الدخول إلى مكة، وأنها جمعت له الجموع، وأنها قدَّمت طليعةً من الفرسان بقيادة خالد بن الوليد إلى كراع الغميم لصدِّه عن الدخول إلى البيت الحرام، فسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه طريقًا وعرة عبر ثنية المرار غربًا، تجنبًا للقاء طليعة الفرسان، وحرصًا منه على عدم القتال؛ فإنَّ الهدف الذي خرجوا لأجله هو أداء العمرة وليس قتال قريش.

لما علم خالد بن الوليد بتغيير الرسول صلى الله عليه وسلم طريقه إلى مكة هرع إلى قريش فأخبرهم بذلك، فخرج جيش قريش ونزل شمال مكة الغربي. وحين وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية غرب مكة بركت ناقته، فقال الناس: خلأت القصواء! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلُق، ولكن حبسها حابس الفيل. والذي نفسي بيده! لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها»[1]، وتوقف صلى الله عليه وسلم عن محاولة المسير إلى مكة، فعسكر بالحديبية.

أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عددًا من الرسل إلى قريش يفاوضونهم بغرض إقناعهم بدخوله إلى مكة معتمرًا دون قتال؛ فإنما جاؤوا لأداء العمرة، فرفضت قريش هذا الأمر، وكاد أحد هؤلاء الرسل أن يُقتَل. وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عثمانَ بن عفان رضي الله عنه يفاوضهم على ذلك، فذهب إليهم ثم أُشيع بين الناس أن عثمان قد قُتل، عندها لم يكن بدٌّ من المواجهة المسلحة مع قريش، فاستنفر النبي صلى الله عليه وسلم الذين معه للقتال وأمرهم بمبايعته على الموت وعدم الفرار، فيما عرف ببيعة الرضوان، فبايعوه إلا المنافق الجد بن قيس.

شعرت قريش بالخطر! فقامت بإرسال الرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم تفاوضه على الرجوع، وكان آخرهم سهيل بن عمرو، الذي عقد مع النبي صلى الله عليه وسلم صلحًا اتفق عليه الطرفان.

تضمنت بنود الصلح رجوع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بلا عمرة على أن يقضوها في العام التالي، كما تضمنت كفَّ الحرب بين الطرفين لمدة عشر سنوات.

وتضمنت البنود عدم قبول النبي صلى الله عليه وسلم لأي مسلم مكي يهاجر إليه، وجواز قبول قريش لأي شخص ممن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجع إليها، وجواز دخول القبائل الأخرى في حلف مع أي من الطرفين.

قبل انتهاء الصلح جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو، يرسف في قيوده، وألقى بنفسه مهاجرًا بين المسلمين، فقال سهيل بن عمرو: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أنْ ترده إلي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا لم نقضِ الكتاب بعد»، فقال سهيل: والله إذنْ لم أصالحك على شيء أبدًا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأجِزه لي» قال: ما أنا بمجيزه لك. قال: «بلى فافعل» قال: ما أنا بفاعل[2]. كما كانت ثمة محاولات لاستفزاز المسلمين وجرهم إلى الحرب، لكنها لم تفلح، وتم الصلح وبدأ سريان مفعوله.

كان هذا الصلح يمثِّل صاعقة على المسلمين، وهزَّة نفسية عميقة «حتى كادوا يهلكون»[3]، ومما يدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما أمرهم بحلق رؤوسهم ونحر بُدنهم امتنعوا، حتى إذا رأوه عليه الصلاة والسلام فعل ذلك بنفسه - بمشورة من زوجه أم سلمة - قاموا فحلقوا رؤوسهم ونحروا بُدنهم. قال الراوي: «فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًا»[4]. وتحلل الناس من عمرتهم، وبقوا في الحديبية عشرين يومًا، ثم تأهبوا للعودة إلى المدينة النبوية.

وفي طريق عودة المسلمين إلى المدينة وهم كسيرو الأنفس نزلت سورة الفتح: {إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا 1 لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا 2 وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} [الفتح: ١ - ٣]، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أُنزلتْ عليَّ الليلة سورة لهي أحبُّ إلي مما طلعتْ عليه الشمس»[5]، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم له: هنيئًا مريئًا، فما لنا؟ فأنزل الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْـمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إيمَانًا مَّعَ إيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا 4 لِيُدْخِلَ الْـمُؤْمِنِينَ وَالْـمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا} [الفتح: ٤، ٥][6].

المكاسب المترتبة على مسير المسلمين إلى مكة:

لماذا أصابت المسلمين كآبة حين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالتحلل من الإحرام ولمَّا يعتمروا بعد؟

وما هي أهداف النبي صلى الله عليه وسلم من المسير نحو مكة لأداء مناسك العمرة في وقتٍ لا تزال قريش تنصب العداء فيه لمحمد صلى الله عليه وسلم وجماعته المؤمنة؟

بعد عام واحد من غزوة الخندق التي أعلن فيها النبي صلى الله عليه وسلم تغيُّر مسار الصراع بينه وبين قريش حيث قال: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا»[7]، بعد عام واحد سار النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه وبجيشه إلى مكة لأول مرة، لكنه هذه المرَّة لم يكن مسيره لأجل القتال، بل لأجل العمرة وزيارة البيت الحرام الذي طُردوا منه قبل سنين، لقد كان الحنين يحدوهم إليه ويحفزهم للمضي قدمًا نحو مكة.

كما أنَّ مسير المسلمين بهذا العدد نحو مكة تحت مرأى ومسمع من قبائل الجزيرة العربية يوحي بأنَّ ثمة دولة فتية لها كيان ولها وجود، وهي تعيش حياتها كأي دولة. ولا شكَّ أن حديث محمد في تلك الفترة يتصدر أحاديث مجالس القبائل العربية المحيطة بمكة والمدينة.

لقد كانت تلك الجموع وهي تحث المسير نحو مكة تعلن بصمتٍ أن البيت الحرام ليس مِلكًا لقريش وحدها، وأن زعامة قريش على الكعبة زعامة واهية. وهذا أحد أسرار هذه الغزوة.

أدركت قريش أن الانتصارات التي يريد تحقيقها رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المرة ليست انتصارات مسلحة، وإنما هي انتصارات إعلامية ونفسية!

«الخسائر» المترتبة على صلح الحديبية:

في بادئ الأمر كان صلح الحديبية يُعدُّ انكسارًا حادًّا في الأهداف، وتلاشيـًا في الطموح؛ فلا البيت الحرام - الذي طالما حنَّت إليه نفوس المهاجرين - سيزورونه؛ وهم حينها بالقرب منه، وقد أحرموا وساقوا الهدي معهم. وستتسامع العرب - بنشوة - أنَّ محمدًا وأصحابه سيعودون خائبين من حيث أتوا، وستفرض قريش سمعتها الزعامية على العرب مرة أخرى بصدها للمسلمين عن البيت الحرام.

ولقد شعر المسلمون بشيء من العسف في بنود الصلح لا يحتمل، وكلنا نعرف موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه حين قال: «فلمَ نعطي الدنيَّة في ديننا؟»، أما حين رُدَّ أبو جندل إلى المشركين يسومونه سوء العذاب فكانت لحظة زمنية رهيبة تُزِلزل القلوب وتهمر الدموع، وكأن سائلًا يتساءل حينها: أكلُّ هذا من أجل عمرة آمنة، ثم هي مؤجلَّة؟! لم تكن المعادلة متكافئة فيما يبدو للوهلة الأولى.

لله قلوب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم! كيف ثبتت عند هذا الموقف؟! كيف استطاعت أن تسيطر على المارد الهائج في نفوسها والذي تشكَّل في هذا الموقف؟! والله لم أزل متعجبًا من هول الموقف وضخامة الثبات في صلح الحديبية. فاللهم ارزقنا ثباتًا كثباتهم.

من الطبيعي أن يكون نجاح قريش في صد المسلمين عن البيت الحرام عاملًا مهمًا في تقزيم قوة الجيش الإسلامي، سواء كان ذلك على المستوى الداخلي للدولة الفتية أو على المستوى الخارجي بين هاتيك القبائل التي مر عليها النبي صلى الله عليه وسلم أثناء مسيره إلى مكة، والقبائل التي تتسامع أخباره. وهذا  في بادئ الأمر انتصار إعلامي ونفسي لصالح قريش.

حتى الأعراب من حول المدينة كانوا على أملٍ كبير في هزيمة تنال المسلمين وتكبت طموح محمد صلى الله عليه وسلم: {بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْـمُؤْمِنُونَ إلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا} [الفتح: 1]، لقد تنامى إلى مسامعهم أنَّ ذلًا طال جيش المسلمين وأنَّ الهوان لحقهم بإبرامهم عقد الصلح في الحديبية.

هذه الخسائر هي التي جعلت أكثر الصحابة رضي الله عنهم يتألمون لصلح الحديبية، فهم الكُماة الذين قدَّموا أرواحهم رخيصة في سبيل نصر الإسلام والدفاع عنه، ولأنْ يقطَّع أحدهم قطعة قطعة أحب إليه من أن يرى الإسلام تنكَّس راياته أو يأفل نجمه.

هزيمة صغيرة آنية.. وانتصارٌ كبير مؤجَّل:

نعم.. لقد فرحت قريش بانتصارها المؤقت العاجل. ولكن ما الذي جعلها بعد مدَّة تطلب إسقاط بعض الشروط؟

جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول سورة الفتح، فسأله عن حقيقة الصلح مع قريش فقال: «أفتحٌ هو؟» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم والذي نفسي بيده! إنه لفتح»[8]. فما هو الفتح في هذا الصلح؟ وما هي المكاسب التي ترتبت عليه؟

لقد كان الصلح في حد ذاته اعترافًا من قريش بهذه الدولة الفتية، حيث الندية في الزعامات. لقد كانت قريش تحقِّر أمر المسلمين وتهوِّن منه، وها هي اليوم تعقد صلحًا بإمضاء طرفين؛ أحدهما محمد بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم. وبذلك أصبح للمسلمين دولة وقوة معترف بها، مما جعلها في مرمى تحالف القبائل العربية، كما أصبحت هذه القبائل في حل من التحيز إلى معسكر واحد وأمامها أكثر من خيار في التحالف مع من تشاء. قال الزهري: «فتواثبت خزاعة فقالت: نحن في عقد محمد وعهده»[9]، حيث كانت قبل ذلك في حرج من هذا التحالف[10].

ولقد كان الصلح مدخلًا مهمًا للانفتاح الدعوي، يقول الزهري: «فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة، ووضع الحرب، وآمن الناس بعضهم بعضًا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلَّم أحدٌ بالإسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر»[11]. لقد كان هذا الصلح فرصة للحوار وإبداء الرأي والالتقاء الآمن، وفرصة للتأمل العميق واتخاذ القرارات اللازمة بلا خوف من مفاسد دموية.

وتوسع الأمر، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رسله إلى القبائل والدول للدعوة إلى الله، كما بعث السرايا الميمونة لتأديب الأعراب وفرض سمعة الدولة الإسلامية في الآفاق. ثم توَّج ذلك بفتح خيبر الذي سماه الله تعالى: {فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18][12]، فكان فيه تأديب اليهود والقضاء على فتنتهم، كما يعتبر نقطة تحول اقتصادي إيجابية في مسيرة الدولة الإسلامية.

ومن المكاسب المترتبة على صلح الحديبية ظهور جماعة جهادية جديدة لا يقع عليها عبء الالتزام بمتطلبات الانتماء للدولة الإسلامية، وبالتالي فإنه بإمكانها إنهاك البقية الباقية من قوة قريش واقتصادها. لقد كانت حركة (أبي بصير) مُذِلَّة لأنف قريش إلى حالٍ جعلها تتوسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ يسقط شرطًا من شروط الصلح وطلبت منه إيواء هذه الجماعة الجديدة[13].

ولقد صدق ابن القيم رحمه الله حين قال عن هذه الهدنة: «كانت مقدمةً بين يدي الفتح الأعظم الذي أعزَّ الله به رسوله صلى الله عليه وسلم وجنده، ودخل الناس به في دين الله أفواجًا، فكانت هذه الهدنة بابًا له ومفتاحًا ومؤذنًا بين يديه»[14].

الفوز العظيم:

لقد تعرضت سورة الفتح للعديد من الحكم الإلهية في هذه الغزوة، كما بشرت المسلمين بالفتح القريب والفتح الأكبر، أمَّا أعظم المكاسب المترتبة على صلح الحديبية فهو ما عبرت عنه هذه الآية العظيمة: {لِيُدْخِلَ الْـمُؤْمِنِينَ وَالْـمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا} [الفتح: ٥]، وكذلك ما عبرت عنه هذه الآية العظيمة: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْـمُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18]، فلله ما أهنأ أهل الحديبية بهذه الأعطيات الربانية!

أيُّ مكاسب دعوية أو جهادية توازي هذا المكسب العظيم؟ ألا يكفيك أنَّ الله تعالى من فوق سابع سماء يسميه فوزًا عظيمًا؟ هل هناك فوز أفضل وأجمل وأكمل منه؟!

في خضم التحليل السياسي حول الانتصارات والمكاسب والخسائر والمخاطر، وبينما الناس يدوكون لياليهم في الاستشراف والتنبؤ... يلفت القرآن الكريم انتباه المؤمنين وهم ينشرون دعوة الله تعالى ويقيمون المؤسسات لخدمة الدين ويجاهدون في سبيل الله تعالى عدوَّه من الكافرين..يلفت انتباههم إلى أنَّ أعظم مكسب ينبغي أن يسعوا إليه في كل هذه الأعمال هو رضوان الله ودخول الجنة وتكفير السيئات الموجبة للنار.

كل تلك الخطوات في سبيل الله، وكل تلك الدماء التي أهريقت في الدفاع عن دين الله، وكل ذلك النصب والوصب.. كل ذلك لن يضيع عند الله تعالى، ولو حصلت الهزيمة في أرض المعركة، ولو سقطت الفئام من الشهداء والقتلى، ولو أخفقت المؤسسات الدعوية في أهدافها، ولو فشلت الحركات الدعوية في طريقها.. لن يضيع ذلك عند الله، وسيحقق الله موعوده العظيم بإدخال هؤلاء الجنة وتكفير سيئاتهم.

والتربية القرآنية لا تُغفل خلجات النفوس في أحلك المواقف والأحداث، فلما بلغ بالصحابة الغمُّ والكدر مبلغه بهذا الصلح لما فيه من خسائر يرونها رأي العين لفت القرآن عنايتهم إلى الفوز العظيم! هنا سكنت المشاعر وخشعت النفوس واطمأنت القلوب بهذا العطف الرباني، وعندها.. فكل ما فات من المكاسب يهون، «ولما كان الله يعلم من قلوب المؤمنين يومئذ، أن ما جاش فيها جاش عن الإيمان، والحمية الإيمانية لا لأنفسهم، ولا لجاهلية فيهم. فقد تفضل عليهم بهذه السكينة ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم»[15].

وكأنَّ أحدهم يقول: لئن خسرنا زيارة البيت الحرام فلن نخسر الفوز العظيم، وكأنَّ آخر يقول: لئن خسرنا هيبة الجيش الإسلامي فلن نخسر دخول الجنة، وكأن ثالثًا يقول: لئن سامت قريش أبناءها المسلمين حديثًا سوء العذاب ولا يستطيعون الهجرة بسببنا فلن نخسر وعد الله بتكفير السيئات؛ هنا يطرأ التغيير على أطراف المعادلة، ويدخل عنصر اليوم الآخر كأحد المعطيات الخاصة بالمؤمنين في تقييماتهم للأعمال والمشروعات والحركات، قال العلامة السعدي رحمه الله: «يخبر تعالى عن منته على المؤمنين بإنزال السكينة في قلوبهم، وهي السكون والطمأنينة، والثبات عند نزول المحن المقلقة، والأمور الصعبة، التي  تشوش القلوب، وتزعج الألباب، وتضعف النفوس؛ فمن نعمة الله على عبده في هذه الحال أن يثبته ويربط على قلبه، وينزل عليه السكينة، ليتلقى هذه المشقات بقلب ثابت ونفس مطمئنة، فيستعدَّ بذلك لإقامة أمر الله في هذه الحال، فيزداد بذلك إيمانه، ويتم إيقانه. فالصحابة رضي الله عنهم لما جرى ما جرى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين من تلك الشروط التي ظاهرها أنها غضاضة عليهم وحط من أقدارهم، وتلك لا تكاد تصبر عليها النفوس، فلما صبروا عليها ووطنوا أنفسهم لها، ازدادوا بذلك إيمانًا مع إيمانهم. وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [الفتح: ٧] أي: جميعها في ملكه، وتحت تدبيره وقهره، فلا يظن المشركون أن الله لا ينصر دينه ونبيه، ولكنه تعالى عليم حكيم، فتقتضي حكمته المداولة بين الناس في الأيام، وتأخير نصر المؤمنين إلى وقت آخر: {لِيُدْخِلَ الْـمُؤْمِنِينَ وَالْـمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ}، فهذا أعظم ما يحصل للمؤمنين أن يحصل لهم المرغوب المطلوب بدخول الجنات، ويزيل عنهم المحذور بتكفير السيئات؛ وكان ذلك الجزاء المذكور للمؤمنين {وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا} [الفتح: ٥] فهذا ما يفعل بالمؤمنين في ذلك الفتح المبين»[16].

لله الحكمة البالغة، وله الأمر من قبل ومن بعد.. يحدُثُ أنْ يُدال على أهل الدعوة الإسلامية، لا بسبب تقصير من أهلها وإنما بتقدير الله تعالى وتدبيره، ليبتلي قلوب أهل الدعوة وليمتحن صبرها، فإذا ثبتت القلوب وصبرت ورضيت بما قدَّره الله تعالى كافأها الله بأحسن الجوائز وأعظمها: الجنة ورضوان الله، وهذه الجائزة هي التي كان أهل الدعوة يتسابقون إليها ويغذون إليها الخطى، ولهي أحسن وأعظم من أي انتصار أو تمكين في الأرض، فليستبشر المؤمنون.

الخسائر الدعوية بين الكفاءة والتفريط:

ليس عيبًا أن نقول: لم تحقق خطة الرسول صلى الله عليه وسلم في مسيره إلى مكة أهدافها المرسومة سلفًا، كما يجب أنْ نتذكر أن الله سبحانه وتعالى أراد قدرًا معيَّنًا وساق الناس إليه، لا أدلَّ على ذلك من بروك القصواء وفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى هذا البروك ومغزاه، ولذلك انتقل من فكرة الإصرار على أداء العمرة إلى استثمار إصرار قريش على منعهم، وهذا ما يسمى بـ«تغيير الأهداف» حيث تحولت غزوة الحديبية من هزيمة إعلامية ونفسية إلى نصر دعوي كبير، وهو موضوع مستقل لسنا بصدده الآن، ورسول الله صلى الله عليه وسلم غني عن القول بقدرته الهائلة في انتزاع الفرص من رحم الإشكالات والتحديات.

لكن دعونا نتأمل مسألة مهمة: هل كان الإهمال سببًا في ذلك الإخفاق؟ هل كانت كفاءة الجيش الإسلامي وقيادته متدنية لتحل بها هذه الإشكالات؟

قبل أن نسبر تفاصيل غزوة الحديبية يجدر بنا أن نتعرف على مفهوم الكفاءة في المصطلح الإداري:

الكفاءة هي أن تقوم بتنفيذ الإجراءات والخطوات الموصلة للهدف بطريقة صحيحة. فهي إذنْ أن تعمل الشيء بشكل صحيح، وبمجرد أن تسير على خطى مدروسة وبشكل منتظم نحو الهدف فهذا يعني أنك تعمل بكفاءة.

وللإجابة على التساؤل السابق يحسن بنا سبر تفاصيل الغزوة، وسبر الخطوات التي قام بها جيش المسلمين لتحقيق الهدف وهو أداء العمرة وما يتبعه من انتصار سياسي وإعلامي.

ففي بادئ الأمر دعا النبي صلى الله عليه وسلم سائر الناس للمسير (أهل المدينة والأعراب) ليصنع بذلك جحفلًا تتحدث عنه القبائل العربية، ثم إن الجيش أحرم بالعمرة من ذي الحليفة وهي قرية قريبة من المدينة بعيدة عن مكة، حيث ترتسم الصورة الإعلامية لهذا الجيش المسالم، ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبر عزم قريش على صدِّه عن البيت الحرام أرسل من يفاوضهم وقد بلغ جهده في محاولة إقناعهم، وحين بلغه أن طليعة الفرسان في طريقه قرب مكة غيَّر طريقه حتى لا يواجههم بالسلاح فنزل الحديبية برغم أنها ليست على طريقه، وحين أشيع مقتل عثمان بايع الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدم الفرار وعلى الموت في سبيل الله، وحين أراد بعض المشركين استفزاز الجيش الإسلامي وجره إلى القتال كان حس المسؤولية لدى الأفراد كما هو لدى القيادة: عاليًا، ولم ينجروا إلى شيء من ذلك.

في الحقيقة لم تكن في الحديبية أخطاء إجرائية تسببت في هذا الإخفاق (ظاهرًا) كما حصل في غزوة أحد، ففي غزوة أحد حدثت مجموعة من الأخطاء منها إكراه الشباب للنبي صلى الله عليه وسلم  على القتال خارج المدينة، ومنها انسحاب ثلث الجيش من المنافقين ومرضى القلوب، ومنها نزول الرماة من الجبل.. على أية حال كانت الإجراءات في غزوة الحديبية في غاية الكفاءة، وهي غزوة متأخرة استفاد الجيش الإسلامي فيها من خبرته الماضية في الغزوات الأولى.

إذن، نستطيع القول إن هذا الإخفاق (ظاهرًا) لم يكن سببه الإهمال ولا الأخطاء، وإنما هو قدَرٌ محض أراد الله به خيرًا للمسلمين، بل وللكافرين، وقد فهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه النقطة حين بركت القصواء، وذلك بعد كل الإجراءات اللازمة، فغيَّر أهدافه وقال: «والذي نفسي بيده! لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها».

وإذا عدنا إلى غزوة أحد.. فإن القرآن الكريم نزل بتلك الآيات المعاتبة لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على مجموع الأخطاء التي وقعت منهم، وقرر أن هزيمتهم كانت بسبب الأخطاء، مع أنه بشرهم في الوقت نفسه بأن الله تعالى عفا عنهم، لكنه على أية حال أثبتها. أمَّا في غزوة الحديبية فقد رفع القرآن من شأن الصحابة الذين حضروا هذه الغزوة وبشرهم بالرضوان والفوز بالجنة والنجاة من النار، وأخبرهم أن ذلك الإخفاق الظاهري مفتاح لنجاح أعظم أراده الله تعالى وسماه فتحًا مبينًا، حتى أصبحت غزوة الحديبية تأتي في الفضل بعد أو قريب من غزوة بدر.

هذا التفصيل يصلح أن يكون إجابة على سؤال متكرر في هذا العصر: هل ما يصيب المؤسسات والحركات الإسلامية التربوية والدعوية والإغاثية والجهادية والسياسية من إخفاق هو محض قدر يريد الله به نجاحًا أعظم؟ أم أن ما يصيبها من إخفاق إنما هو نتيجة منطقية للأخطاء الحاصلة في مسيرة العمل أو صياغة الأهداف أو متابعة الأداء؟

والإجابة على هذا التساؤل تترتب عليها نتيجة مهمة: ففي الأول سيكون هناك نجاح أكبر وفوز أعظم وهو البشارة بتكفير السيئات ودخول الجنات ورضوان الله تعالى برحمته تعالى وفضله، أما في الثاني فأرجو ألا يفوت أهله عفو الله عنهم ومغفرته لهم إذا اعترفوا بذنوبهم وتابوا من أخطائهم.

متى تخسر الدعوات على الحقيقة؟

لعله من نافلة القول التذكير بأنَّ نجاح الأعمال والمشاريع الدعوية لا يعني بالضرورة صحتها وقبولها عند الله تعالى! فهناك عوامل أخرى غير النجاح الظاهري والإخفاق الظاهري ترفع من قيمتها عند الله تعالى أو تغض من قيمتها عنده، لاسيما أعمال القلوب التي يتلبس بها العاملون. ولذلك من غير اللائق تزكية الناجحين إيمانيًّا ولا التنقص من المخفقين، وإنما هو تقييم الأعمال لمن يهمهم الأمر وفق المعايير الموضوعية، وأخطر من هذا: الاستدلال بنجاح الأعمال والمشاريع على صدق قلوب العاملين وإخلاصهم! وأقلُّ ما يمكن قوله في هذه المسألة حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»[17].

وحين تعمل المؤسسات والحركات الإسلامية: التربوية والدعوية والإغاثية والجهادية والسياسية بكفاءة، وحين تطوِّر من أدائها وتواكب المتغيرات، وحين تتحمل المسؤولية وتعيش الهمَّ حقيقة لا ادعاء، وحين تؤهل منسوبيها وتستثمر طاقاتهم، وحين تحسِّن بيئة العمل وقنوات التواصل، ثم قبل ذلك كله تبتغي بعملها وجه الله والدار الآخرة... فإن الإخفاق في البلوغ إلى الأهداف وتكبُّد الهزيمة إنما يعني أنَّ قدرًا أجمل ينتظر هذه المؤسسات والحركات، وأنَّ عطاءً ربانيًّا أفضل من ذلك القدر بكثير سينال القائمين على هذه المؤسسات والحركات.. إنه الفوز العظيم برغم الإخفاق الظاهري، الفوز العظيم بتكفير السيئات الموجبة للنار ونيل الموعود العظيم في الجنة ورضا الله عنهم، ذلك أن الكفاءة في الأعمال في هذه المؤسسات والحركات إنما هي قربات يتقرب بها إلى الله تعالى.

في الجانب الآخر، وحين لا تعمل تلك المؤسسات والحركات بكفاءة، فلا هي تطور من أدائها ولا تواكب المتغيرات، أو هي لا تتحمل المسؤولية، أو هي لا تؤهل منسوبيها ولا تستثمر طاقات أفرادها، ثم هي مهملة في تحسين بيئة عملها مهملة في تحسين التواصل، ولربما خالط قلوب بعض القائمين قصد آخر غير وجه الله كما قال تعالى: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ} [آل عمران: 152]، فإن الإخفاق هنا نتيجة منطقية: {أَوَ لَـمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165]. وفي هذه الحال سيفوت الفوز العظيم، وأرجو ألا يفوت العفو والمغفرة: {إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْـجَمْعَانِ إنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155]. هذا عندما تصح المقاصد والمنطلقات والنوايا.

إن أعظم ما يمكن تحقيقه في حال الإخفاق هذه هو عفو الله ومغفرته لهذا التقصير، وفي كلا الأمرين: كرم الله حاضر دائم، للعاملين بكفاءة وللمقصرين، لكن الفوز العظيم لا يكون إلا للعاملين بكفاءة فقط، وإن التقصير لهو الخسارة الحقيقية.

اللهم وفقنا للإتقان الذي يؤهلنا للفوز العظيم.

 

:: مجلة البيان العدد  343 ربـيـع الأول 1437هـ، ديسمبر  2015م.


[1] البخاري 2/279 كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد ح2731.

[2] المصدر السابق.

[3] السيرة النبوية لابن هشام 3/347.

[4] البخاري 2/279 كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد ح2731.

[5] البخاري 3/292 كتاب تفسير القرآن، سورة الفتح  ح4833.

[6] البخاري 3/130 كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية  ح4172.

[7] البخاري 3/117 كتاب المغازي، باب غزوة الخندق  ح4109.

[8] أبو داود 3/76 كتاب الجهاد، باب فيمن أسهم له سهمًا ح2736، الحاكم 2/498 كتاب التفسير، تفسير سورة الفتح  ح3711.

[9] السيرة النبوية لابن هشام 3/347.

[10] انظر السيرة النبوية الصحيحة 2/450، دراسة في السيرة لعماد الدين خليل ص232.

[11] السيرة النبوية لابن هشام 3/351.

[12] تفسير البغوي 4/175.

[13] انظر السيرة النبوية الصحيحة 2/ 451.

[14] زاد المعاد 3/309.

[15] في ظلال القرآن 6/3318.

[16] تفسير السعدي 4/1667.

[17] الترمذي 4/558 كتاب الزهد ح2317.


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة