مـصـادر خـطـبـة الـجـمـعـة

Share
Share
مـصـادر خـطـبـة الـجـمـعـة
مـصـادر خـطـبـة الـجـمـعـة


كل خطاب يراد به نفع الناس فلا بد له من مصادر، وإلا أصبح الخطاب من عفو  الخاطر، وتحول إلى ما يشبه حديث المجالس. والخطيب على المنبر لا يعرض رأيه على الناس، ولا ينبغي له ذلك، وإنما يعرض عليهم ما توصل إليه من شرع الله تعالى في القضية التي يتناولها، ولا يتأتى له ذلك إلا بمصادر يراجعها، ويجمع مادة خطبته منها.

ومهما أوتي الإنسان من بلاغة وفصاحة وعلم فإنه محتاج لتحضير ما سيلقي على الناس، فإذا تثاقل عن تحضير خطبته وركن إلى فصاحته وعلمه نضب علمه مع الأيام، وكرر الموضوعات التي يتناولها لأنه يتقنها، أو خاض في موضوعات جديدة فلم يحسن الخوض فيها لخفاء كثير من نصوصها وآثارها ومادتها عليه. ويستوي في ذلك كونه يرتجل خطبته أم يكتبها، وقد رأيت كلا الصنفين في الخطباء، وكم من عالم فصيح لم يستعد لخطبته فقال بعض السامعين: ليته لم يخطب. وإذا كان الخطاب يتكرر كل أسبوع فإن الحاجة للمصادر تصبح قضية ملحة.

ومع استهانة كثير من الناس بخطبة الجمعة، وتقصير كثير من الخطباء في إعدادها، ورؤيتهم أنها تصلح بلا مراجع يرجع إليها، وربما بالغ بعضهم فرأى أنه لا حاجة في خطبة الجمعة إلى عنوان لها، لأنها تصلح من عفو الخاطر ولو لم يحدد موضوعها.. أقول: مع ذلك كله فإنني أظن أن خطبة الجمعة هي أكثر فن تتنوع فيه المصادر والمراجع لمن اعتنى بها، وذلك لأنها مرتكزة على ما يحتاجه الناس، وما يحتاجونه متنوع متعدد يأتي على الفنون كلها أو أكثرها، ويعالج واقع الناس على اختلافهم.

ومن مصادر الخطبة ما يلي:

 أولًا: القرآن الكريم وتفسيره:

سبق أن كتبت مقالتين قد تفيدان في هذا الجانب، هما: «استدلال الخطيب بالقرآن»، و«الخطبة بسورة أو بآيات أو بآية»، وفي التعامل مع القرآن وتفسيره أرى ما يلي:

1- جمع الآيات المتعلقة بالموضوع، وكثيرًا ما يتحسر الخطيب حين تفوته آيات في موضوعه، وربما تكون أقوى دلالة على الموضوع الذي يتناوله من الآيات التي أوردها، وقد وقع لي ذلك مرارًا.

 ولتلافي ذلك أو تقليله فإن على الخطيب أن يجتهد في جمع الآيات، ويستخدم في الوصول إليها المعجم المفهرس لألفاظ الآيات، ويتعلم كيفية البحث فيه، وهي سهلة، فإنه يعينه كثيرًا.

ويوجد أيضًا في الموسوعة الشاملة موضع خاص بالبحث في الآيات، فتجمع لك اللفظ المكتوب في كل الآيات، وكذلك المصحف المساعد، ومصحف المدينة، وغيرها من المصاحف الإلكترونية المخدومة.

 وربما يكون في الموضوع الذي يتناوله الخطيب آيات أخرى لا تتفق في اللفظ مع الآيات التي جمعها، وهذه الآيات لا يفيده المعجم المفهرس ولا محركات البحث في الموسوعة الشاملة وغيرها في البحث عنها، وحينئذ فلا بد من طرق أخرى كقوة الاستحضار، والانتباه والتدبر أثناء قراءة الورد اليومي فقد يقع على شيء من ذلك، ومما يعين على ذلك مراجعة تفاسير ابن كثير والشنقيطي وابن عاشور؛ فإنهم رحمهم الله تعالى يذكرون الآيات المتفقة في المعنى مع الآية المفسرة، وتفسير الشنقيطي وضع لذلك أصلًا؛ لأنه تفسير القرآن بالقرآن.

2- في مراجعة تفسير الآيات تختلف المراجعة باختلاف هدف الخطيب؛ فإن كانت الآية المراد تفسيرها سيقت للاستدلال فيكتفي بمعرفة كون الاستدلال صحيحًا، وهذا يكفيه فيه مرجع واحد من التفاسير أو مرجعان على الأكثر، وتكفي التفاسير المختصرة كتفسير السعدي، وأما إن كان مبنى الخطبة كلها على الآية فيحتاج إلى مراجعة تفسيرها في كل ما يمكنه من كتب التفسير؛ فإنه في الغالب يجد فوائد عند مفسر ينفرد بها عن بقية المفسرين، وبمراجعة كتب أكثر في التفسير تكثر الفوائد التي يسوقها.

وكتب التفسير على أنواع فمنها ما يعتني بإيراد الآثار كالطبري وابن أبي حاتم وابن كثير والسيوطي في الدر المنثور، ومنها ما يعتني باللغة والبلاغة كالزمخشري وأبي حيان وابن عاشور، ومنها ما يعتني بالأحكام كالجصاص وابن العربي والقرطبي، وبعض هذه التفاسير جامع، وفيه فوائد جمة لا يستغني الخطيب عن مراجعتها إن أراد ما يخدمه في خطبته إن تعلقت بسورة أو آية، كتفاسير الطبري والبغوي والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.

 ثانيًا: كتب السنة النبوية:

سبق أن كتبت ثلاث مقالات متعلقة بتعامل الخطيب مع السنة تراجع في هذه الجزئية؛ لئلا يكرر الكلام، وهي «استدلال الخطيب بالسنة» و«الخطبة بحديث من السنة» و«قصص السنة في خطبة الجمعة».

 ثالثًا: كتب الآثار:

وهي الآثار عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من سلف الأمة، ومظنتها الكتب المسندة في العقيدة والزهد والرقاق، ومصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة، وكتب ابن أبي الدنيا، وكتب التفسير، وكتب التراجم سواء كانت مسندة مثل: حلية الأولياء، وتاريخ بغداد، وتاريخ دمشق، أم غير مسندة، مثل: سير أعلام النبلاء، إضافة إلى كتب شروح الحديث خاصة المطولة؛ فإن من الشراح من ينقل الآثار كابن حجر والعيني والمناوي والقاري، وممن لهم عناية بالغة بالآثار، وكتبهم مليئة بها: ابن عبد البر وابن تيمية وابن رجب وابن القيم، وفي كتب ابن رجب آثار لا تكاد تجدها عند غيره مما يدل على عنايته بآثار السلف، وعلى موسوعيته في كتبها ومظانها. والوصول للأحاديث أسهل من الوصول للآثار؛ لأن كتب السنة خُدمت كثيــرًا؛ ولأن الأحاديث أكثر تداولًا على الألسن من الآثار. لكن يمكن الوصول للآثار عن طريق الكتب المصنفة على الأبواب والموضوعات، وأيضًا بمحركات البحث الآلي وسيأتي الكلام عليها.

 رابعًا: السيرة النبوية والتاريخ:

سواء كانت الخطبة كلها في حادثة من حوادث السيرة أو التاريخ، أو كان في الخطبة معلومة مأخوذة منهما. ومن المعلوم أن أحداث السيرة النبوية والأحداث التاريخية لا تعامل معاملة الأحاديث النبوية من جهة الثبوت، ولكن يشترط أن لا تكون الحادثة منكرة بمخالفتها نصًّا صحيحًا، ولا يكون فيها من الغرابة ما يشكك في صحتها.

 وينبغي للخطيب أن يكون عنده معرفة بالكتب المهمة في السيرة والتاريخ، ومن كتب السيرة ما فيه عناية بالصحيح، منها: السيرة النبوية الصحيحة لأكرم العمري، وصحيح السيرة النبوية للألباني، وآخر بنفس الاسم لإبراهيم العلي[1].

 خامسًا: كتب العقيدة:

وكتب العقيدة منها ما هو مسند كالشريعة للآجري، والسنة لللالكائي، والإبانة لابن بطة، ونحوها وهي كثيرة، ومنها ما هو مفرد في باب من أبواب العقيدة كخلق أفعال العباد للبخاري، والقدر للفريابي ونحوها، ومنها متون مثل الطحاوية والواسطية، وكتاب التوحيد ونحوها، ومنها شروح المتون وهي كثيرة ومنوعة.

 ومراجعة الخطيب لكتب العقيدة إما لأجل آثار يستخرجها من الكتب المسندة ليستدل بها على موضوعه، أو أن خطبته في موضوع عقدي كالقدر فالأولى أن يراجع الكتب التي صُنفت فيه ليأخذ منها الأحاديث والآثار والأقوال التي يبني بها خطبته. وإما أن تعرض له مسألة عقدية في خطبته فلا بد أن يتأكد من الصواب فيها بمراجعة كتب العقيدة المتخصصة.

 ويلاحظ أن بعض من حاولوا معالجة ظاهرتي الغلو والتكفير لم يتسلحوا بالعلم، ولم يراجعوا الكتب المتخصصة في ذلك فوقع بعضهم في الإرجاء من حيث لا يشعر، وبعضهم لم يفهم موانع التكفير ولوازمه. ومن المؤسف أن يكون مرجع بعضهم في خطبته عن هذا الموضوع المهم مقالة نشرت في صحيفة أو مجلة، قرأها الخطيب فأعجبته فجعلها صلب خطبته، وفيها ما فيها من الجهل والهوى!

 وإذا كانت المسألة التي يتناولها الخطيب من الدقائق أو مما فيه خلاف وهو محتاج لذكرها فلا بد أن يراجع كل ما أفرد فيها من مصنفات، وما كتب فيها من بحوث ومقالات، ويراجع أهل العلم فيها؛ ليفهمها قبل أن يقذفها على الناس فيضلهم.

سادسًا: كتب الفقه وبحوثه:

ويحتاج الخطيب إليها إذا كانت خطبته في موضوع فقهي كالعبادات والمعاملات ونحوها، أو كان في خطبته مسألة من المسائل الفقهية. وينبغي للخطيب أن يحذر في تعامله مع كتب الفقه مما يلي:

 1- أن يقلب الخطبة إلى درس فقهي، لأنه يتقن الفقه، فالخطبة شيء والدرس شيء آخر، والخلط بينهما غير حسن.

2- أن يعرض الخلاف في المسألة التي يتناولها ولا حاجة تدعو لذلك، فإن وجدت الحاجة لذلك بتداول الناس لتلك المسألة وانتشارها بينهم، وخوضهم فيها، فيشير إلى الخلاف فيها دون تفصيل، ويبين للناس ما يجب عليهم تجاه المسائل المختلف فيها. ومما يحضرني في ذلك أن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى لما أصدر فتواه الشهيرة بتحريم صوم السبت مطلقًا ولو وافق عرفة أو عاشوراء فخطب بفتواه بعض الخطباء بمناسبة عاشوراء ناهين عن صيامه لأنه يوافق السبت، فحصل عند الناس تشويش كبير، وهنا لا مفر من بيان أن هذا القول شاذ من جهة الفقه وبيان وجه شذوذه.

3- أن يعرض لغرائب المسائل الفقهية، فإن عرضها فيه إخراج للخطبة عن هدفها، وإزراء بالفقه وأهله وكتبه، وبيان ذلك: أن غرائب المسائل قليلة جدًّا بالنسبة لصواب الفقه المستند للأدلة الصحيحة، فإذا جمعت هذه الغرائب وجعلت هي الفقه زهد الناس في الفقه، وأيضًا فيه فتنة لعامة الناس، كما أنه قد يؤدي إلى غرور الخطيب بكونه يعرف غرائب المسائل والأقوال، فيحول المنبر من كونه وسيلة إصلاح للناس إلى مجرد دعاية له.

وكنت أعرف واعظًا يتعمد أن يأتي بغرائب المسائل والقصص والأقوال والآثار، وفي البداية بهر المستمعين له بهذه الغرائب، لكنه لما أكثر وتجاوز في عرض ما لا تقبله العقول السوية استهجن الناس حديثه وانتقدوه.

 سابعًا: كتب الرقاق والآداب:

وهي كثيرة، ومنها كتب الزهد وكتب الورع التي صنفت في ذلك، ومنها أبواب في كتب الحديث مثل كتاب الرقاق في صحيح البخاري، وفي صحيح مسلم، وغيرها من كتب الحديث والآثار. ومن كتب الآداب: الأدب المفرد للبخاري، والآداب للبيهقي، والآداب الشرعية لابن مفلح، وأدب الدنيا والدين للماوردي، وأيضًا أفرد المحدثون كتبًا للآداب في صحاحهم وسننهم.

 وهناك موسوعات جمعت جملة من الرقاق والآداب وما فيها من نصوص وآثار وأقوال العلماء والحكماء وغيرهم، مثل: بستان الخطيب، ونضرة النعيم، ودليل الموضوعات الإسلامية.

ثامنًا: كتب اللغة والغريب:

فمنها كتب اللغة المجردة التي تجمع مفردات كلام العرب كالقاموس وشرحه تاج العروس وهو أوسعها، وكاللسان والصحاح ومختاره وغيرها، ومنها ما يعالج أصل الكلمة واستخداماتها على جميع الأوجه المنطوقة بها مثل: مقاييس اللغة.

والخطيب يحتاج إلى كتب اللغة للتأكد من صحة المفردة التي استخدمها، أو صحة اشتقاقها، لأنه قد يشتق من كلمة صحيحة ما لا يُشتق منها، وأيضًا صحة المعنى الذي استخدمه الخطيب لها، فقد تكون الكلمة صحيحة المبنى لكن معناها عند أهل اللغة غير المعنى الذي أراده الخطيب.

 وأنبه إلى أمر مهم: وهو أن معاجم اللغة هي مستشار للكاتب والخطيب، ولا يصلح أن يركب الخطيب أو الكاتب مفرداته وجمله منها، وإلا لأغرب في مفرداته وتراكيبه، وربما أتى بوحشي اللغة الذي يقل استخدامه، يريد بذلك بلاغة خطبته وقوة مفرداتها، ولكنها لا تفيد الناس للإغراب فيها، وأيضًا تكون مشوهة، لأنه خلط بأسلوبه ومفرداته مفردات أخرى، فصارت خطبته مركبة من أساليب مختلفة.

 وأما كتب الغريب، وخاصة غريب الحديث والأثر، فمنها غريب الحديث للحربي ومثله الخطابي ومثله لابن الجوزي، وأشهرها وربما أوسعها النهاية لابن الأثير، وحاجة الخطيب إليها هي في ضبط الغريب في الحديث الذي أورده كي ينطقه على الصواب، وأيضًا في معرفة معناه، والأفضل إن مرَّ به غريب في حديث أورده أن يبينه للناس باختصار، ويضع ذلك بين معترضتين ليعلم أنه ليس من الحديث، ويصدره بـ«أي» ليعلم المستمع أنه يبين معنى الكلمة الغريبة في الحديث.

 تاسعًا: الأقوال:

سواء كانت أقوال الأئمة والعلماء أو أقوال غيرهم، بل حتى أقوال الكفار، وسواء كانت أقوال المتقدمين في العصر الجاهلي أو بعده، أو كانت أقوال المتأخرين، ومنها الحكم والأمثال، وقد قيل: الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها. وقد روي هذا القول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرفوعًا ولا يصح رفعه[2].

وفي ترتيب أقوال الأئمة والعلماء أرى أنه يبدأ بمقولة الأقدم زمنًا؛ لأنه كلما اقترب العلماء من زمن الوحي اكتست أقوالهم بنوره أكثر ممن هم بعدهم، ولا يخل بذلك إلا لمعنى يرجح تقديم قول المتأخر كأن يكون قول المتأخر ألصق بقضيته التي ساق قوله لأجلها، أو أقوى في الدلالة عليها أو نحو ذلك.

 ونقل الخطيب لأقوال الكفار والفساق يكون لغرضين:

 الأول: الاستشهاد بها على إحقاق الحق، وصحة الحكم، كأقوال بعض المنصفين من المستشرقين أو المؤرخين الكفار الذين امتدحوا الإسلام، وأثبتوا رحمة المسلمين في حروبهم بسبب تعاليم دينهم، ووصايا نبيهم صلى الله عليه وسلم. ومثله أقوال النساء الغربيات في عمل المرأة المنزلي وفوائده، وأقوالهن في الاختلاط وآثاره السيئة.

الثاني: الاستشهاد بها على نقض الباطل، كنقض الإلحاد ونظريات دارون أو فرويد أو نيتشه في نشأة الإنسان، والانتخاب الطبيعي، والبقاء للأصلح، فإن ثمة دراسات غربية جادة نقضت هذه النظريات وأثبتت بطلانها.والاستشهاد بها هو من مقولة: الحق ما شهد به الأعداء أو المخالفون، وأيضًا فإن بعض المصلين فيهم انبهار ببحوث الغربيين ومقولاتهم، وفيهم ضعف في التسليم بالنصوص، وأيضًا فإن محاصرة الشبهة وإبطالها بالنص والعقل وقول الخصم أبلغ في الحجة، وأقطع لدابر الشبهة.

وينبغي أن لا يستغني بأقوال الغربيين في مدح شيء من الإسلام، أو في رد الطعون عليه وعلى أحكامه عن النصوص لأن النص هو الأصل، وإنما ذكر أقوال المفكرين والباحثين للاستئناس بها لا للاعتماد عليها، ولكي يعود الناس على تعظيم النص وتقديمه في الاستدلال على غيره فإن تعظيم النصوص من تعظيم الله تعالى.

 وأرى أنه ينبه حال استشهاده بمقولات الكفار إلى أن ذكرها هو من باب الاستئناس بها، ولإقناع بعض من عندهم شبهات تجاه بعض الأحكام، ومن في قلوبهم مرض يحول بينهم وبين التسليم الكامل للنص، وإلا فإن شريعة الله تعالى ليست محتاجة إلى كافر يذب عنها، أو مادح يمدحها؛ فإيراد مقولات الكفار هو لأجل بعض الناس لا لأجل الشريعة، وفرق كبير بين الأمرين. وتربية الناس على ذلك تقيهم من تتبع أقوال الكفار في دينهم مدحًا أو قدحًا كما يفعله بعض المنهزمين أمام الحضارة الغربية، كما تقيهم من الانجراف خلف الشبهات في حال أنه لم يوجد من يفندها ويرد عليها بالعقل أو بدراسات الغربيين، فيكفي المؤمن إيمانه بالنص الصحيح الصريح في ذلكم الحكم.

 عاشرًا: المجلات والصحف:

وهي أنواع كثيرة بحسب اهتمامها، وبحسب توجه القائمين عليها، فمنها مجلات جامعة، ومنها متخصصة في مجال معين كالسياسة أو الفكر أو الاقتصاد أو الدعوة، ومنها نسائية، وشبابية. ومنها مجلات قوية، وكثير منها ضعيف، لكن الضعيف منها ينشر أحيانًا مقالات أو حوارات أو تحقيقات أو ملفات مميزة وقوية.

 ومشكلة الصحف والمجلات أن موادها وقتية ثم تختفي في أدراج التاريخ، وتختفي معها مواد ممتازة جدًّا، ولو أراد أحد الرجوع إليها مرة أخرى لا يجدها إلا بصعوبة؛ لأنه لا فهرس لمواد الصحف والمجلات، وعمدت بعض المجلات لوضع كشافات بعد أعداد معينة، ولكن لما جاءت محركات البحث أزالت كثيرًا من هذه الإشكالات، فالمجلات التي عمل لها برامج صار الوصول للمعلومة أو للمقال فيها عن طريق محرك البحث سهلًا جدًّا، لكن تبقى المشكلة أن المجلات التي أدخلت موادها في البرامج الحاسوبية قليلة جدًّا.

ويا ليت أن القسم الثقافي في جامعة الدول العربية أو مجلس التعاون الخليجي أو مؤتمر القمة الإسلامي يتبنى مشروعًا ضخمًا بإدخال جميع المجلات العربية القديمة والحديثة في برنامج حاسوبي مخدوم بمحركات بحث؛ وذلك لحفظ موادها من الضياع؛ وتيسيرًا على الباحثين في الوصول إليها والإفادة منها. ولاسيما أن بعض المجلات في حكم النادر، وبعضها محفوظ على «ميكروفيلم»، والوصول إليها عسير، وأعسر منه الوصول للمعلومة فيها، وفيها مقالات متينة، ودراسات مكينة، لا يفيد منها إلا من يعرفها وهم نوادر.

والمجلات في توجهها على نوعين: مجلات توجهها إسلامي، ومجلات توجهها علماني.

 واستفادة الخطيب من المجلات إما من أساليب الكتاب ومحاكاتهم، فإن بعض المجلات تكتب فيها أقلام عالية، وإما من المعلومات والأفكار التي تحتويها.

 وأما المجلات المنحرفة أو المحاربة للإسلام فيستفاد من بعض الحق الذي يكون فيها كتحقيقات وإحصائيات تشهد لما جاءت به الشريعة، أو الاستشهاد بها لإثبات الحرب على الإسلام وشعائره.

وينبغي للخطيب أن يوثق المعلومة التي نقلها ولو كانت من مجلة، خاصة إن كانت مقولة منسوبة لأحد، وذلك ما تقتضيه الأمانة العلمية، ولأنه قد يحتاج إلى توثيق هذا المنقول مرة أخرى فينسى من أين نقله، لاسيما مع طول العهد بالخطبة؛ ولأنه قد ينكر بعض الناس نسبة هذا القول لصاحبه فيعطيه الخطيب مصدره، ويكون التوثيق في حاشية الخطبة.

 وقد كان بعض العلمانيين ينكر على الدعاة نقلهم من بعض الصحف المحاربة للإسلام وشعائره، ويسخرون منهم؛ إذ كيف يصنفون هذه الصحف أنها معادية للإسلام ثم ينقلون منها، وهو انتقاد أصحابه أوهى منه لأن النقل من وسائل الإعلام المنحرفة:

1- إما أن يكون في إحقاق حق وإبطال باطل، وهذا أقوى في الحجة، ومهما حاول أهل الباطل كتم الحق فلا بد أن يفلت منهم شيء يدل عليه، كما أفلت من اليهود حكم الرجم في التوراة وقد حاولوا إخفاءه. وثمة حقائق لا تستطيع الوسائل الإعلامية المنحرفة كتمها ولو كانوا يكرهون نشرها، وذلك بسبب السبق الإعلامي، ولأن وسائل أخرى ستنشرها.

2- وإما أن يكون النقل عنها لبيان انحرافها ومحادتها لله تعالى وأحكامه، وهذا النقل هو لفضحها عند المتلقين عنها، وكشف ما يخفى عليهم من حقيقتها.

 الحادي عشر: الإحصائيات:

 فبعض الخطباء يوردها وخاصة في الموضوعات التي هي محل تجاذب بين طرفين؛ لإقناع الرأي العام بصواب قوله، وكثيرًا ما يشير الخطباء إلى الإحصائيات في عرض أضرار الخمور والمخدرات والاختلاط ونحوها من الموضوعات.

 والذي أراه في الإحصائيات أن يكتفي الخطيب بالإشارة إليها عن التفصيل فيها في صلب الخطبة لأنه لا يجمل بالخطيب أن يحول خطبته إلى أرقام. ويمكن أن يفصل في حاشية خطبته إن كان ممن يكتب خطبته ليستفيد منها من يطلع عليها. ولا بد أن يتوخى الدقة في عرض الإحصائيات، فكثيرًا ما تكون الإحصائيات غير دقيقة في الأمر الذي أجريت لأجله، وأحيانًا تكون معاكسة تمامًا له، كما لو كانت العينة التي أجري عليها الإحصاء قليلة جدًّا، أو كانت على فئة موجهة يتفق رأيها في القضية المثارة، وهذا يعرفه المتخصصون في استطلاعات الرأي، فالحذر في التعامل مع الإحصائيات واجب على الخطيب لئلا يبني عليها نتائج فتكون خطأ فيفقد مصداقيته عند الناس.

 الثاني عشر: الموسوعات الإلكترونية:

 وهي بدأت ضعيفة ثم تطورت وقويت، وأشهر الموسوعات - فيما أعلم - وأكثرها استخدامًا: «الموسوعة الشاملة»، وهي مجانية - كتب الله تعالى أجر القائمين عليها - والإضافة عليها وتحديثاتها مستمرة، وفيها خدمات جليلة للباحثين، وأتمنى لو ينبري متخصص ليكتب عن الموسوعات الإلكترونية منذ بدايتها؛ لأن فيه حفظًا لتاريخها، وعرضًا لخطوات تطورها، وليعلم الباحثون قدر نعمة الله تعالى عليهم بهذه الوسيلة التي قربت العلوم والمعارف. وأيضًا أتمنى من القائمين على المكتبة الشاملة أن يكتبوا مقالة عنها تبين كيفية الاستفادة منها لأن كتابتي فيها مهما بلغت ستكون ناقصة فأنا غير محيط بكل خدماتها، بل لا أعرف منها إلا القليل مع أنها هي الأصل عندي في كل بحث. وأظن أن ثمة موسوعات في الشبكة العالمية كموسوعة الدرر السنية وغيرها. وهذا فتح من الله تعالى للباحثين والخطباء، إذ يصلون إلى المعلومات بأيسر الطرق وأسرعها.

 الثالث عشر: الشبكة العالمية (الإنترنت):

 فهي مملوءة بالكتب والأبحاث والدراسات والمقالات، ومحركات البحث فيها مذهلة جدًّا، حتى لا تكاد تخفى معلومة على من يستخدمها. وبعض الخطباء قد يُعد كامل خطبته مما ينتقيه منها، لكن يجب التثبت في ذلك فالشبكة العالمية ينشر فيها كل شيء، فإن كان الخطيب يجمع مادة خطبته من مواقع معروفة وموثوقة للمشايخ المعروفين فبها، وإلا وجب أن يتثبت من كل حديث ينقله أو أثر أو قول منسوب لأحد، أو معلومة مذكورة، وخاصة ما ينشر في المنتديات؛ لأنها لا تخضع لمعايير التوثيق، وقد يشارك فيها من هو جاهل أو يكتب من حفظه فيغلط.

 الرابع عشر: خطب الآخرين:

سواء كانت مطبوعة في كتب، أو كانت منشورة في الشبكة العالمية (الإنترنت) وهذا كثير بحمد الله تعالى. ويمكن حصر تعامل الخطيب مع خطب الآخرين فيما يلي:

1- الإعراض عنها جملة وتفصيلاً، والاكتفاء بما يعده هو من خطب، وهذا النوع من الخطباء سيكون عنده حصيلة كبيرة من الخطب هي من صنعه وإعداده، ولابد أن يكون قادرًا على الاستغناء عن خطب غيره بما فتح الله تعالى عليه في باب الخطابة، وبإلمامه بالعلوم والمعارف الخادمة للخطبة.

2- أن يستفيد منها دون أن يأخذ منها شيئًا، فيستفيد من فكرة الموضوع وعناصره، ويؤسس عليها خطبة من عند نفسه، وقد يوافق من أخذ منه فكرة الموضوع في بعض النصوص وقد لا يوافقه في شيء منها لغزارة النصوص في الموضوع المشترك بينهما.

3- أن يأخذ من خطبته، والخطباء في ذلك على أنواع:

 من يأخذها كاملة فلا يضيف إليها شيئًا، وقد يحذف منها للاختصار أو لمعنى آخر، وهذا ينبغي له التأكد من أن المحذوف لا يؤثر في فهم ما بعده، فمن الخطباء من تكون خطبته مبني بعضها على بعض بحيث لو حذف منها شيء اختل المعنى.

ومنهم من يعدل عليها بالإضافة والحذف، وهذا ينبغي له محاكاة أسلوب الخطيب الذي أخذ عنه بحيث يكون ما أضافه مثل أسلوبه أو قريبًا منه لتكون بنية الخطبة واحدة.

 ومنهم من يأخذ عددًا من الخطب في موضوع واحد لخطباء عدة فيؤلف منها خطبة واحدة عن طريق القص واللصق، ويظن أنه يأخذ أجود ما عند كل خطيب، لكنه بهذا الفعل يؤلف خطبة مشوهة، ينتقل فيها من أسلوب إلى آخر، والأفضل من طريقته تلك أن يستوعب ما اختاره من كل خطيب من أفكار ثم يصوغ الخطبة كلها بأسلوبه هو، فيستفيد من أفكار الخطباء، ويكون أسلوب الخطبة واحدًا.

 

:: مجلة البيان العدد  343 ربـيـع الأول 1437هـ، ديسمبر  2015م.


[1] أشير هنا إلى بحث لطيف منشور في الشبكة العالمية يمكن أن يفيد في كتب السيرة، عنوانه: «جهود علماء المسلمين في تمييز صحيح السيرة النبوية من ضعيفها» للدكتور: عبدالكريم عكيوي.    

[2] رواه الترمذي وضعفه (2687).


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة