المفتي وتفسير الأحكام الاجتهادية

Share
Share
المفتي وتفسير الأحكام الاجتهادية
المفتي وتفسير الأحكام الاجتهادية


 

 من سنن الله - تعالى - الكونية الجارية، أن لا يدوم شيء على حال إلا ريثما يتسلَّط عليه انتقال، وأن شأن الدنيا في أسبابها وتصاريفها أنها مبنية على التغيُّر والتبدُّل؛ فلا يدوم لها حال.

وقد لهج الناس بذكر ذلك؛ فالأدباء والشعراء ينعون أزمان سعدهم، ويتعزَّون بذكر هذه السُّنة الكونية.

وكيف يَصِحُّ للأيام عهدٌ

                         وشيمتها التغيُّر والفساد

والوعاظ والقُصَّاص يذكِّرون الناس بذلك وينبهونهم أنه موجب لتدارُك الإنسانِ أزمان الإمكان والقدرة وتيسُّر الأمور، قبل أن تتغيُّر الأحوال.

وعلماء الاجتماع يبحثون أسباب التغيُّر، ويرصدون آثاره سلباً وإيجاباً، والأطباء يبحثون في تغيُّرات الأبدان أثراً لمرور الأعوام، أو الإصابة بالأمراض.

وقد قال - تعالى -: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ} [الانشقاق: 19]. ومن معاني ذلك مرورُه بالشباب والكهولة والشيخوخة، وتعرُّضُه للفقر والغنى والصحة والمرض... وغيرها. قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في الآية: (حالاً بعد حال)[1].

وقال بعض السلف: في كل عشرين سنة تُحدِثون أمراً لم تكونوا عليه[2].

وقد جعل الله - تعالى - التغيُّر دليلاً على ربانيته، وامتنَّ بها على عباده، فقال: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم: 54]. فجعل تغيُّر الأحوال واختلافها دليلاً على قدرة الله - تعالى - وعلمه.

وكما يحصل التغيُّر في الأشياء، والأحوال، والأخلاق، فتتغيَّر الديانات والآراء، وقـد جاء في الحـديث: «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً»[3].

فالتغيُّر طبيعة الحياة، وسُنة الأشياء، وهذا ما يقرره الآن دارسوا الاجتماع والسياسة؛ فكل شيء عندهم يتطور من حال إلى حال، مهما كان الحال الأول أصلح أو أنسب، أو كان العكس فهذه سُنة الحياة.

ومكلِّفُ الأيامِ ضد طباعها

متطلِّبٌ في الماءِ جَذوةَ نارِ

والمتأمل للواقع الفقهي يجد أن تغيُّر الرأي الاجتهادي في ما يسوغ فيه الاجتهاد، وتبدُّل الموقف نحو أي قضية اجتهادية صار سُبة لصاحبه، وعيباً يُنبَز ويُتَّهم به؛ مع أنه طبيعة إنسانية أصيلة، ولـمَّا سئل الحكيم: كيف عرف ربه؟ قال: بنقض العزائم وفتور الهمم، أو فسخ الهمم.

وفقهاء الإسلام العظام تغيَّرت آراؤهم وتبدلت أقوالهم؛ فالشافعي - رحمه الله تعالى - كان يفتي وهو في العراق بفتاوى، ولما ذهب إلى مصر أصبح يفتي بخلافها، وليس ذلك لتغيُّر البيئات واختلافها. بل لتغيُّر موقفه من القول نفسه؛ لأنه كان يقول: (ليس في حلٍّ من روى عني القديم)[4].

والإمام أحمد لما قيل له: ما ترى في كتب الشافعي التي عند العراقيين أحبُّ إليك، أم التي عند المصريين؟ قال: (عليك بالكتب التي وضعها بمصر؛ فإنَّه وضع هذه الكتب بالعراق، ولم يُحكِمها، ثم رجع إلى مصر فأحكم ذلك)[5].

وكذلك الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - غيَّر كثيراً من آرائه وفتاويه؛ ولذا يُنقَل عنه في المسألة الواحدة أكثر من رأي.

وفي مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي أن الإمام أحمد قال: (بلغني أن إسحاق الكوسج يروي عني مسائل بخراسان، اشهدوا أني قد رجعت عن ذلك كله)[6].

ومن القواعد الفقهية المشتهرة: لا يُنكَر تغيُّر الأحكام بتغيُّر الأزمان[7]، وابن القيم - رحمه الله تعالى - في كتابه (إعلام الموقعين) عقد فصلاً طويلاً في تغيُّر الفتوى واختلافها بحسب تغيُّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد.

ومع تقرُّر تغيُّر الفتوى واختلاف الأحكام، فإن الواقع أن هذا الباب ولجتْه طائفتان: واحدة تمنع الفتوى أو تعيب مغيِّر رأيه ولو وُجِد مقتضٍ لذلك، والأخرى تُخضِع نصوص الشرع وثوابته لقاعدة التغيُّر، وهو ما يفضي بالانسلاخ عن الشرع.

ولذا فإننا نعرض هنا أنواع تغيُّر الأحكام التي يمكن حصولها عند وجود سببه بياناً لهذه القاعدة بحسب ما أراده واضعوها، والله الموفق.

أنواع تغيُّر الأحكام:

 لتغيُّر الأحكام ثلاثة أنواع باعتبارات، وكل نوع منها يندرج تحته أصناف وأحوال، نُجْمِلها في ما يلي:

أولاً: تغيُّر الحكم بالنسبة للمكلَّف في نفسه:

وهذا أوسع أبواب تغيُّر الحكم، ويسميه بعض الباحثين بتغيُّر الفتوى؛ تحرُّجاً من إطلاق تغيُّر الحكم بالنظر إلى نفس المكلَّف، والمراد به اختلاف الحكم بحسب الشخص أو زمانه أو مكانه. وعليه يُحمَل ما ورد من النصوص التي تبيِّن أفضل الأعمال أو أحبَّها إلى الله تعالى.

فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «جهاد في سبيل الله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور»)[8].

وعن أبي مسعود - رضي الله عنه - قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: «الصلاة على ميقاتها». قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين». قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»)[9].

فهذه الأحاديث وأمثالها حُمِل اختلاف الجواب فيها على اختلاف حال السائلين أو السامعين[10].

قال ابن تيمية - رحمه الله -: (والتنوع قد يكون في الوجوب تارة وفي الاستحباب أخرى؛ فالأول مثل ما يجب على قومٍ الجهاد، وعلى قومٍ الزكاة، وعلى قومٍ تعليم العلم، وهذا يقع في فروض الأعيان وفي فروض الكفايات).

إلى أن قال: (وأما في الاستحباب فهو أبلغ؛ فإنَّ كل تنوُّع يقع في الوجوب، فإنه يقع مثله في المستحب ويزداد المستحب بأن كل شخص إنما يُستحَب له من الأعمال التي يتقـرب بها إلى اللـه - سبحانه وتعالى - ما يقدر عليه ويفعله وينتفع به، والأفضـل له من الأعمـال ما كان أنفع له، وهذا يتنوع تنوعاً عظيماً، فأكثر الخلق يكون المستحب لهم ما ليس هو الأفضل مطلقاً؛ إذ أكثرهم لا يقدرون على الأفضل ولا يصبرون عليه إذا قدروا عليه، وقد لا ينتفعون به، بل قد يتضررون إذا طلبوه مثل مَن لا يمكنه فهم العلم الدقيق إذا طلب ذلك؛ فإنه قد يفسد عقله ودينه، أو من لا يمكنه الصبر على مرارة الفقر ولا يمكنه الصبر على حلاوة الغنى، أو لا يقدر على دفع فتنة الولاية عن نفسه والصبر على حقوقها)[11].

وقال أيضاً: (ومن هذا الباب: صار الذِّكر لبعض الناس في بعض الأوقات خيراً من القراءة، والقراءة لبعضهم في بعض الأوقات خيراً من الصلاة، وأمثال ذلك؛ لكمال انتفاعه به، لا لأنه في جنسه أفضل)[12].

ويمكننا هنا أن نستحضر موقف الإمام مالك لما كتب له العمري يحضه على الانفراد والتعبد وترك العمل الاجتماعي الذي كان يقوم به، فإنه أجابه بقوله: (إن الله - عز وجل - قسم الأعمال كما قسم الأرزاق؛ فرب رجل فُتِح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم... ونشر العلم وتعليمـه من أفضل أعمال البر، وقد رضيـت بمـا فتـح اللـه لي فيه من ذلـك، وما أظـن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير)[13].

وقال الشاطبي: (ويختص غير المنحتم بوجه آخر، وهو النظر في ما يصلح بكل مكلَّف في نفسه بحسب وقت دون وقت، وحال دون حال، وشخص دون شخص؛ إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزان واحد، كما أنها في العلوم والصنائع كذلك)[14].

والحاصل أن الفقية قد يؤكد أو يوجب أو يستحب فعل شيء في وقت لعموم الناس أو طائفة معيَّنة لاعتبارات، ثم لتغيُّرها بالنسبة للمكلفين أنفسهم يغيِّر ذلك.

ولذا قد يتأكد الجهاد، أو الرد على أهل البدع، أو الإنكار على العصاة، ثم يؤكِّد في حين آخر على إصلاح النفس وتهذيبها والاهتمام بالذكر والتعبدات، ولو على حساب ما سبق؛ لأنه كالطبيـب ينظر في كـل ما يُصلِح المكلَّفين بالنظر لما يحيط بهم من تفاوت قُدرَتهم أو ظروفهم زماناً ومكاناً ومستوى إيمانهم وانتفاعهم.

ومن الأصناف التي تدخل تحت هذا النوع من تغيُّر الأحكام:

 تغيُّر الحكم بالنظر لتحقق شرط الوجوب أو الاستحباب في المكلَّف: فالزكاة إنما تجب على من ملك نصاباً؛ فإذا نقص ما يملكه بعد ذلك عن النصاب لم يجب عليه، والحج يجب بشرط الاستطاعة؛ فلو لم يستطع لم يجب عليه.

 تغيُّر الحكم بالنظر لقدرة المكلَّف: فالوضوء يجب بالقدرة عليه؛ فإذا لم يقدر على الماء سقط وجوب الوضوء ولزم التيمم، والقيام في الصلاة تجب بالقدرة وتسقط بزوالها؛ فيصلي قاعداً.

 تغيُّر الحكم بالنظر لوقوع الملَّكف تحت ظرف مخفف موجب للتيسير: كالاضطرار؛ فالمضطر ينقلب الحرام في حقه حلالاً. قال - تعالى -: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ وَإنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْـمُعْتَدِينَ} [الأنعام: 119]. فيكون الحرام بالنسبة للمكلَّف المضطر إليه حلالاً؛ فالصيام الواجب إذا لحق المكلَّفَ منه ضرر صار حراماً عليه.

 تغيُّر الحكم باعتبار حال الإنسان: فالقُبْلة للصائم يختلف حكمها باختلاف الفاعل فقد رخَّص النبي صلى الله عليه وسلم بها للشيخ ونهى الشـاب عنهـا[15]. وسئل ابن عبـاس - رضي الله عنه - عن توبة القاتل فقال: لا توبة له. وسأله آخر فقال: له توبة. فلما سُئل قال: أمَّا الأول فرأيت في عينيه إرادة القتل فمنعتُه، وأما الثاني فجاء مستكيناً فلم أقنِّطه من رحمة الله[16].

 ومن ذلك كل باب السياسة الشرعية التي يقضي بها الفقيه: فيقرر حكماً بالنظر لحال الناس أو فئة منهم لا باعتبار اختياره للرأي في كل زمان ومكان، بل في هذه الظروف والأحوال نفسها فحسب.

وقد ناقـش العـلاَّمة ابن القيـم فتـوى عمر بن الخطـاب - رضي الله عنه - في جعل الطلاق: الثلاث بفم واحد ثلاث طلقات، ونقل أن المطلِّق في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وزمن خليفته أبي بكر، إذا جمع الثلاث، جُعلَت واحدة. قال: (إذا عُرِف هذا، فهذه المسألة مما تغيَّرت الفتوى بها بحسب الأزمنة لِـمَا رأته الصحابة من المصلحة؛ لأنهم رأوا مفسدةَ تتباعِ الناس في إيقاع الثلاث لا تندفع إلا بإمضائها عليهم، فرأوا مصلحة الإمضاء أقوى من مفسدة الوقوع)[17].

ويأتي لهذا مزيد بيان.

ثانياً: تغيُّر الأحكام بالنظر للحكم نفسه:

ويكون بالنظر للحكم لا باعتبار المكلَّف به ولا باعتبار المجتهد، وهذا التغيُّر يحصل بنسخ الحكم. قال - تعالى -: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ألَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106]؛ فالنسخ يغير الحكم، وهو تغيير راعى فيه الشارع الحكيم مصلحة المكلَّف والخيرَ له. وفي القرآن والسُّنة من الشواهد على النسخ ما لا يخفى.

وفي النسخ يتغيُّر الحكم لما هو أخف أو لما هو أغلظ أو لما يساوي الحكم المنسوخ، أو يرتفع الحكم كله إلى غير بدل.

وهذا التغيُّر تغيُّر دائم لا ارتباط له بحال المكلَّف وكما يكون تغيُّر الحكم بالنسخ فهو حاصل بالنسأ على قراءة {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنسَأهَا} [البقرة: 106]. قال البيضاوي: (قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ننسأها، أي: نؤخِّرها من النسء. وقرئ: {نُنسِهَا}؛ أي نُنْس أحداً إياها)[18].

وهذا التأخير قد يكون في النزول، وقد يكون تأخيراً للحكم إلى أوانٍ مخصوص دون إلغاء له بالكلية؛ فقد ذهب بعض المحققين إلى أنَّ بعض الأحكام التي قيل بنسخها، إنما أُخِّر العمل بها ولم تنسخ بالكلية.

قال الزركشي: (ما أُمر به لسبب ثم يزول السبب؛ كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والمغفرة للذين يرجون لقاء الله، ونحوه من عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحوها ثم نسخه إيجابَ ذلك، وهذا ليس بنسخ في الحقيقة وإنما هو نَسْء، فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، وبهذا التحقيق تبيَّن ضعف ما رجَّح به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف، وليست كذلك؛ بل هي من المنسأ، بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقتٍ مَّا لعلة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله أبداً)[19].

وعليه فالنسء للحكـم عائد للنوع الأول المتقدم، وإن قيل بأن المراد بالنسء تأخير نزول الناسخ لا تأخير الحكم وإرجاء العمل به.

والحاصل أن النسخ تغيير للحكم بأمر رباني وتشريع إلهي اقتضته حكمة الله، وهو - سبحانه - إنما شرع الأحكام لمصالح الخلق؛ لأنه الغني عن عباده، كما قال - تعالى -: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} [الأنفال: ٦٦].

وقال في نسخ القبلة: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْـمَسْجِدِ الْـحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْـحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 144]

ثالثاً: تغيُّر الحكم باعتبار اجتهاد المجتهد فيه:

وهذا يتعلق بالأحكام الاجتهادية؛ إذ المنصوص عليه لا يمكن تغيُّره إلا بالنسخِ، والنسخُ لا يمكن بعد انقضاء زمن التشريع واكتمال الدين، وإن أمكن تطرُّق النوع الأول من التغيُّر لها لارتباطه بالمكلَّف باعتبار تغيُّر أحواله.

والمجتهد يتغيَّر الحكم بالنسبة لاختياره وترجيحه لأسباب عديدة؛ فما يندرج تحت هذا النوع من أصناف هي كالتالي:

 تغيُّر الحكم باعتبار أنه بُنِي على العرف؛ فإنه متى تغيَّر العرف، تغير ما انبنى عليه:

ومعلوم أنه (بتغير الأزمان تتغير احتياجات الناس، وبناءً على هذا التغيُّر يتبدل أيضاً العرف والعادة؛ وبتغير العرف والعادة تتغير الأحكام؛ بخلاف الأحكام المستندة على الأدلة الشرعية التي لم تُبْنَ على العرف والعادة فإنها لا تتغير، مثال ذلك: جزاء قاتل العمد: القتل، فهذا الحكم الشرعي الذي لم يستند على العرف والعادة لا يتغير بتغيُّر الأزمان، وأما الذي يتغير من الأحكام بتغيُّر الأزمان فإنما هي المبنية على العرف والعادة، ومثال ذلك عند الفقهاء المتقدمين أنه إذا اشترى أحد داراً اكتفى برؤية بعض بيوتها، وعند المتأخرين لا بد من رؤية كل بيت منها على حدته، وهذا الاختلاف ناشئ عن اختلاف العرف والعادة في أمر الإنشاء والبناء؛ فالعادة قديماً أن تكون جميع البيوت متساوية وعلى طراز واحد؛ فكانت رؤية بعض البيوت تغني عن رؤية سائرها، وأما بعد ذلك فقد جرت العادة اختلاف البيوت في الشكل والحجم؛ فلزم عند البيع رؤية كل منها على الانفراد)[20].

 تغيُّر الحكم باعتبار بناء الحكم على المصلحة التي متى تغيرت تغيَّر الحكم المبني عليها:

فمتى حرَّم الفقية شيئاً لأن مفاسده غالبة، أو أباحه أو استحبه لغلبة مصالحه ثم تغير الحال فعلاً، فإن الحكم يتغير تبعاً، وقد نقلنا سابقاً ما قرره ابن القيم في طلاق الثلاث.

وهذا النظر المصلحي قد يكون فردياً فيعود للنوع الأول؛ كما لو افتى الفقيه بحرمة دخول شخص للسـوق لكـونه يفعل فيه ما لا يحل، وقد يكون عامّاً وهو ما يندرج هنا وأمثلته كثيرة لا تحصى، وكثيراً ما يكون ذلك سبباً لطعن بعض المخالفين في الفقهاء وقد غفلوا عن أن ما بنى عليه الفقيه رأيه قد تبدَّل فتبدل رأيه تبعاً لذلك. قال الشاطبي: (إنَّا وجدنا الشارع قاصداً لمصالح العباد والأحكام العادية تدور معه حيثما دار، فترى الشيء الواحد يُمنَع في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كان فيه مصلحة جاز)[21].

 تغيُّر الحكم باعتبار تغيُّر الترجيح لوقوف المجتهد على دليل جديد، أو مرجَّح أو عاضد أو لزيادة التأمل الفقهي المقتضي لتقوية قول كان مرجوحاً في نظره، ونحو ذلك:

وهذا كثير جداً قد وقع للصحابة - رضي الله عهنهم - فمن بعدَهم، وقصة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في قضية التشريك بين الإخوة الأشقاء والإخوة لأم في المسألة الحمارية مشـهودة؛ فإنه قضى بالتشريك ثم تركه فقيل له: ما هكذا حكمت أولاً فقال: (تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي)[22].

وقد كتب - رضي الله عنه - إلى أبي موسى: (لا يمنعنك قضاءٌ قضيته بالأمس، ثم راجعت نفسك فيه اليوم فَهُديت لرشدك أن تراجع فيه الحق؛ فإن الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل)[23].

 تغيُّر في الحكم في المسألة المعيَّنة لموجب يخصُّها كجريان العمل - مثلاً - أو دفع لمفسدة تحصل عند الأخذ بالقول الآخر: قال في مراقي السعود:

  وقدِّم الضعيف إن جرى عملٌ

            به من أجل سبب قد اتصل

ومثال ذلك: النكاح بدون ولي عقد فاسد على الصحيح من أقوال الفقهاء، ومع ذلك قال الشاطبي: (فمن واقَع منهياً عنه فقـد يكـون في ما يترتب عليـه مـن الأحكـام زائداً على ما ينبغي بحكم التبعيَّة، أو مؤدياً إلى أمر أشد عليه من مقتضى النهي، فيترَك وما فعل من ذلك، أو نجيز ما وقع من الفساد على وجه يليق بالعدل نظراً إلى أن ذلك... وإن كان مرجوحاً فهو راجح بالنسبة إلى إبقاء الحالة على ما وقعت عليه؛ لأن ذلك أَوْلَى من إزالتها مع دخول ضرر على الفاعل أشد من مقتضى النهي... فالنكاح المختلَف فيه قد يُراعَى فيه الخلاف فلا تقع فيه الفُرقة إذا عُثِر عليه بعد الدخول)[24].

ويقول السبكي: (إذا قصد المفتي الأخذ بالقول المرجوح مصلحة دينيَّة جاز)[25].

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: (المسألة الخلافية إذا وقعت فيها الضرورة... جاز للمفتي أن يأخذ بالقول الآخر من أقوال أهل العلم الذي فيه الرخصة)[26].

وقد قال ابن تيمية - رحمه الله -: (إذا فعل المفضولَ عنده لمصلحة الموافقة والتأليف التي هي راجحة على مصلحة تلك الفضيلة كان جائزاً حسناً)[27].

وقد سبق لنا أن نقلنا قول الشيخ محمد بن عثيمين في جواز الإفتاء بالمرجوح لدفع مفسدة أو تحقيق مصلحة؛ وذلك مشروط بعدم مخالفة نص شرعي[28].

 المقصود من تغيُّر الأحكام:

 إن الحكمة البالغة التي اقتضت هذا التغيُّر هي أن الشرع جاء بمصالح العباد؛ ولذا قال ابن القيم: (فصل في تغيُّر الفتوى واختلافها. هذا فصل عظيم النفع جداً وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة؛ فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها)[29].

وهذا من أوجه بيان صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان؛ فأحوال العالم وعاداتهم ومصالحهم لا تدوم على وتيرة واحدة؛ ولهذا تتبدل الشرائع وتتفاوت، وكان ختام الشرائع شريعة الإسلام التي قعَّدت قواطع لا يمكن اختلافها إلا بالنظر لظرف يخص أفرادها فقط.

وأبقت جزئيات يمكن تفاوتها وتغيُّرها وتبدُّلها تبعاً للظروف، وهي مع خضوعها للتفاوت إلا أنها مع تفاوتها في كل حال ترجع إلى أصل شرعي يُحكَم به عليها ويجتهد الفقيه في إلحاقها بأنسب الأصول الشرعية. فمعنى التغيُّر انتقال الفرع عن الأصل الذي حكم به عليه إلى أصل شرعي آخر.

وكذلك فإن النوايا والإرادات والأحوال تختلف فيختلف الحكم عليها. قال الشاطبي: (الاقتضاء التبعي هو الواقع على المحل مع اعتبار التوابع والإضافات: كالحكم بإباحة النكاح لمن لا إرب له في النساء، ووجوبه على من خشي العنت، وكراهية الصيد لمن قصد فيه اللهو، وكراهية الصلاة لمن حضره الطعام أو لمن يدافعه الأخبثان)[30].

 ولذلك كان من أهم ما يُطلَب من المفتي علمه بواقعه وإدراكه لأبعاده؛ ليحقق مقصد التشريع في فتواه، ويلحق الصورة المعروضة بالقاعدة الشرعية بأكمل وجه.

وبهذا التغيُّر يواكب الفقه تغيُّر المجتمع في أعرافه، وفي اختلاف أحوال المصالح والمفاسد والظروف، كما أنه يواكب النحو الذهني والقدرة الاجتهادية والآلة الفقهية لدى المجتهد، وكل ذلك يصب في مراعاة مصالح الخلق التي جاء الشرع بها.

والحقيقة أن من الناس من يطعن في الفقيه إذا غيَّر رأيه بأنه لم يبنِه في الأصل على ملحظ مناسب، ومنهم من ينسبه للخضوع للواقع.

وكلاهما فيه ظلم للفقيه الذي يبذل جهده للاستجابة للواقع وظروفه بحسب القواعد والأصول الشرعية حسبما يفهمه من الشرع، ومتى استجاب للظروف وطبَّق عليها قواعد الشرع فهو الفقيه.

ولذا قال صلى الله عليه وسلم في من لم يُراعِ حال المريض عند حصول الجنابة به فأمره بالغسل فمات: «قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا؛ إنما شفاء العي السؤال»[31].

دليل على أن من لم يستجب للواقع والظروف بحسب القواعد والأصول، ويعرف أحوال المستفتين، فهو جاهل ليس بفقيه، والله المستعان.

 

 


 


[1] صحيح البخاري: (4940).
[2] تفسير ابن كثير: (14/298) من قول مكحول، رحمه الله.
[3] صحيح مسلم: (169) عن أبي هريرة، رضي الله عنه.
[4] البحر المحيط للزركشي: (4/584).
[5] مناقب الشافعي للبيهقي: (1/263)، وانظر مقالاً بعنوان: خطأ القول بأن الشافعي غيَّر مذهبه مراعاة للفوائد، علوي السقاف، موقع التبصرة:
www.tabsera.com
[6] ص 265، وانظر تاريخ بغداد: (6/363).
[7] مجلة الأحكام العدلية المادة رقم 39.
[8] صحيح البخاري: (1422)، وصحيح مسلم: (118).
[9] صحيح البخاري: (2574)، وصحيح مسلم: (120).
[10] فتح الباري لابن حجر: (1/18).
[11] مجموع الفتاوى: (19/119).
[12] مجموع الفتاوى: (24/198).
[13] التمهيد لابن عبد البر: (7/185).
[14] الموافقات: (4/98).
[15] سنن أبي داود: (2/780).
[16] تفسير ابن كثير: (1/537).
[17] إعلام الموقعين: (2/41).
[18] تفسير البيضاوي: (1/145).
[19] البرهان في علوم القرآن: (2/42).
[20] درر الحكام شرح مجلة الأحكام، علي حيدر: (1/48).
[21] الموافقات: (2/305).
[22] سنن البيهقي (10/120)، باب من اجتهد ثم تغيَّر اجتهاده.
[23] سنن الدار قطني: (4/206)، باب: كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري.
[24] الموافقات: (4/203).
[25] الفوائد المدنية، ص 236.
[26] فتاوى ورسائل: (11/272).
[27] مجموع الفتاوى: (24/195).
[28] في مقالنا (تيسير الفتوى ضوابط وصور عملية) المنشور في مجلة البيان.
[29] إعلام الموقعين: (2/1).
[30] الموافقات: (2/25).
[31] سنن أبي داود: (336) بسند صحيح عن جابر بن عبد الله, رضي الله عنهما.

 
 

 


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة