ذلك الفرق الذي يجعلك (بطلاً)ويجعلني (صفراً)

Share
Share
ذلك الفرق الذي يجعلك (بطلاً)ويجعلني (صفراً)
ذلك الفرق الذي يجعلك (بطلاً)ويجعلني (صفراً)


 

 

 

 

 

 

كأس الشاي أمامي تتصاعد منه أبخرة الحرارة.

كل شيء حولي هامدٌ لا يهزُّه شيء: الجدران بطلائها الجميل، والأضواء الخافتة الملونة، الأثاث برائحته الخاصة لم تُعفِّره السنون بغبارها بعد.

كل شيء أنيق ونظيف... وأنا أعيش هنا؛ ولذلك دموعي سرابٌ لا يُذاب كما دموعك أنت.

أنا أشتري الزيتون من متجر الحي متبَّلاً محشوّاً وبدون نوى.

أما أنت فتقطفه من شجر أرضك مُرّاً قاسياً أخضر كالحلم الذي مضى عليه أكثر من خمسين سنة ولم يغزُه اليأس برغم الشيب الذي غزا رؤوسكم.

أنا أتعسَّف اللغة تعسُّفاً لأكتب قصيدة جوفاء لا حرب فيها، لا حصار، لا خوف.

القلم مبريٌّ والورق كثيرٌ والساعة تعمل برتابة مُعلَّقةً على الجدار قرب لوحات زيتية باهظة الأُطُر وثقيلة الأوزان.

بينما تُشهِرٌ (مُوسَكَ) الحادَّ لتجترح صرخاتك على جدران المنازل المطلَّة على شوارع غزة المنكوبة، تنحت حرقتك في وجهها الطيني شِعراً يبكي، وقوافي من جوفك تأتي تصدح بالآه... ترتج يدك على وجهها الحجري الجامد لتوقِّع صرختَك لوحةً من دون إطار... لا تُباع أو تُشتَرى، ولا تعني شيئاً لأحد.

ليس الفرق بيننا فقراً وغنىً، جوعاً أو شبعاً... بل هو الفرق الذي بين الحقيقة والتخيُّل، فأنت تعيش في حقيقة صعبةٍ، وأنا أتخيَّلُ كم هي صعبةً!

لكن لو كنتُ مكـانك لكـنتُ مثلك، ولو كنتَ مكـاني لما استطعتَ أن تكون غير ما أنا عليه الآن.

دموعك أنت هي الثمرة الوحيدة التي تصنع عصير الفواق لهم. أما دموعي فليست أكثر من كذبٍ أمارِسُهُ كي لا أكون بليدةً أمام محنتك.

لا تلمْني أيها البطل!

إنها مشيئةٌ رتَّبَتْنا على هذا النحو؛ تماماً كما رتَّبتْكم شعباً يملك الكثير ليفقدهُ، ورَتَّبَتْ الحكومات حكوماتٍ تملك الكُرْسي فقط، هذا الكرسي الذي يصعب أن تفقده.

ألا ترى أن مكان البيدق في الرقعة هو مكانه فيها... ومكان الشاه من خلفه هو مكانه... واللُّعبة أن يموت الملك في النهاية. وهذا لا يحصل حتى تخلو الرقعة من كل الأحجار. هذه هي اللعبة.

الشعوب تضْرسُ... تُبادُ... وتُقْتَلُ. والناس تصبح مجرَّد أرقامٍ في لوائح سوداء طويلة ونشرات أخبار باردةٍ... تُلقَى على مسامع صماء.

لا قيمة لكل ما يحدث؛ فالغاية هي الرؤوس التي لا يصِلها سـوى برقيـات التعـزية المنمَّقة.

هاتِ دمعك كي أذيبه في تلك الكؤوس... إنه سُمٌّ يوقظ من الموت الذي يسكنونه. واعذرني كثيراً لأني سأتسوَّل منك ما يَهبُهم الإحساس بك.

اعذرني كثيراً أيها البطلُ... أرجوك.

 

 


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة