المشهد الإعلامي في العراق.. الواقع والآفاق

Share
Share
المشهد الإعلامي في العراق.. الواقع والآفاق
المشهد الإعلامي في العراق.. الواقع والآفاق


يشكل الإعلام الضلع الثالث في ميزان القوى التي تحكم المجتمعات، وهي: السياسة والاقتصاد والإعلام. وكانت الانقلابات العسكرية تقوم على دبابتين إحداهما عند القصر الملكي أو الجمهوري والأخرى عند بوابة الإذاعة والتلفزيون. ويقول أحد السياسيين عن فرض نظام ما: لو خيرت بين حكومة بلا إعلام أو إعلام بلا حكومة لاخترت الثاني. ولذا حينما دخلت قوات الاحتلال الأمريكي بغداد حلت وزارة الدفاع ووزارة الإعلام، ويوم أن تريث الكيان الصهيوني في مشروعه الاستيطاني الكبير من البحر إلى النهر فإنه نجح في احتلال هذه المساحة عن طريق مثلث النفوذ «السياسة والاقتصاد والإعلام».

الإعلام العراقي قبل الاحتلال عام 2003:

بعد تسلم حزب البعث العربي الاشتراكي مقاليد السلطة في العراق في يوليو 1968م أصدر مجلس قيادة الثورة قانون المطبوعات المرقم (206) لسنة 1968م، الذي نظم عمل الإعلام ووسائل النشر بصورة عامة وفقًا لرؤية الحزب الحاكم، وأنيطت مهمة الإشراف على وسائل الإعلام والنشر إلى مكتب الثقافة والإعلام في القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي، الذي تولى مهمة توجيه السياسة الإعلامية في العراق وتحديد ملامحها.

وخضعت وسائل الإعلام والنشر في العراق لتوجيهات مجلس قيادة الثورة الممثلة لفكر الحزب الحاكم وتوجهات قادته، فقد تحددت ملامح الإعلام العراقي في تلك المدة بأنها كانت تنسجم مع طروحات حزب البعث العربي الاشتراكي، وكان من سمات الإعلام العراقي في تلك المدة أنه استمد عمله ورسمت خطط وفقًا لتوجهات النظام السياسي الحاكم المتمثل في فكر حزب البعث العربي الاشتراكي.

وكانت حكومة حزب البعث العربي الاشتراكي، قد أولت الإعلام أهمية كبيرة وطورت وسائله ومؤسساته، وأخضعته لنظام الحزب الواحد، وكانت وزارة الثقافة والإعلام تنظم عمل مؤسسات الإعلام الحكومية.

ويمكن تحديد سمات الإعلام العراقي في تلك الحقبة بالآتي:

 إعلام مركزي وموجه يعكس وجهة نظر الدولة وموقفها (جهاز إعلامي).

إعلام محدود (عدة صحف وثلاث قنوات محلية وفضائية واحدة وإذاعتان).

إعلام مقيد بالترخيص الحكومي.

منضبط بالقيم الاجتماعية التي تتبناها الدولة.

مهني، غير مبدع لتضييق مساحة دائرة الحرية.

ذو هوية وطنية وقومية.

ممول من قبل الدولة (ملكية الدولة).

مستهدف من قبل قانون الدولة وأجهزتها.

الإعلام العراقي بعد الاحتلال عام 2003:

شهد الإعلام العراقي بعد الاحتلال انعطافًا كبيرًا في مساره من حيث الكم والنوع تجلت في انتشار القنوات الفضائية (أكثر من 50 قناة فضائية)، مختلفة المناشئ والاتجاهات والبث والتمويل والإدارة، وهذا الرقم قابل للزيادة، وأكثر من 270 صحيفة ومجلة وعشرات المحطات الإذاعية.

وأصدرت قوات الاحتلال جملة قوانين وأوامر تتعلق بالإعلام في العراق، وهي كما يأتي:

القانون رقم (14) لسنة 2003م، المتضمن قرار حل وزارة الثقافة والإعلام في 23 أبريل 2003م، وإيقاف إصدار الصحف والمجلات ووسائل الإعلام التي كانت تصدر في مدة حكم النظام السابق، وحدد ضوابط عامة للصحافة الصادرة بعد سقوط النظام السابق للاحتلال، حيث جاء فيه: «منع وسائل الإعلام من بث أو نشر أية مادة تحرض على العنف أو الإخلال بالنظام أو تدعو لإثارة الشغب وتضر بالممتلكات»، وأعطى هذا القانون الصلاحية لحكومة الاحتلال بمعاقبة وسائل الإعلام التي تحرض على العنف أو تعمل على إشاعة البلبلة وإذكاء الفتن، وإمكانية تفتيشها ومصادرة معداتها وتعطيلها، وتحت هذا العنوان العريض سمحت قوات الاحتلال لنفسها بمراقبة الصحف ومداهمة مقراتها وتفتيشها وإغلاقها، وفرض الغرامات المالية على أصحابها أو سجنهم.

القرار المرقم (6) في يونيو 2003م، الذي نص على تأسيس شبكة الإعلام العراقية بوصفها هيئة مستقلة للإعلام تحل محل وزارة الإعلام المنحلة، والتي كانت تمتلك في بداية تأسيسها محطة تلفزيونية، ومحطتين إذاعيتين (AM-FM) وجريدتين هما: سومر، والصباح.

التكليف الصادر في يوليو 2003م إلى «سايمون هالسوك» المتحدث الرسمي والمشرف على سلطات الأمم المتحدة في كوسوفو، بالإشراف على شبكة الإعلام العراقية، وتنظيم الأنشطة الإعلامية في العراق.

وتمثل هذه الحزمة المرتكزات الأساسية التي اعتمدت في تنظيم عمل الإعلام الرسمي الصادر عن حكومة الاحتلال ومن ثم حكومة العراق الملتزمة باتفاقيات مع الاحتلال والأمم المتحدة.

ويمكن رسم سمات الإعلام في العراق بعد 2003م بالآتي:

1. إعلام حر فوضوي ومكرس للاستجابة للهياج السياسي والطائفي، وتميز بتنوع سلبي اتجه إلى مسارات تخدم الأحزاب وتلتقي بأجندتها السياسية.

وعلى سبيل المثال فإن المتتبع للقنوات الفضائية المنتشرة يلاحظ هيمنة القنوات الدينية المسيسة، ولا تكمن خطورة هذه القنوات في كمها وإنما فيما تطرحه في بثها من قضايا وأفكار، وما تنشره من أحداث وتحليل، والذي يشكل تهديدًا للمجتمع العراقي وللأمتين العربية والإسلامية من جميع المناحي العقائدية والفكرية والسياسية والاجتماعية والأخلاقية، وقد ظهرت آثارها في حملات الإبادة لأهل السنة ومعالمهم في العراق.

2. متحرر من كل القيود إلا ما يتعارض مع توجيهات قوات الاحتلال وحكوماته، وغير منضبط على مستويي الكم والنوع (270 صحيفة، 47 قناة مرخصة، 110 إذاعات FM و11 إذاعة AM)، والترخيص الحكومي يكون لمكاتبه (يوجد 25 مكتبًا مرخصًا بحسب تصريح هيئة الإعلام والاتصالات).

3. متعدد مصادر التمويل (ملكية خاصة)، وهو بذلك مقيد بقيم مموله والأجندة التي يتبناها، وبعضها بلا قيم.

تشير الدراسات الإعلامية إلى أن من أخطر نتائج إخضاع وسائل الإعلام لسلطة سياسية فردية أو لمركز مالي مؤثر عدم حيادية تلك الوسائل، وبالتالي تطرفها في التعبئة السلبية والكراهية وشحذ الرأي لاتخاذ موقف على غير أسسه الحقيقية وبذلك يتحول فساد الوسيلة إلى فساد المجتمع.

وشهدت الساحة العراقية جدلًا كبيرًا حول مصدر تمويل الفضائيات المملوكة لشخصيات وأحزاب سياسية، إذ تفوق ميزانية الفضائية القدرة المالية لهذه الشخصيات أو الأحزاب، ولذا فإن هذا الكم الهائل من القنوات الفضائية يضع أمامنا تساؤلًا عن مصادر تمويلها ومن يقف وراءه، وبرغم أن الأحزاب التي أنشأتها تروج للتمويل الذاتي لها وهذا أمر يصعب تصديقه، فقد تعتمد بعض هذه الفضائيات على تمويل الأحزاب المعبرة عنها، وعلى تبرعات المؤيدين للحزب، ولكن الدعم الأعظم الذي تحظى به هذه القنوات هو داخلي عن طريق الفساد المالي للحكومة والأحزاب المشاركة فيها، وخارجي من دول الجوار أو من جانب الاحتلال الأمريكي.

ويأتي في مقدمة الدعم الخارجي دعم إيران لوسائل الإعلام الموالية لها، وهذا ينسجم مع تركيز إيران في تصدير الثورة على الإعلام، كما جاء في كتاب «تصدير الثورة كما يراه الإمام الخميني»، ومن عباراته: «نتطلع إلى تصدير الثورة عن طريق الإعلام والتبليغ»، ومنها: «هدفنا أن نعرف الإسلام على حقيقته في حدود قدراتنا الإعلامية وعن طريق ما بحوزتنا من وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة، وكذلك من خلال الوفود التي تبعث إلى الخارج».

وذكرت مجلة «التايم» الأمريكية أن إيران كانت تسعى إلى تعزيز نفوذها في العراق حتى قبل الغزو الأمريكي في 2003م ولديها وثائق بشأن دعم إيران للأحزاب العراقية ومنها وسائل الإعلام.

ثم يأتي الدعم الأمريكي لوسائل الإعلام، يقول الكاتب العربي عبد الباري عطوان في مقالة له في جريدة القدس العربي الصادرة في 23-11-2005م: إن الإدارة الأمريكية أنفقت مليارًا ونصف المليار دولار على شراء ذمم الإعلاميين وتمويل حملات علاقات عامة، وتمويل محطات فضائية وإذاعية بعضها أمريكي وناطق بالعربية مثل الحرة وإذاعة سوا، وبعضها عربي الاسم بلكنة أمريكية أكثر خطورة، سواء أكان هذا التمويل بشكل مباشر أم عبر حملات إعلانية تتغنى بمزايا الاحتلال الأمريكي للعراق والديمقراطية العظيمة التي قدموها لهذا البلد وأهله.

ونشرت صحيفة «لوس أنجلس تايمز» في عددها الصادر في 30-11-2005م أن الإدارة الأمريكية قد خصصت مبالغ مالية لتوزيعها على وسائل الإعلام العراقية بشكل سري لنشر أخبار وقصص عن بطولات الجيش الأمريكي في مواجهة «الإرهابيين»، وهي المواد التي تمت كتابتها من مسؤولين في قطاع العمليات الإعلامية في الجيش الأمريكي لتحسين صورة أمريكا لدى الشعب العراقي وقد تسلمتها «مجموعة لنكولن»، واعترف بهذا الدعم محمد الطائي مدير قناة «الفيحاء»، بأن تمويلها مشترك بين بعض الأثرياء العراقيين في الخارج، إضافة إلى منحة من الكونجرس الأمريكي تمت الموافقة عليها بالفعل.

4. إنه إعلام لا يتمتع بالمعايير المهنية (باستثناء بعض المؤسسات الإعلامية المستقلة).

5. ذو هوية طائفية أو فئوية، مع غياب الهوية العراقية الجامعة، فالمتتبع لوسائل الإعلام في العراق يجد أنها تحمل في طياتها مضامين دينية وسياسية خطيرة تمثل تهديدًا للمسلمين وللقيم الإسلامية والعقيدة الإسلامية الصحيحة وللعالم الإسلامي.

فهي تهدف إلى نشر قيم دينية جديدة تقدم نفسها كبديل عن القيم الإسلامية الصحيحة، وتقوم على فلسفة الثأر والانتقام، وتركز في خطابها على عوام الناس وفق أسلوب إعلامي دعائي هو «الاستمالات العاطفية»، الذي يقوم على إثارة عوامل نفسية تتلاعب بعواطف المتلقين من خلال إثارة الحزن والشجون في نفوسهم باستغلال قلة الوعي الديني، وهو ظاهرة متفشية بين عوام المسلمين في معظم البلاد الإسلامية، فأكثر الناس لا يعلم من دينه إلا ظاهره، وبالتالي يسهل استغلال ظاهرة الجهل لدى المسلمين في التركيز على مسائل يبدو للجاهل أنها جوهرية ومن صلب الدين الإسلامي، ومن ثم إمكانية سحبهم وفق الأساليب الدعائية الحديثة لتبني طروحات تلك القنوات.

وقد توصلت دراسة علمية عن دور القنوات الفضائية العراقية في تشكيل معارف الطلبة واتجاهاتهم، للدكتور محسن جلوب في عام 2013م، وتمثل عينتها طلبة كلية الإعلام ببغداد بواقع 97 طالبًا و53 طالبة، ومن نتائجها، أن أكثر القنوات الفضائية تأثيرًا فيهم واعتمادًا عليها هي بحسب الجدول الآتي:

الذكور

الإناث

القناة

التكرار

القناة

التكرار

العراقية

13.33

السومرية

15

الحرة عراق

11

الشرقية

11

الشرقية

9

البغدادية

10.5

الفيحاء

7.66

بلادي

9.5

كربلاء

7.33

بغداد

8.5

البغدادية

7.33

آفاق

8.5

 

وأما عن أسباب الاعتماد عليها فهي بحسب الجدول الآتي:

السبب

التكرار

تتفق مع توجهاتي المذهبية + الدينية

19.20 +11.30 = 30.50

تمتاز بالموضوعية والمصداقية

19.89

تربطني بالعالم الخارجي

18٫66

تتفق مع توجهاتي السياسية

6٫13

 6. ولعل من أبرز سمات العمل الإعلامي في العراق وما يمثل تهديدًا لرسالته هو أنه مستهدف من أية قوة، فلا يوجد قانون يحمي الإعلاميين في العراق، ولا إجراءات ميدانية لتأمين عملهم، ولذا لا يزال العراق من أخطر البيئات بالنسبة للعمل الإعلامي.

الطموح والآفاق:

بعد هذا التوصيف المجمل للمشهد الإعلامي في العراق يمكن أن نحدد سبل الارتقاء به من خلال الإجراءات الآتية:

بناء إعلام عراقي مهني قيمي يسهم في بناء مجتمع حضاري مستقر مبدع.

تعزيز الوعي بضرورة الإعلام المهني الهادف.

دعم المؤسسات الإعلامية المستقلة الهادفة.

إعداد ملكات مهنية لها رسالة حضارية.

صياغة مؤشر لمعايير الجودة الإعلامية (للمحتوى والمهنية) لتقييم أداء المؤسسات الإعلامية في تقرير سنوي.

تعزيز المسؤولية الاجتماعية والتربوية لوسائل الإعلام.

دور شبكة الجزيرة.

فتح ملفات من المشهد العراقي (في الجانب الاجتماعي والإنساني: النازحون، المعتقلون، الأرامل والأيتام، الانهيار التربوي، اغتصاب المساجد، اغتيال العقول والكفاءات). وهذا أمر لا يختلف عليه المتلقون.

تنوع في مصادر التلقي وأساليب البث.

التفكير الجاد في تبني مشروع لتشكيل رأي عام يتقبل سياسة الرأي والرأي الآخر.

:: مجلة البيان العدد  343 ربـيـع الأول 1437هـ، ديسمبر  2015م.


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة